من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال آخر (٢٣)
أجاري ما أزداد إلا صبابةًعليك ولا تزداد إلا تنائياً
أجاري لو نفسٌ فدت نفس ميتفديتك مسروراً بنفسي وماليا
الصبابة: الوجد والمحبة، والفعل منه صببت بكسر الباء أصب. ورجلٌ صبٌ، وامرأةٌ صبة. وقوله أجاري، ليس بندبةٍ، لأن المندوب لا يكون إلا بيا ووا، لكنه على العادة والرسم ناداه ورخمه. يقول: لا أزداد على مرور الأيام وتصرف الأوقات إلا شوقاً إليك، وولوعاً بك، وقوة أسفٍ عليك، إذ لم يكن حالي حال المتحسر في إثر فائتٍ، والرافع طمعه من لقاء مائت، فيعقبه الفوات يأساً، ويورثه ما يشاهده من حال الفناء تناسياً أو تسلياً؛ وأنت لا تزداد إلا تناهياً في الانقطاع، وتنائياً في الهجرة والإعراض. فقوله تنائياً لم يرد تباعد الأجرام وتراخي المزار؛ لأن تجاور الديار وتصاقبها كان باقياً على ما كان في الأصل.
وقوله أجاري لو نفس فدت ميت، يريد: لو كان السبيل إلى التفادي بين الأحياء والأموات مسلوكاً، وقبول الأبدال عند الاستعراض والدعاء مجاباً إليه مألوفا، لكنت السابق إليه، والجاعل في فدائك النفس والمال، وأنا مغتبطٌ بذلك ومغتنمٌ له، لكن لا مانع لما طلب، ولا معدل عما حتم.
وقد كنت أرجو أن أملاك حقبةًفحال قضاء الله دون رجائيا
ألا ليمت من شاء بعدك إنماعليك من الأقدار كان حذاريا
قوله أن أملاك يقال مليت فلاناً فتمليته، أي جعل لي أن أعيش معه ملاوةً فيبقى لي ممتعاً به. والملوان: الليل والنهار، من هذا. يقول: كنت أرجوا أن أمتع
بحياتك حقبةً - وقال الخليل: الحقبة زمانٌ من الدهر لا وقت له، والجميع الأحقاب والحِقبُ والحقبُ مثله - فحجز بيني وبين مرادي القدر الذي لا يملك معه إلا الاستسلام له.
وقوله: ألا ليمت من شاء بعدك مثل قول الآخر:
فآليت لا آسى على إثر هالكٍ
وقول الآخر:
أمنا على كل الرزايا من الجزع
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع