تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال عبد الله بن ثعلبة الحنفي

لكل أناسٍ مقبرٌ بفنائهمفهم ينقصون والقبور تزيد
وما إن يزال رسم دار قد اخلقتوبيتٌ لميت بالفناء جديد
هم جيرة الأحياء أما جوارهمفدانٍ وأما الملتقى فبعيد

يقول على وجه التحزن والتفجع والتوجع: تساوت أحوال الناس في مقاساة البلاء، ومعاناة الشقاء، لا تفاضل فيما بينهم ولا تمايز، يرون مصارعهم بأفنيتهم،

وجنود الموت والفناء متسلطة على طوائفهم، تخترم الواحد بعد الواحد منهم بلا حياءٍ ولا رقبةٍ، ولا استبقاء ولا رعة، وقد رضوا بحكمه وأخذه، واختياره وقسمه، فعسفه عندهم رفق، وبطشه رحمةٌ وعدل، يرون فرق أحيائهم على مرور الأيام إلى تراجعٍ وتناقص، ومصير مصانعهم ومساكنهم قريباً إلى البلى والتعطل، ويجدون عدد الأموات إلى تزايدٍ وتكاثر، ومقابرهم إلى عمارةٍ وتوافر. هذا وقد التزموا ما يجري عليهم التزاماً، لا سخط فيهم ولا إنكار، ولا كراهة ولا ملال؛ فلا المجاورة بين الفريقين تنقطع، ولا المهاجرة ترتفع، ولا الأحوال تتبدل، ولا العادة في جميعها تتغير؛ ففي كل قبيلةٍ حدوث مصيبةٍ، ونزول بليل؛ وفي كل مجمعةٍ تأثير فجيعةٍ، ونكاية منية. فبماذا نستمسك ونعتصم من الفناء، وعلى ماذا نعول ونعتمد في الرخاء، وكيف رضينا بتدانٍ يبطله فناء، وتجاورٍ بني على تدابر، وأتى يستقيم البناء والتشييد، لمن ملكه النفاد والتشتيت، ومتى يحصل السلو لمن هو مرتهنٌ بتجديد الفقود.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (١٩)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.