من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال حفص بن الأحنف الكناني
لا يبعدن ربيعة بن مكدمٍوسقى الغوادي قرره بذنوب
نفرت قلوصي من حجارة حرةٍبنيت على طلق اليدين وهوب
قوله لا يبعدن لفظه لفظ الدعاء، والكلام فيه على ما تقدم. وكما قيل: بعداً له وسحقاً لم يقل من بعد بعداً إذا هلك بعداً له، وكان استعمال هذا في الدعاء أقرب فلم يجيء. ومعنى وسقى الغوادي قبره بذنوب أنه دعا له بالسقيا. والغوادي هي السحابات التي تنشأ غدوةً. والذنوب: الدلو بما فيه من الماء، قال:
له ذنوبٌ ولنا ذنوب
وربما جعل الذنوب الحظ النصيب، كما قال:
وحق لشأسٍ من نداك ذنوب
وفي القرآن: " فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم ". وفي البيت الذي نحن فيه يحتمل الوجهين.
وقوله نفرت قلوصي من حجارة حرةٍ فإنه كان اجتاز بقبر ربيعة وقد نضد عليه حجارةٌ سود، فنفرت قلوصه، فأخذ يقتص ما كان اتفق وينكره. وقوله بنيت على طلق اليدين من صفة الحجارة. ومعنى طلق اليدين أنه سخيٌ بذالٌ يطلق يديه بالمعروف. والوهوب: الكثير الهبات.
لا تنفري يا ناق منه فإنهشراب خمرٍ مسعرٌ لحروب
لولا السفار وبعد خرقٍ مهمهٍلتركتها تحبو على العرقوب
جعل نفار ناقته كأنه كان من المدفون، فنهاها عن ذلك، ثم أخذ يصفه بالكرم والشجاعة، والتقدم والشرب والبطالة. والمسعر: الذي كأنه آلةٌ في إيقاد نار الحرب.
وقوله لولا السفار، كانت العادة في العرب أن الواحد منهم إذا اجتاز بقبر كريمٍ كان مأوى للأضياف، ومقيماً لقراهم، ينحر راحلته ويطعمها الناس إذا أعوز الزاد ولم يتسع، يفعل ذلك نيابةً عنه، إلا أن يمنع مانعٌ من بعد السفر وتناهي المشقة وما يجري مجراه، فقال هذا الشاعر معتذاراً من إبقائه على راحلته، لما خف الزاد الذي
كان معه، وعجز عن الصحب على بعد المسافة وطول المشقة ومساس الحاجة. ومعنى لتركتها تحبو على العرقوب أي لعرقبتها. والحبو: ما يفعله الصبي من الزحف قبل القيام، ويفعله البعير وهو يريد المشي. ومنه الحابي من السهام، وهو الذي يسقط ثم يزحف إلى الهدف. ويقال: حبا للخمسين، أي لم يبلغها وقد دنا منها؛ وهو من فصيح الكلام. والخرق: المكان الواسع تتخرق فيه الريح. والمهمه: الأملس الواسع.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع