تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال آخر (٢١)

هوى ابني من على شرفٍيهول عقابه صعده
هوى من رأس مرقبةٍفزلت رجله ويده

يقول: سقط ابني من أعلى جبلٍ يهول الارتقاء إليه والصعود فيه عقبانه، لسموقه وارتفاعه. أي إذا همت العقاب بالطيران إلى قلته تداخلها منه هولٌ وهيبةٌ. وهذا تهويل وتفظيع للشأن. وأعاد قوله هوى تحسراً وتوجعاً. والمرقبة هو المحرسة. والعلى هو الأعلى. ويقال صعد يصعد صعوداً وصَعَداً وصُعُداً.

وهوى مصدره الهوى والهوى بالفتح والضم، وقد تقدم القول فيه. والأهوية: البئر، وما بين أعلى الجبل إلى مستقر بطن الوادي. وقيل الهاوية: كل مهواةٍ لا يدؤك قعرها. وقوله يهول عقابه صعده في موضع الصفة. للشرف. ومعنى زلت رجله، أي انخلعت وبانت منه.

فلا أمٌ فتبكيهولا أختٌ فتفتقده

لم يجعل فتبكيه ولا فتفتقده جواباً للنفي، لأن الجواب يكون منصوباً، لكنه عطف على ما قبله، وهو عطف جملةٍ على جملة. ومثله في القرآن: " ولا يؤذن له م فيعتذرون "، لأن المعنى لا يؤذن لهم ولا يعتذرون. وكذلك هذا، معناه لا أم له فلا تبكيه، إلا أن الجملة المعطوفة مما في القرآن موافقةٌ للجملة المعطوف عليها؛ لأن كل واحدةٍ منهما متركبةٌ من فعل وفاعل، والتي عطف

عليها هي من ابتداءٍ وخبر. والجمل الخبرية إذا اختلفت مثل هذا الاختلاف يسوغ عطف بعضها على بعضٍ، ألا ترى أن الله تعالى يقول: " سواءٌ عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون "، فعطف أنتم صامتون وهو ابتداءٌ وخبرٌ، على ما قبله وهو فعل وفاعل، لأن المعنى لا يختلف، بل يصير كأنه قال: أدعوتموهم أم صمتم. وقد جاء على العكس من هذا، لأن الشاعر يقول:

أموفٍ بأدراع ابن طيبة أم تذم

فعطف تذم، وهو من فعل وفاعل بأم على موف وهو ابتداءٌ وخبر، لأن المعنى أأنت موف محمودٌ أم غادرٌ مذموم. والكلام في لا أختٌ فتفتقده على ذلك، كأنه قال لا أختٌ له فلا تفتقده. وقال الخليل: تفقدت أمر كذا: تعهدته، وافتقدته: لم أره هلاكاً وغيبةً.

هوى عن صخرةٍ صلدٍففتت تحتها كبده
ألام على تبكيهوألمسه فلا أجده
وكيف يلام محزونٌكبيرٌ فاته ولده

أعاد قوله هوى استفظاعاً وتحسراً. وعدى هوى ها هنا بعن لأنه أجراه مجرى زل وما أشبهه. والصلد: ما لا ينبت شيئاً من الحجارة. ومن الأرضين. ومنه أصلد الزند، إذا لم يخرج منه النار ولم يكن ورياً. ومعنى قوله فتت تحتها كبده تقطعت كبده لما حصل على الأرض. ويشير بالصخرة إلى المرقبة.

وقوله:

ألام على تبكيهوألمسه فلا أجده

معناه أن الناس يستسرفون اتصال بكائي عليه، ودوام التحسر في إثره، والحاجة إليه تدعوني إلى طلبه فلا أظفر به، فعند كل طلبٍ يحصل يأسٌ، ويتعقب ذلك اليأس مني بكاءٌ وتحزن. وقوله ألمسه بمعنى ألتمسه. واللمس والمس يتقاربان في معنى الطلب والالتماس. ألا ترى قوله تعالى: " وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً

وشهباً "، وأن مسترقة السمع لم يلمسوا السماء ولا طلبوا ذلك منها، وإنما تراقوا للسمع ليسترقوا السمع لا غير. وإذا كان كذلك فمعنى لمس التمس وطلب. وكذلك قول الشاعر:

مسسنا من الآباء شيئاً وكلناإلى حسبٍ في قومه غير واضع

معنى مسسنا منه طلبنا وفتشنا ونظرنا، وليس هو من المس باليد في شيء. ويدل على أن معنى قوله ألمسه أطلبه أنه عقبه بقوله فلا أجده؛ وهذا ظاهر.

وقوله:

وكيف يلام محزونكبيرٌ فاته ولده

يريد: كيف يلام على البكاء والتوجع محزونٌ قد مسه الكبر، ومن كان أعده لحياته ومماته، واعتده للنيابة عنه في عياله ومعاشه، قد فاته حتى لا طمع في إيابٍ له، ولا في مغوثةٍ من جهته وإن استغاث به.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.