من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت أم الصريح الكندية
هوت أمهم ماذا بهم يوم صرعوابجيشان من أسباب مجدٍ تصرما
أبوا أن يفروا والقنا في نحورهمولم يرتقوا من خشية الموت سلما
ولو أنهم فروا لكانوا أعزةًولكن رأون اصبراً على الموت أكرما
قوله هوت أمهم أي هلكت. والمهواة والهوة والهاوية والأهوية والهواءة على فعالةٍ بمعنىً، وهو ما بين أعلى الجبل أو البئر إلى المستقر. وفي القرآن: " فأمه هاويةٌ "، قيل هي اسمٌ لجهنم، أي هي مأواهم كما تؤوى الأم الولد، وقيل هي من هوت أمهم، وهذه اللفظة تستعمل عند الداهية يشرف عليها الإنسان أو يقع فيها، وفيها معنى للتعجب والاستفهام. على ذلك قوله:
هوت أمه ما يبعث الصبح غادياوماذا يؤدي الليل حين يؤوب
وعلى الأول قول الآخر:
كنت كمن تهوي به الهاوية
وقيل: هوت أمهم، معناه أم رءوسهم هاوية في الهوة أو في النار. وتلخيص البيت هوت أمهم أي شيءٍ تصرم بهم من أسباب المجد يوم صرعوا بجيشان، وهو علم البقعة اتفقت الوقعة بهم فيها. وماذا إن شئت جعلت ما اسماً مبتدأ وذا خبره، وإن شئت جعلت ما مع ذا اسماً واحداً ويكون مبتدأً وتصرم في موضع خبره. وهذا الكلام مخرجه على الاستفظاع والتعجب.
وقوله أبوا أن يفروا يصف ثباتهم في وجه البلاء، وصبرهم على الطعان والوقاع. والواو من قوله والقنا في نحورهم واو الحال؛ أي امتنعوا من الإحجام والنكوص فلم يطلبوا وجه المهرب، ولا سلكوا طرق المخلص، مع الإمكان والتمكن، وتمهد المعذرة عند الناس فيما يأتونه والتنصل، ومع العلم باستظهار الأعداء عليهم، وقعود العجز عن الوفاء بهم.
ثم قال ولو أنهم فروا لكانوا أعزة أي لو تأخروا وكفوا لما لحقهم ذلٌ فيه ولا غضاضة؛ ولا تسلط على عزهم نقيصةٌ وحقارة، ولكن وجدوا الصبر على الموت، والاستقتال بعد اللفاء أكرم في الأحدوثة، وأنفى للعار والمذمة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع