تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال مويلكٌ المزمومٌ يرثي امرأته

امرر على الجدث الذي حلت بهأم العلاء فحيها لو تسمع
للشاعر مالِك المَزموم، اقرأ القصيدة
أنى حللت وكنت جد فروقةٍبلداً يمر به الشجاع فيفزع
للشاعر مالِك المَزموم، اقرأ القصيدة
صلى عليك الله من مفقودةٍإذ لا يلائمك المكان البلقع

يخاطب نفيسه ويبعثها على زيارة المفقودة والتسليم عليها، قضاءً لحقها، وتجديداً للعهد بها، فقال: أمرر على القبر الذي دفنت فيه، وسلم عليها إن كانت تسمع. وهذا توجع وتلهف. ويروى فحيها هل تسمع، والفرق بين لو هنا وبين هل، أن " لو " فائدته الشرط ها هنا، والكلام به كلام من غلب القنوط عليه من إدراكها تحية من زارها؛ و " هل " من حيث كان للاستفهام يصير الكلام به كأنه كلام راجٍ أو طامعٍ في سماعها. ويكون المعنى: حيها وانظر هل تسمع.

وقوله أنى حللت معنى أنى كيف ومن أين. وفروقٌ بناء المبالغة، وازداد تناهياً بدخول هاء المبالغة عليه. فيقول مخاطباً لها: كيف تأتى منك الاستيطان والنزول في قفرٍ إذا مر به الرجل القوي القلب تداخله رعبٌ، واستولى عليه قلقٌ وذعر، وعهدي بك وكنت أضعف الناس قلباً وأشدهم من ذكر المحاذر استيحاشاً. وقوله كنت جد فروقةٍ، كقولك كنت فروقةً جداً لا هزلاًً، وحقاً لا باطلاً. والبلد: القطعة من الأرض اختط أو لم يختط.

وقوله صلى عليك الله فالصلاة من الله تعالى الرحمة، كأنه يئس منها فأقبل يترحم عليها، فيقول: إنك في شبابك وقرب ميلادك، وكمالك في خصال أمثالك، لم يلق بك فقدان، ولا كان لوقت مجيء الموت بطلبك مني انتظار، ثم كنت من الترفة والنعمة، ومساعدة القدر لك، بحيث لا يوافقك الانتقال إلى القفر، والتوحش عن الأهل.

وهذه الأبيات غايةٌ فيما يحدث به المفجوع نفسه.

فلقد تركت صغيرة مرحومةًلم تدر ما جزعٌ عليك فتجزع
فقدت شمائل من لزامك حلوةًفتبيت تسهر أهلها وتفجع
للشاعر مالِك المَزموم، اقرأ القصيدة
فإذا سمعت أنينها في ليلهاطفقت عليك شؤون عيني تدمع
للشاعر مالِك المَزموم، اقرأ القصيدة

قوله لم تدر ما جزعٌ عليك فتجزع لم يجعل فتجزع جواباً ولا عطفاً على ما قبله، وليس اللفظ على واحدٍ منهما ولا المعنى، وإنما قوله فتجزع منويٌ به الاستئناف، كأنه أراد أنها من صغرها لا تعرف المصيبة ولا الجزع لها، وهي على حالها لا تجزع، لأن ما تأتيه من الضجر والبكاء، وتتركه من النوم والقرار، فعل الجازعين، وغاية الفاقدين. وفي كتاب الله ﷿ قوله: " إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء "، لك أن ترفع فيغفر على نية الابتداء، كأنه قال: فهو يغفر لمن يشأ. ومثل هذا كثيرٌ في القرآن والشعر. على ذلك قوله:

فما هو إلا أن أراها فجاةًفأبهت حتى ما أكاد أجيب
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «فما هو إلا أن أراها فجاءة»

يرفع أبهت على الابتداء والاستئناف.

وقوله فقدت سمائل، يريد الأخلاق والشكل وجميل المخالطة. وقال الخليل: الشمال: خليقة الرجل وطبيعته، وجمعه شمائل. وأنشد:

هم قومي وقد أنكرت منهمشمائل بدلوها من شمالي
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألم تلمم على الدمن الخوالي»

فيقول: كانت اعتادت منك توفراً ومداراةً وحسن خلق، ولين عطفٍ وكرم مخالطة، وإيناساً في مجاملة، فلما انقطع عنها جميع ذلك بالفراق باتت لا تنام ولا تنيم، بل تفجع وتوجع، ومهما أدركت شكواها وبكاءها أقبلت مفاصل رأسي تسمح بالدمع فأبكي عليك ولهاً. ومعنى طفقت عليك شؤون عيني كقولك: أقبلت تفعل كذا، وجعلت تقول كذا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٢٢)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.