تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال نهشل بن حريٍ

بنفسي خليلاي اللذان تبرضادموعي حتى أسرع الحزن في عقلي
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

تعلق الباء من بنفسي بفعلٍ مضمر دل عليه جلية الحال، وقرينة الكلام، كأنه قال: أفدى بنفسي من أخاله. ومعنى تبرضا أفنيا دموعي شيئاً فشيئاً، وقليلاً قليلاً؛ لأن التبرض التبلغ والتطلب من ها هنا وها هنا. وماء برضٌ، أي قليل. وبرض لي من ماله برضاً، إذا أعطاك القليل. قال:

لعمرك إنني وطلاب سلمىلكالمتبرض الثمد الظنونا

والمعنى فديت بنفسي صديقي اللذين نضب في البكاء لهما دموعي، وتأدى إلي الحزن إلى أن عمل في عقلي فأزاله، فدمعي وصبري مستنفدان لتأثير الفجيعة بهما. وجعل الفعل في تبرضا للخليلين، وحق الكلام تبرض الحزن لهما والبكاء عليهما دموعي، إلى أن أسرعا في عقلي فصار والهاً.

ولولا الأسى ما عشت في الناس بعدهولكن إذا ما شئت أسعدني مثلي
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

قوله ما عشت في الناس أي مع الناس ومختلطاً بهم، فموضع في الناس نصبٌ على الحال، والكلام جواب لولا، وخير المبتدأ الذي هو الأسى محذوفٌ استغنى عنه بجواب لولا، والمعنى لولا أن لي بالناس إسوةً في مصائبهم، فأورثني ذاك تماسكاً وصبراً، لقتلت نفسي فلم أعش ساعةً من عمري، ولكن متى شئت وجدت لنفسي أقراناً إن دعوتهم أجابوني، وإن استسعدتهم أسعدوني. والإسعاد، قال الخليل: يستعمل في المساعدة على البكاء خاصةً، ومثله:

ولولا كثرةً الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسي
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»

وقال أيضاً:

أغر كمصباح الدجنة يتقىقذى الزاد حتى يستفاد أطايبه
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

الدجنة: الظلمة؛ وليلةٌ مدجانٌ. والدجن: إلباس الغيم؛ ويقال: هو يوم دجنٍ. وأراد بقوله أغر إنه كريمٌ نقي العرض أبيض الطلعة، فكأنه في تلألؤه ونور وجهه وتهلله مصباح الظلام. ومعنى " يتقي الزاد " أنه يزهد في خبائث الزاد وما يشين أخذه وتطعمه، إلى أن يستفيد الطيبات منه. ويشير بقذى الزاد إلى ما يفيء عليه غدرٌ أو غلول، أو مخانةٌ أو ابتذالٌ. ويشير بالطيب إلى ما كان من حله ووجهه، لا عار في اكتسابه، ولا بذلة في احتجانه. وبعض الناس روى: قدى الزاد، والقدى:

الرائحة الطيبة، يقال قدرٌ قديةٌ، إذا كانت طيبة الرائحة. كأن المراد عنده: لا يتشمم الزاد ورائحته حتى يتيقنه طيباً. والأول الأصح والأجود، وذلك أنه أراد بالقذى الخبيث، وقد طابق الطيب به، كما قال الآخر:

وما كان زادي بالخبيث كما زعم

وذكر القدى مستبعدٌ ها هنا، ولا فائدة في إبقائه له، ويغلب في ظني أنه تصحيف.

وهون وجدي عن خليلي أننيإذا لاقيت امرأً مات صاحبه
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
أخٌ ماجدٌ لم يخزني يوم مشهدٍكما سيف عمروٍ لم تخنه مضاربه
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

يقول: خفف وجدي بخليلي لما أصبت له أئتسائي بغيري من الناس، لأني متى شئت لاقيت من امتحن بمثل محنتي. ثم قال أخٌ ماجدٌ أي خليلي وصاحبي أخٌ ماجد، لم يهني يوم حفلٍ ولم يخذلني عند احتشادٍ وجمعٍ، ولا جلب علي في مشهدٍ من المشاهد ما أستحيى منه أو أخزى له، بل كان لي عند ما أدعوه له مجيباً، وفي الشدائد عواناً وظهيراً، لا يتغيب عني ولا يفتر معي، كصمصامة عمرو، له نفاذٌ حيث أعمله، ومضاءٌ عند ما يهزه، لا يخون ولا يرتد، فكذلك كان صاحبي. وارتفع قوله أخٌ ماجدٌ على أنه خبر مبتدأ مضمرٍ. وقوله كما سيف عمرو لو رويت كما سيف عمرو لجاز، تجعل ما صلةً وينجر السيف بالكاف. ومثله قوله:

كما العظم الكسبر يهاض حتىيبت وإنما بدأ انصداعا

تجر العظم بالكاف، وإن رفعته كان مبتدأً، وكذلك إذا رفعت سيف، ويكون ما من قوله ما الكافة، ويكون مثل ما من قوله ما الكافة، ويكون مثل ما من قوله ﷿: " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ". والضمير من قوله لم يخنة يرجع إلى عمرو، ويجوز أن يرجع إلى السيف أيضاُ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.