تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال رقيبة الجرمي، من طيئ

أقول وفي الأكفان أبيض ماجدكغصن الأراك وجهه حين وسما
أحقاً عباد الله أن لست رائياًرفاعة طول الدهر إلا توهما

مفعول أقول هي جملة البيت الذي يليه، والواو من قوله: وفي الأكفان أبيض ماجد واو الحال، وكغصن الأراك في موضع الصفة لأبيض. شبه امتداد قامته به. و " وجهه " على هذا يكون مبتدأ وخبره حين وسما، والجملة في موضع الصفة لما قبله. وظروف الأزمنة لا تتضمن الأشخاص والجثث، لا تقول زيد اليوم، ولكن هذا مثل قولهم: الهلال اللليلة، فكما جاز هذا لأن المراد طلوع الهلال الليلة، كذلك قوله وجهه حين وسما لأن المعنى: بقول وجهه حين وسم. ومعنى وسم: خرج قليلاً، وحقيقته أنه بمعنى توسم، كما أن وجه بمعنى توجه، ونبه بمعنى تنبه، وقدم بمعنى تقدم. ويقال لون الغلام، وطر، ووسم، وبقل بالتخفيف، في معنى واحد. وأجاز أبو حاتم بقل بالتشديد ورواه الأصمعي ولم يجزه غيره. والمعنى: أقول متلهفاً وقد كفن بمرأى مني ثم شاب مجتمع كريم شريف حسن الطأة، كأنه غصن من الأراك ووجهه قد وسم حديثاً. والمعنى: اعتبط ولم يمتع بشباه، ولا أمهل لاستكماله واكتتهاله. فأقول: حقاً عباد الله ما أرى.

وقد ألم في هذا المعنى بقول النابغة:

يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم

كأنه يكذب المشاهدة كما كذب النابغة الإخبار. وكل ذلك لاستفظاع الحال، واستعظام الأمر والخطب. فأما قوله أحقاً انتصب عند سيبويه على الظرف، كأنه أفي الحق ذلك. فإن قيل: كيف جاز أن يكون ظرفاً؟ قلت لما رآهم يقولون: أفي حق كذا، أو أفي الحق كذا، جعله إذا نصبوه على تلك الطريقة، قال:

أفي حق مواساتي أخاكمبمالي ثم يظلمني السريس
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

وقال:

أفي الحق أني مغرم بك هائموأنك لا خل هواك ولا خمر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

وقوله أن لست رائيا أن مخففة من الثقيلة. والمعنى أفي الحق لست رائياً هذا الفتى إلا متوهماً أبد الدهر. وقوله توهما مصدر في موضع الحال.

وفائدة قوله عباد الله أنه رجع فيما كان لا يؤمن به ولا يسكن إليه شناعة وقباحة، إلى الناس كافة يستثبتهم ويستفتيهم.

فأقسم ما جشمته من مهمةتؤود كرام القوم إلا تجشما
ولا قلت مهلاً وهو غضبان قد غلامن الغيظ وسط القوم إلا تبسما
للشاعر عقيل بن علفة، من قصيدة «أحقاً عباد الله إن لست لاقياً»

يصف رضاه وحسن طاعته له، وقوة نهضته بكل ما يحمله من الأثقال المتعبة، والآراب المثقلة، ودوام صبره على جميع ما يكلفه من المهمات الشاقة على كرام الناس الباهظة، إلى ما كان يوجب له ويعظم قدر كلامه، فقال: ولم أقل له رفقاً إذا احتمى غيظاً إلا سكن وحسنت فيئته، وكرمت عطفته، حتى بدا لي مضحكه، وتهللت في لقياي غرته. هذا ومجلسه مشهود، والأقوام حوله قعود، فلا يتداخله نخوة، ولا تأخذه بالإباء والتشدد عزة. وهذا كله تنبيه على تعالى لوعته، وتغالي حرقته وفجعته.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.