تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال آخر (١٨)

نعى لي أبا المقدام فاسود منظريمن الأرض واستكت على المسامع
وأقبل ماء العين من كل زفرةٍإذا وردت لم تسطعها الأضالع

يقول: خبر الناعي بموت أبي المقدام فدير بي، وأصبحت الدنيا مظلمةً في عيني، وأورث خبره صمماً في أذني، فلا الأذن تأذن للكلام على ما كانت تعمل، ولا العين تدرك المرئيات إدراكها من قبل، كل ذلك لتأثير نعيه في الحواس التي هي طرق العلوم وتبين المشاهدات. وبعد ذلك أقبل الدمع يسيل في إثر زفراتٍ اتصلت وتعاقبت، وكل واحدةٍ منها لامتلاء الصدر بها كادت الضلوع تستقيم لورودها. والزفرة: أن يتردد النفس في الصدر ثم يمتلىء منه ويزفر به، أي يرمى. وقد أومأ أبو تمام إلى هذا المعنى وإن يصرح تصريحه في قوله:

وما للدار إلا كل سمحٍبأدمعه وأضلعه سخى
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أيا ويل الشجي من الخلي»

فأما أبو عبادة ففي قوله:

ووراءهم صعداء أنفاسٍ إذاذكر الفراق أقمن عوج الأضلع
للشاعر البحتري، من قصيدة «بين الشقيقة فاللوى فالأجرع»

قد بالغ في الإبانة كل المبالغة. وقوله استكت على المسامع فالمسامع: جمع المسمع بكسر الميم، وهو الأذن. والمسمع، بفتح الميم: موضع السماع وقوله استكت من قولهم بئر سكوكٌ، إذا كانت ضيقة الخرق. فإذا أريد الصمم وقيل استكت أذنه فحيقتة ضاق صماخا، وهو الخرق الباطن المفضى إلى الرأس.

وقال آخر:

قد كان قبلك أقوامٌ فجعت بهمخلى لنا هلكهم سمعاً وأبصارا
أنت الذي لم يدع سمعاً ولا بصراإلا شفاً فأمر العيش إمرارا

قوله فجعت بهم الجملة في موضع الصفة لقوله أقوامٌ. وخلى لنا هلكهم، في موضع خبر كان. والمعنى: قد فجعت فيما مضى من الزمان بأقوامٍ جزعت لهم بل هلعت، وأقمت الرسم في البكاء عليهم بل أسرفت، فبقى الفجع بهلاكهم لي ولمن تبعني واقتدى بي، السمع والبصر بعدهم، فزجينا الوقت مستمتعين بما سلم من حواسنا، وعائشين مع الناس في باقي عمرنا؛ فلما أصبنا بك لستنفدت قوانا، واستنزلتنا عن ذخائر صبرنا، فبطلت طرائق العلوم منا، وتناهت في العجز عنا حواملنا إلا شفاً، فطالت شقوتنا، وأمر عيشنا. والشفا: الباقي من الشيء القليل. ويقال: ما بقى من النهار إلا شفاً، أي مقدار ما بين الليل والنهار حين غربت الشمس.

وقوله لم يدع بالياء، هو أقيس الروايتين؛ لأن الصلة جاءت على حدها مع الموصول. وإذا رويته بالتاء فعلى الخطاب، وساغ لأن المخاطب والذي مرجعهما إلى شيءٍ واحد، وقد مضى مثله، فاعلمه. وقال المازني: لولا كثرة مجيئه لرددته. ومثله:

أنا الذي سمتن أمي حيدرة

وقال سمعاً وأبصاراً لأن السمع اسم الجنس، فهو كالجمع.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.