من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الحسين بن مطيرٍ
ألما على معنٍ وقولا لقبرهسقتك الغوادي مربعاً ثم مربعا
فيا قبر معنٍ أنت أول حفرةٍمن الأرض خطت للسماحة مضجعا
يخاطب صاحبين له، يسألهما زيارة قبر معن وإبلاغه عنه أنه مقيمٌ على ما هو دأبه ووكده من طلب السقيا له، فواصل الله ذلك لك من السحب التي تنشأ غدوة، ربيعاً بعد ربيع. والمعنى: دامت النضارة والطراوة. وإنما خص الغوادي لأن المراد
حصوله له غداة كل يوم. وقوله مربعاً يجوز أن يكون ظرفاً، ويكون أن يكون مفعولا، ويكون المربع والربيع المطر نفسه. قال الخليل: وقد يسمى الوسمى ربيعاً. ويكون المعنى: سقتك مطراً الغوادي بعد مطر. ويجوز أن يكون مصدراً من قولهم ربعت الأرض، إذا أصابها الربيع، فكأنه قال: ربعتك الغوادي مربعاً بعد مربعٍ، أي سقتك الغوادي سقياً بعد سقى.
وقوله:
فيا قبر معنٍ أنت أول حفرة
يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون مثل قول الآخر:
كأن لم يمت حيٌ سواك ولم تقمعلى أحدٍ إلا عليك النوائح
ويكون الكلام تفظيعاً للحال، وتنبيهاً على أن ما وقع لم تجر العادة بمثله، فهو مستبدعٌ لعظم موقعه في النفوس، حتى كأنه لم ير قبرٌ قبله دفن فيه كريم. والآخر أن يكون المعنى: أنت أول حفيرة استحدثت لتواري فيها السماحة والسخاء والمروءة، فتصير مضجعاً لها، ويكون المعنى أن السماحة ماتت بموت معنٍ ودفنت بدفنه، وأنت أول خطةٍ اختطت للسماحة نفسها. وقوله مضجعاً انتصب على الحال.
ويا قبر معنٍ كيف واريت جودهوقد كان منه البر والبحر مترعا
بلى قد وسعت الجود والجود ميتٌولو كان حياً ضقت حتى تصدعا
كرر مناداة القبر توجعاً وتحسراً، ثم أخذ يتعدب ويقول منكراَ: كيف سترت جوده، وقد كان ملئاً للبر والبحر معاً. وفي طريقته قول الآخر:
عجباً لأربع أذرعٍ في خمسةٍفي جوفها جبلٌ أشم كبير
فإن قيل: لم قال مترعاً فوحد والإخبار عن البر والبحر جميعاً؟ قلت: يجوز أن يكون إنما وحد لأنه نوى التقديم والتأخير، كأنه قال: وقد كان منه البر مترعاً والبحر، أي والبحر أيضاً مترع، فيرتفع البحر بالابتداء، واكتفى بالإخبار عن الأول إذ
كان المعطوف كالمعطوف عليه. ومثله:
فإني وقياراً لغريب
يريد: إني لغريبٌ بها وقيار أيضاً غريب، وهو اسم فرسه. ويجوز أن يكون لما علم أن المعطوف حكمه حكم المعطوف عليه اكتفى بالإخبار عن أحدهما، ثقةً بأن الثاني علم أنه في حكمه. ومثله:
رماني بأمرٍ كنت منه ووالديبريئاً ومن أجل الطوى رماني
بلى قد وسعت الجود والجود ميت
بلى جواب استفهام مقرونٍ بنفي نحو قولك ألم، أليس، وما أشبههما. وهذا الشاعر لما قال متعجباً من مخاطبة القبر ومنكراً: كيف واريت جوده على كثرته ووفوره، وشموله لأقطار البر البحر، صار بما اعتبر وشاهد من الحال كأن القبر قال له: ألم أسعه، ألم أواره، ألم أتضمنه على ما به؟ فقال مصدقاً له، ومتلهفاً: بلى قد وسعته واشتملت عليه وهو ميت، ولو كان حياً لضقت عنه حتى تنقطع وتنشق، والصدع: الشق في الشيء الصلب. وصدعت الفلاة والنهر قطعتهما.
فتىً عيش في معروفه بعد موتهكما كان بعد السيل مجراه مرتعا
ولما مضى معنٌ مضى الجود فانقضىوأصبح عرنين المكارم أجدعا
قوله فتىً عيش في معروفه موضعه نصبٌ على المدح والاختصاص، والعامل فيه فعلٌ مضمر، كأنه قال: أذكر فتىً هذا صفته. ويجوز أن يكون موضعه رفعاً على الاستئناف أو من أؤبنه فتىً، وقوله " عيش في معروفه بعد موته " يجوز أن يكون أراد من استغنى به وبمعروفه من المتصلين به، والمنقطعين إليه، والراجين له. ويجوز أن يكون أراد من عاش من وقوفه وحبائسه بعده، ويجوز أن يريد أنه علم الناس الجود والكرم، فمن مقتدس به آخذ أخذه، ومستنٍ بسنته سلك مسلكه، فما يفعله هؤلائ صار كأنه هو الفاعل له. ثم شبهه
بالفيث يصوب فيحيى العباد ثم يعيش الناس في آثاره بعد انقطاعه ومضيه. وقوله كما كان بعد السيل مجراه ارتفع مجراه بكان، وكان الحكم أن يليه فلم يسغ لأن الضمير فيه يرجع إلى السيل وقد تقدم عليه، والإضمار قبل الذكر أو ما يجري مجراه لا يجوز، فامتنع رده إلى رتبته من ولي العامل له، لشيء يرجع إلى الضمير المتصل به لا لشيءٍ يرجع إليه. وتلخيص الكلام: كما كان مجرى السيل مرتعاً بعده.
وقوله ولما مضى معنٌ لما يجئ لوقوع الشيء لوقوع غيره، وهو علمٌ للظرف. فيقول: حين مضى معنٌ لسبيله وانقطعت حياته، فقد الجود وانمحت آثاره، فأصبحت المكارم ذليلةً إذ مات من يربها ويعمرها، كمن جدع أنفه مثلةً وعقوبة، وإرغاماً وإهانة. ويقال في المثل: " منى أنفي وإن كان أجدع ". والعرنين: ما ارتفع من الأنف والأرض، وأوائل الشيء، وأشراف القوم وسادتهم، وكما ضرب المثل بجدع الأنف في الإذلال، ضرب بصلم الأذن فيه لذلك. قال:
فمشوا بآذان النعام المصلم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع