من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت امرأةٌ من بين شيبان
وقالوا ماجداً منكم قتلناكذاك الرمح يكلف بالكريم
بعين أباغ قاسمنا المنايافكان قسيمها خير القسيم
انتصب ماجداً على معنى أنه مفعول مقدم، ومنكم في موضع الصفة له. وموضع ماجداً منكم قتلنا الجملة موضع المفعول لقوله قالوا. وقوله كذاك الرمح جوابٌ لهذا الابتداء، كأنه قال: فأجيبوا: الرمح يكلف بالكريم كذلك، فأشير بذاك إلى الخبر الذي اقتصوه. والكاف من كذاك كاف الخطاب لا موضع له من الإعراب. وتلخيص الكلام: الرمح يكلف بالكرام كلفاً مثل ذلك الكلف. والعامل في كذاك يكلف. والمعنى: تنادوا: قتلنا ماجداً منكم؛ فأجيبوا: الرمح يعشق الكرام ويولع بهم مثل ذلك. وأكثر ما يجيء الجواب في إثر السؤال من واحدٍ في القرآن، كقوله تعالى: " لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ". وقد ألم في هذا البيت بقوله طرفة:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفىعقيلة مال الفاحش المتشدد
وقوله بعين أباغ قاسمنا المنايا مثله قول الآخر:
وقاسمني دهري بني بشطره
كأنه كان للمنايا نصيبٌ فيهم فقاسمتهم على نصيبها فوقع إليها خير النصيبين. والمعنى: اختارت منهم الأمثل فالأمثل، وغادرت الفل منهم والمسترذل. وقوله قسيمٌ
يكون في معنى مقسوم، وقد يكون القسيم المقاسم، وليس هذا موضعه. ولك أن تروى قاسمنا المنايا بسكون الميم، ويكون المنايا في موضع المفعول، ولك أن تفتح الميم وتجعل المنايا فاعلةً؛ والمعنى فيهما متقاربٌ. وكانت الوقعة بعين أباغ، فلذلك خصه بالذكر، وقاسم يقتضي مفعولاً آخر، كأنه قال: قاسمنا المنايا الناس أو الأصحاب. وقوله قسيمها، كقولك نصيبها. وخير القسيم كقولك خير الأنصباء. وأنشد ابن الأعرابي في هذه الطريقة:
إذا ما المنايا قاسمت بابن مسحلٍأخا واحدٍ لم يرض نصفاً قسيمها
فآب بلا قسم وآبت بقسمهاإلى قسمه لاقت قسيما يضيمها
كأنه كان للمنايا نصيبٌ في أخيه، فقاسمته وأخذت نصيبه إلى نصيبها، وآب هو بلا نصيب. ثم دعا على المنية فقال: قيض الله لها قسيماً يظلمها كما ظلمتني.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع