من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية
يا عين بكى عند كل صباحجودى بأربعةٍ على الجراح
قوله بكى يجوز أن يريد به أكثري البكاء، ويجوز أن يريد كرري البكاء، لأن تضعيف العين إذا لم يكن للتعدية مثل كرم - لأنه كأكرم لا فرق بينهما، يكون للتكثير أو التكرير، وذلك كقولك ضرب وقتل. وإنما قال عند كل صباح لأنه يريد اجعلي مبدأ نهارك لذلك، أو لأنه يريد كان وقت نكايته في الأعداء، وشن الغارات على المنابذين، فاجعلي بإزاء فعله حينئذٍ البكاء عليه الساعة. وقوله جودى بأربعة أراد بالأربعة قبائل الرأس. والدمع يخرج من الشؤون. فأراد: جودي بدمعك كله. ولا تدخري منه شيئاً. وقوله يا عين حذف الياء لوقوعها موقع ما يحذف في النداء وهو التنوين، ولأن الكسرة تدل عليه. وباب النداء باب حذف ٍوإيجاز.
قد كنت لي جبلاً ألوذ بظلهفتركتني أضحى بأجرد ضاح
أقبل يخاطب المرثي على عادتهم في الانتقال عن الإخبار إلى الخطاب، وعن الخطاب إلى الإخبار، تفنناً واقتداراً. فيقول: كنت لي جبل عزٍ، آوى إليك في
الشدائد، وأعول على حسن دفاعك في النوائب، وأستكن بظلك، وأتحصن بتمنعك، فغادرتني بارزاً للآفات، ومعرضاً للحوادث والنكايات. لا معقل لي مما يدهم، ولا ملاذ عند ما يهجم. والضاحي: البارز للشمس، والفعل منه ضحى يضحى؛ وقد أتى بهما في البيت. والأجرد: الأملس. يضرب ذلك مثلاً لكونه معوراً لا واقي له ولا ساتر، ولا محامي ولا مدافع.
قد كنت ذات حميةً ما عشت ليأمشي البراز وكنت أنت جناحي
فاليوم أخضع للذليل وأتقىمنه وأدفع ظالمي بالراح
قوله قد كنت ذات حميةٍ يقال حميت من الشيء أحمي حميةً، أي أنفت وغضبت. ورجل حمى الأنف: لا يحتمل الضيم، وحمى أنفه من كذا. والمعنى: كنت في حياتك آنف مما أسام من الضيم فأتسخطه، وتتسع المقدرة لدفعه والإباء منه، والآن صار بدل ذلك السخط الرضا، وبإزاء ذلك الانتقام الاستسلام. وما عشت في موضع الظرف، أراد مدة عيشك لي. وقوله أمشي البراز البراز: المكان الفضاء من الأرض. وإذا خرج إنسانٌ إلى ذلك الموضع قيل برز. ومن هذا قولهم: برز على أقرانه، أي صار في البراز ظهوراً عليهم واقتداراً. وكما تصرفوا في هذا على ما ترى تصرفوا في الظاهرة، وهي الضاحية العالية، فقيل: ظهر فلانٌ على فلانٍ، أي علاه، وأظهره الله عليه، وفي القرآن: " ليظهره على الدين كله ". وأصله أمشى في البراز، فحذف الجار ووصل الفعل فعمل. والمعنى: كنت لا أستتر ولا أكتتم تهيباً وتخوفاً من شيء. وقوله وكنت أنت جناحي فالجناح من الطائر والإنسان: يداه. والمعنى: كنت أطير بقوتك، وأنهض في الأمور بصولتك، وأبطش بالأعداء بيدك وأيدك.
وقوله فاليوم أخضع للذليل أراد باليوم متصل وقته من الحال والاستقبال، والمعنى: صرت من طلب السلامة على الدهر وأهله بحيث يطمع في الذليل، ويستلين جانبي المهين، فأتقي ذا الشوكة ومن لا شوكة له، وأحذر من يخشى كيده ومن لا كيد له. وقوله وأدفع ظالمي بالراح يريد أدفعه بألين ما أجد السبيل إليه، لا خشونة لي في قولي ولا مزاحمة في ركني، ولا اعتراض شديداً مني في اهتضامه لي، ولا محاجة قويةً على جداله إياي، فعل من لا حد له ولا حديدة، ولا عدد ولا عتيدة، ولا حمى ولا حمية.
وإذا دعت قمريةٌ شجناً لهايوماً على فننٍ دعوت صباحي
وأغض من بصري وأعلم أنهقد بان حد فوارسي ورماحي
قوله وإذا دعت قمرية شجناً كلامٌ أخرج على ما في اعتقادهم من بكاء الحمام، فيقول: إذا ناحت حمامةٌ على غصنٍ وهي تدعو حزنها ليهتاج بكاؤها ويمتد صوتها، فإني أشجي لصوتها وأجاوبها داعياً صباحي، أي قائلاً: وا صباحاه! وقوله وأغض من بصري غض الطرف من فعل الذليل المخزل، كما أن طموحه فعل العزيز الناظر من فوق. فيقول: إني عارفٌ بمقداري بعدك، ومتيقن نكوصي وسقوط حشمتي بذهابك، وكلة حدي وحد أصحابي لفقدانك، فأغمض عيني في كثيرٍ مما يجري علي وألابسه، مخافة أن أرى ما هو أكبر منه. وقوله وأعلم أنه الضمير ضمير الأمر والشأن. يريد: وأعلم أن الأمر انفلال فرساني، وتفلل أسنة رماحي. وهذا مثلٌ لسقوط القوى واستعلاء العدي، وذهاب العدة وتراجع العدة. ولا يمتنع أن يريد بحد فوارسي نفس المفقود، جعله لفرسانه حداً إذا كان مقدامهم ومدرههم، ولرماحه سناناً إذ كانت تعمل بقوته، وتنفذ بصرامته.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع