تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال آخر في أخ له مات بعد أخٍ

كأني وصيفياً خليلي لم نقللموقد نارٍ آخر الليل أوقد
فلو أنها إحدى يدي رزيتهاولكن يدي بانت على إثرها يدي
للشاعر رُقيع الوالبي، اقرأ القصيدة
فأقسمت لا آسى على إثر هالكٍقدى الآن من وجدٍ على هالكٍ قدي

يقول: لما انقطع ما بيني وبين أخي صيفيٍ بالموت صرت كأن لم يجمعني وإياه أخوةٌ ووصال، ولا ولادة ولبان، فلم نترافد على ابتناء مكرمةٍ، وإيقاد نارٍ لطارق ليلٍ، وطالب قرى وضيافة، ولم نتعاون على إقامة مروءةٍ وإسداء عارفة. ثم قال فلو أنها إحدى يدي رزيتها. وموضع إحدى مبتدأ ورزيتها في موضع الخبر. والشاعر إنما يريد بيان توالي المصائب عنده وعليه، وتفاقم الخطب لديه فقال: لو أصبت بإحدى يدي لكان في الباقية بعض الاجتزاء والاستغناء، ولكن تبعت الأولى الثانية، فأدى فقدهما إلى انقطاع الحياة، وافتقاد العدة في الآلات. وحذف جواب لو لأن المراد مفهوم، فهو كما تقول: لو رأيتني وأنت شابٌ، ولو رأيت زيداً وفي يده السيف؛ لأن المعنى لرأيت الأمر بخلافه. والضمير في قوله فلو أنها يجوز أن يكون للقصة، ويجوز أن يكون للمصيبة، كأنه قال: فلو أن القصة والشان إحدى يدي رزيتها.

وقوله فأقسمت لا آسى على إثر هالك معناه حلفت لا أتحزن لغمةٍ في هالك بعد هذا تتجدد، لأن حذري كان عليهما، وخوفي كان من فقدهما، كما كان رجائي فيهما، وطمعي معلقاً بحياتهما.

وقوله قدى الآن معناه حسبي. وقد تزاد النون عليه ليسلم السكون في داله، إذ كان مبنياً عليه، فيقال قدني، وإن جعلت قد غير مضاف في الموضعين جاز. ويجوز تحريك الدال في الأول لالتقاء الساكنين، وفي الثاني لأن كل ساكنٍ وقع روياً يجوز إطلاقه بالكسر. قال حجة في زيادة النون وحذفه:

قدني من نصر الحبيين قدى

فأتى بالوجهين جميعاً. وقوله الآن موضعه نصب على الظرف، ولا يجيء إلا بالألف واللام ومبنياً معه. ومن وجدٍ موضعه رفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو

قدى. وكرر قدى على طريق التأكد، والثاني مبتدأ مثل الأول وخبره مضمر وهو مثل ما ظهر وصار خبر الأول. ومعنى الآن أنه اسمٌ للزمان الحاضر: وقال بعضهم: هو الزمان الذي هو آخر ما مضى وأول ما يأتي من الأزمنة، وإنما بني لأنها وقعت في أول أحوالها بالألف واللام. وحكم الأسماء أن تكون شائعةً منكورةً في الجنس ثم يدخل عليها ما يعرفها من إضافةٍ وألفٍ ولامٍ، فخالف الآن سائر أخواتها بوقوعه معرفةً في أول الأحوال، ثم لزم مع ذلك موضعاً واحداً، لأن لزومها في هذه الحالة لموضعه قد ألحقه بشبه الحروف، إذ كان حكم الحروف لزومها لمواضعها في أوليتها لا يزول عنها، فبني لذلك، واختبرت الفتحة لخفتها.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.