تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال عتي بن مالكٍ

أعداء من لليعملات على الوجىوأضياف ليلٍ بيتوا لنزول
أعداء ما للعيش بعدك لذةٌولا لخيلٍ بهجةٌ بخليل
أعداء ما وجدى عليك بهينٍولا الصبر إن أعطيته بجميل

ناداه مسائلاً له على طريق التوجع: من خلفت بعدك للوراد، وعلى من اعتمدت في تفقد الأضياف. واليعملات: النوق السراع. والوجى هو الحفى. وقال الخليل: اليعملة لا يوصف بها إلا النوق. وقال أبو سعيدٍ: يقال للجمل يعملٌ، اسمٌ له من العمل، كما يقال يعملةٌ، وأنشد:

إذ لا أزال على أقتاد ناجيةٍصهباء يعملهٍ أو يعملٍ جمل

أراد أو جملٍ يعمل. وموضع على الوحى نصبٌ على الحال، كأن فناءه وداره كان مألفاً للعفاة ومجمعاً للأضياف، فإذا أرادوا من يؤويهم لم يؤثروا تطلباً على قصده، ولم يجدوا تطلقاً وتوفراً إلا من عنده، فقال على طريق التحسر: من يؤوي الأضياف وقد بهرهم السعي وأتعبهم الطلب غيرك، ومن ينزل السفر وقد أكلهم التعب

وأملهم الدأب حتى حفيت رواحهم، وحتى بيتوا لنزولٍ، ميلاً إلى نيل راحتهم. ويقال بيت الأمر، إذا دبره بالليل. وكل رأيٍ أجلته بليلٍ فهو مبيتٍ. وماءٌ بيوتٌ، إذا بات ليلةً في الإناء. وبيت القوم، إذا أوقعت بهم ليلاً. ويقال للهم: هو بيوتٌ، وللصقيع بيوت.

وقوله أعداء ما للعيش بعدك لذةٌ يصفه فيه بأنه كان ببليغ لطفه وجميل خلقه، وسهولة جانبه ورحابة جنابه، يطيب العيش معه على ما يعترض فيه من مساءةٍ أو مسرةٍ، إذ كان يتحمل الأعباء عمن يجاوره، ويخفف ظهر من ينصب إليه، أو يتسبب بقرابةٍ لديه، أو يتوكل لمخلةٍ عليه، فكان لذيذ الحياة يوجد عنده، وصفى البقاء يحصل معه. وقوله ولا لخليل بهجةٌ بخليل يعني أن الناس وقد رأوا مآل أمرك إلى الفناء، وانقطاع السرور عنهم بعد النماء، صار لا يبتهج بعضهم ببعضٍ، فلا يسكن الصديق إلى صديقه، ولا القريب مع قريبه، لغلبة اليأس من الخير، وارتفاع الطمع من الفرج.

وقوله أعداء ما وجدى عليك بهينٍ كرر مناداته دلالةً منه على لزوم التوجع، وتنبيهاً على حصول العناء والاشتكاء بعد التودع. ثم قال: ليس جزعي عليك بخفيف، ولا وجدي عليك بطفيف، ولا صبري لو حصل بجميل، لأن الصبر على فقدك منكر، وهون الوجد وخفته مستفظع، فليس لنا إلا الاستمرار فيما نحن بسبيله من اللهف والحسرة والاستسلام للشقاء والهلكة.

وقال أيضاً:

كأني والعداء لم نسر ليلةًولم نزج أنضاءً لهن ذميل
ولم نلق رحلينا ببيداء بلقعٍولم نرم جوز الليل حيث يميل

أدخل الألف واللام ي هذه المقطوعة على العداء لأنه صفةٌ في الأصل، فهو كالحسن والعباس وما أشبههما، فإذا أتيت به ولا ألف ولام فيه فلأنك جعلته علماً، فصار معرفةً بالعلمية، وإذا أدخلت الألف واللام عليه فإنك راعيت حاله وهو صفةٌ ثم جعلتها نفس المسمى وأدخلت الألف واللام عليه. فعلى الأول لا يفيد الاسم في المسمى شيئاً أكثر من تمييزه عن غيره، وعلى الثاني أفاد معنى الوصيفة فيه مع التمييز، فصار كالصفات الغالبة الجارية مجرى الألقاب في الخصيص.

وقوله كأني والعداء لم نسر ليلةً يريد أن الشيء إذا انقطع فكأنه لم يكن. والمعنى أنى وقد فقدته فكأني وإياه لم نصطحب في قطع مسافة، ولم نشترك في سوق أنضاءٍ من الإبل لتحمل كلفةٍ، أو صبرٍ على مشقةٍ. ونبه بهذا الكلام على تبذله - كان - فيما يكسبه الأحدوثة الجميلة، وإن تكلف فيه الأثقال العظيمة. والذميل: إسراع السير. والأنضاء: جمع النضو. وقال الدريدي: يقال: ذملت الناقة ذميلاً وذملاناً، وهو ضربٌ من السير أعلى من العنق، وناقةٌ ذمولٌ. والإزجاء: السوق.

وقوله ولم نلق رحلينا لو قال رحالنا لكونهما اثنين من اثنين، فجرى مثل قوله تعالى: " فقد صغت قلوبكما " كان أدخل في الاستعمال، لكنه أتى به على الأصل. والبيداء: المفازة. والبلقع: القفر الخالي. والمعنى على ما تقدم في البيت الذي قبله، من الصبر على الشدائد.

وقوله ولم نرم جوز الليل حيث يميل أراد حيث يميل الليل. وحيث هذا ظرف زمانٍ. يريد فكأنا لم نرم بأنفسنا جوز الليل وقت ميله. يشير إلى جنوحه وإشرافه على تهوره، لأن ميله على ذلك يكون. ومما جاء فيه وهو للزمان دون المكان عند أبي الحسن الأخفش قوله:

للفتى عقلٌ يعيش بهحيث تهدى ساقه قدمه
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أشجاك الربع أم قدمه»

لأن المعنى: للفتى عقلٌ يعيش به مدة سعيه وحياته؛ ونهوضه بساقه في أمره. ويجوز أن يكون حيث ظرفاً لمكانٍ، ويكون المعنى: إنا نعتسف الطريق فحيث مال الليل ملنا معه. ويجوز أن يكون فاعل يميل ما دل عليه " ولم نرم " من المصدر، ويكون المعنى حيث يميل الرمي ويذهب فيه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.