من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الأسدي
وخبره في منادمته معروف:
خليلي هبا طال ما قد رقدتماأجدكما لا تقضيان كراكما
قوله طال ما يجوز أن يكون ما الكافة وقد ركب مع طال تركيباً واحداً حتى صارا معاً كالشيء الواحد. ويجوز أن يكون ما منفصلاً من طال، ويكون مع الفعل الذي بعده في تقدير المصدر، كأنه قال: طال رقودكما. فإذا كتب المركب مع ما يجب أن يوصل أحدهما بالآخر، وإذا كتب الثاني يفصل بين طال وبين ما. وأجدكما انتصب على المصدر، ذكره سيبويه في باب ما ينتصب من المصادر توكيداً لما قبله. قال: ومثله في الاستفهام: أجدك لا تفعل كذا، كأنه قال أجداً. غير أنه لا يستعمل إلا مضافاً، فهو يجري في التأكيد مجرى حقاً. وفي الإضافة: جهدك، ومعاذ الله، والمعنى: أتجعلان فعلكما جداً. وقوله لا تقضيان كراكما كأنه لما اتصل رقادهما ودل على حاليهما في امتداده قوله هبا، وقوله طالما قد رقدتما، جعل النفي بلا، ليدل على اتصاله في الاستقبال، وأن سؤاله عما يجيء لا عما هو فيه. ولو جعل بدل " لا " ما، كان للحال. ومعنى البيت: يا خليلي انتبها فقد امتد رقادكما.
وأتجدان جدكما في أن كراكما بعد لا منتهى له ولا انقضاء، بل يتصل ويدوم. وقوله طالما قد رقدتما يكتفى به إذا كان المتقدم من الكلام يشتمل على ما قد استطيل. وعلى ذلك عزما، وشدما.
ألم تعلما مالي براوند كلهاولا بخزاقٍ من صديق سواكما
قوله ألم هو لم أدخل عليه ألف الاستفهام، والاستفهام كالنفي في أنه غير موجب، ونفي النفي إيجاب، لذلك قرر بألم فيما كان واجباً واقعاً، لأنه يتضمن من التحقيق والتثبيت في التقرير، وتأكيد المقرر على المخاطب، مثل ما يتضمنه القسم لو أتى به بدله؛ لذلك عقبه بما يعقب به القسم، وهو ما النافية. وقد تقدم القول في قول القائل: الله يعلم ويعلم الله، والله يشهد؛ أن جميع ذلك يستعمل استعمال الأيمان. وكذلك قول القائل:
ولقد علمت لتأتين منيةٌما بعدها خوفٌ علي ولا عدم
فقوله ولقد علمت جارٍ مجرى اليمين فيما ذكرت من التأكيد، لولا ذلك لما عقب بما يكون جواب اليمين. وقوله ألم تعلما أصله تعلمان، ودخلت ألم للتقرير. وقوله مالي براوند في موضع المفعول لتعلمان، لأن تعلم ها هنا في موضع تعرف، كقوله تعالى: " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت "، وكذلك: لقد علمت لتأتين، أصله لتأتين ودخلت علمت ليؤكد بها، لأنك أخرجت الكلام بها من أن يكون على سبيل التظني أو من خبر مخبرٍ فيكون إحالةً عليه. واللام من لتأتين له الصدر، فيمنع علمت من العمل، وإذا كان كذلك كان موضع لتأتين له الصدر، فيمنع علمت من العمل، وإذا كان كذلك كان موضع لتأنين نصباً على أنه مفعول علمت، وعلمت بمعنى عرفت. وقوله من صديق في موضع الرفع على أن يكون اسم ما. وفائدة من الاستغراق، وسواكما في موضع غير، وهو صفةٌ لصديق. والكلام هو استبطاءٌ في استمرار رقادهما عنه، وغفلتهما مما هو بسبيله، وباطنه تلهف وتوجعٌ.
أقيم على قبريكما لست بارحاًطوال الليالي أو يجيب صداكما
أصب على قبريكما من مدامةٍفإن لم تذوقاها أبل ثراكما
يقول: أصل مقامي على قبريكما باتصال الليالي ودوامها، ولا أبرح إلا أن يجيبني صداكما. وقوله لست بارحاً في موضع الحال، كأنه أراد: أقيم ملازماً أبداً. وطوال انتصب على الظرف، والعامل فيه يجوز أن يكون بارحاً، ويجوز أن يكون أقيم. فأما قوله أو يجيب فأو بدلٌ من إلى، والفعل بعده انتصب بأن مضمرة. والعرب تقول: عظام الموتى تصير أصداءً وهاما، لذلك قال: أو يجيب صداكما.
وقوله أصب على قبريكما من مدامة من أفاد التبعيض، وموضع من مدامةٍ نصبٌ على أنه مفعول أصب، والمعنى أجريكما في المنادمة والشرب مجراكما وأنتما حيان، فإذا عادت النوبة إليكما أصب ما نابكما من المدامة على قبريكما، لأنه إن لم يبل ريقكما رطب قبريكما. وقوله أبل يجوز أن تبنيه على الفتح والضم والكسر، لأنك تدغم وإن كان معرباً، فيلتقى بنقل الحركة عن العين إلى الفاء ساكنان، ثم يبنى على الكسر لأنه أصلٌ في التقاء الساكنين، أو على الفتح لخفته، أو على الضم للإتباع. ولا خلاف في إدغام المعرب من كل العرب، فأما المبني فبعضٌ يظهر التضعيف فيه فيقول: أردد، وبعضٌ يقول رد فيدغم وإن كان مبنياً، إلا أن الأصل في الإدغام للمعرب، ثم حمل المبني عليه فاعلمه.
وأبكيكما حتى الممات وما الذييرد على ذي عولةٍ أن بكاكما
قوله وما الذي يرد على ذي عولةٍ يجري مجرى الالتفات. وقوله إن بكاكما إذا فتحت الهمزة يكون موضعه من الإعراب الرفع على أن يكون فاعل يرد، لأن أن مع الفعل في تقدير المصدر، وإن رويت إن بكسر الهمزة كان شرطاً وجوابه يدل عليه ما تقدمه، وفاعل يرد ما يدل عليه أبكيكما من مصدره، كأنه قال: وما الذي يرد البكاء على ذي عولةٍ إن بكاكما. على ذلك قولهم: من كذب كان شراً له، ومن صدق كان خيراً له يريدون كان الكذب شراً له والصدق خيراً له. والمعنى: أبكيكما ما اتصل عمري. ثم قال كالملتفت إليهما على طريق اليأس: وما يغني البكاء عن المعول إن بكاكما. فقوله " ما " استفهام ومعناه للإنكار. والعويل: صوت الصدر، ومنه العولة، وقد أعولت المرأة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع