تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)

وَقَالَ يَا عبد الشارق بن عبد الْعُزَّى الْجُهَنِيّ وَهِي من المنصفات

أَلا حييت عَنَّا ردينانحيييها وَإِن كرمت علينا

ــ

مثل الْحَيّ يُرِيد بِهِ قوما معهودين وَحيا مصبحا تَمْيِيز لَهُ وَالْمصْبح الَّذِي يغار عَلَيْهِ وَقت الصَّباح وَمعنى الْبَيْت لم أر حَيا مغارا عَلَيْهِ كالحي الَّذِي صبحناهم وَلَا مغيرا مثلنَا يَوْم لَقِينَاهُمْ

أكر وأحمى الخ النّصْف الأول من هَذَا الْبَيْت يرجع إِلَى أعدائه وهم بَنو أَسد وَالثَّانِي يرجع إِلَى عشيرته وَمعنى الْبَيْت لم أر أحسن كرا وأبلغ حماية للحقائق مِنْهُم وَلَا أضْرب للقوانس منا والقونس أَعلَى بَيْضَة الْحَدِيد

المذاكى جمع مذك وَهِي الْخَيل التَّامَّة السن الْكَامِلَة الْقُوَّة والمداعس من الدعس وَهُوَ فِي الأَصْل الدّفع وَيسْتَعْمل فِي الطعْن وَالْمعْنَى إِذا حملنَا عَلَيْهِم ثبتوا فِي وُجُوهنَا ونصبوا صُدُور الْخَيل والرماح للدعس

جالت عَن صريع أَي دارت عَنهُ وَمعنى الْبَيْت إِذا جالت الْخَيل عَن مصروع مِنْهُم لَا يقنعنا ذَلِك مِنْهُم بل نكرها عَلَيْهِم لمثله فَلم ترجع الْخَيل إِلَّا كوالح كنى بذلك عَن كَثْرَة الْكر والطعن

قَالَ أَبُو الْفَتْح الشارق اسْم صنم لَهُم وَلذَلِك قَالُوا عبد الشارق كَمَا قَالُوا عبد الْعُزَّى والعزى صنم أَيْضا وَمثل ذَلِك عبد يَغُوث وَعبد ود وَنَحْوه

يَا ردينا مرخم ردينة وَهُوَ من أَسمَاء النِّسَاء وَقَوله نحييها هُوَ تَحِيَّة الْوَدَاع أَي نودعها ونفارقها وَإِن كرمت

ردينة لَو رَأَيْت غَدَاة جِئْنَاعلى أضماتنا وَقد اختوينا
فَأَرْسَلنَا أَبَا عَمْرو ربيأفَقَالَ أَلا انعموا بالقوم عينا
ودسوا فَارِسًا مِنْهُم عشَاءفَلم نغدر بفارسهم لدينا
فجاؤا عارضا بردا وَجِئْنَاكَمثل السَّيْل نركب وازعينا

ــ

علينا قَالَ أَبُو رياش كَانَ الرجل إِذا عرف بحب الْمَرْأَة لَا يزوجوه إِيَّاهَا وَإِذا سلم عَلَيْهَا عرف أَنه يهواها فَيَقُول نسلم عَلَيْهَا ونحييها وَإِن كَانَ فِي ذَلِك يأس مِنْهَا وَهَذَا من إفراط شوقه إِلَيْهَا وَغَلَبَة هَوَاهُ بهَا

على أضماتنا الأضم شدَّة الحقد وَقد أختوينا أَي لم نطعم شَيْئا وَكَانُوا يكْرهُونَ الطَّعَام عِنْد الْحَرْب مَخَافَة أَن يطعن أحدهم فِي بَطْنه فَيخرج مِنْهُ الطَّعَام فَيكون ذَلِك عارا وَجَوَاب لَوْلَا مَحْذُوف لِأَن أَبْيَات القصيدة مَقْصُورَة على بَيَان الْقِصَّة وَالتَّقْدِير لَو رَأَيْت غَدَاة جِئْنَا على أحقادنا لم نطعم شَيْئا لرأيت أمرا عَظِيما

الربئ والربيئة الطليعة وَقَوله أنعموا بالقوم عينا بِشَارَة لَهُم بقلة عدد عدوهم يَقُول أرسلنَا أَبَا عَمْرو ربيأ أَي أرسلناه طَلِيعَة يكْشف لنا حَقِيقَة الْعَدو فَقَالَ أَلا انعموا بالقوم عينا يَعْنِي أَن الْعَدو فِي قلَّة عدد وَكَانَ الْأَحْسَن أَن يَقُول عيُونا وَلكنه وضع الْمُفْرد مَوضِع الْجمع وعينا مَنْصُوب على التَّمْيِيز

ودسوا فَارِسًا الخ أصل الدس إخفاء الشَّيْء تَحت غَيره ثمَّ اسْتعْمل هُنَا فِي إرْسَال الْفَارِس سرا تَحت اللَّيْل يَقُول وَأَرْسلُوا إِلَيْنَا فَارِسًا فِي السِّرّ ليكشف لَهُم عَن أخبارنا فَلم نحبسه عندنَا ونقطع الْأَخْبَار عَنْهُم لِأَن ذَلِك غدر بهم

الْعَارِض السَّحَاب الْمُعْتَرض فِي الْأُفق وَالْبرد الَّذِي فِيهِ الْبرد بِفتْحَتَيْنِ والوازع الَّذِي يرتب الْجَيْش ويصلحه وَيقدم وَيُؤَخر

تنادوا يالبهثة إِذْ رأونافَقُلْنَا أحسني ضربا جهينا
سمعنَا دَعْوَة عَن ظهر غيبفجلنا جَوْلَة ثمَّ أرعوينا
فَلَمَّا أَن تواقفنا قَلِيلاأنخنا للكلاكل فارتمينا
فَلَمَّا لم نَدع قوسا وَسَهْمامشينا نحوهم وَمَشوا إِلَيْنَا

ــ

وَمعنى نركب وازعينا لَا ننقاد لمن يُرِيد ضَبطنَا من الجيشين جَمِيعًا وَلَفظ التَّثْنِيَة المُرَاد بِهِ الْكَثْرَة وَلكنه ثنى على عَادَتهم يَقُول تسارعوا مُقْبِلين نحونا وَكَأَنَّهُم فِي كثرتهم وتعجلهم قِطْعَة من السَّحَاب فِيهَا برد وَنحن لكثرتنا على مَا يعْتَرض فِي طريقنا كالسيل الَّذِي لَا يبْقى وَلَا يذر لَا ننقاد لمن يُرِيد ضَبطنَا

تنادوا يَا لبهثة أَي دعوا بهثة وبهثة بطن من الْعَرَب وجهينة كَذَلِك يَقُول لما رأونا استصرخوا ببهثة فقابلناهم وقذفناهم بِمَا يكْرهُونَ وَقُلْنَا يَا جهين أحسني فيهم الضَّرْب والطعن

سمعنَا دَعْوَة الخ يُقَال فلَان فعل كَذَا بِظهْر الْغَيْب أَي فعله بمَكَان لَا يرى وَلَا يبصر وَأَتَاهُ خبر عَن ظهر غيب أَي انْتهى إِلَيْهِ من شخص غَائِب وَيُقَال أرعوى فلَان عَن كَذَا إِذا انكف عَنهُ وَرجع أَي سمعنَا دَعْوَة تأدت من مَكَان غَائِب عَن عيوننا فدرنا دورة ثمَّ رَجعْنَا إِلَى أماكننا

فَلَمَّا أَن تواقفنا أَي وقف بَعْضنَا مَعَ بعض فِي الْحَرْب وَقَوله أنخنا للكلا كل اللَّام فِيهِ زَائِدَة أَو بِمَعْنى على كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وتله للجبين﴾ أَي عَلَيْهِ وَقَوله فارتمينا من قَوْلهم رمي السهْم عَن الْقوس وراميته مراماة يُرِيد أَنهم تراموا بِالسِّهَامِ يَقُول فَلَمَّا تواقفنا زَمَانا قَلِيلا للمبارزة نزلنَا واستوينا على الصُّدُور لِأَن ذَلِك أمكن للمناضلة والمراماة

فَلَمَّا لم نَدع الخ مَعْنَاهُ لما رمينَا ففنيت السِّهَام وانكسرت القسي تقدمنا

تلألؤ مزنة برقتْ لأخرىإِذا حجلوا بأساف ردينا
شددنا شدَّة فقتلت مِنْهُمثَلَاثَة فتية وَقتلت قينا
وشدوا شدَّة أُخْرَى فجروابأرجل مثلهم ورموا جوينا
وَكَانَ أخي جُوَيْن ذَا حفاظوَكَانَ الْقَتْل للفتيان زينا
فآبوا بِالرِّمَاحِ مكسراتوأبنا بِالسُّيُوفِ قد انحنينا
فَبَاتُوا بالصعيد لَهُم أحاحوَلَو خفت لنا الكلمى سرينا

ــ

إِلَيْهِم فتجالدنا بِالسُّيُوفِ

تلألؤ مزنة مَنْصُوب مِمَّا دلّ عَلَيْهِ مشينا وَمَشوا لِأَن فِيهِ تلألؤ السِّلَاح من الْفَرِيقَيْنِ وَقَوله إِذا حجلوا من الحجلان وَهُوَ أَن يمشي الْإِنْسَان كالمقيد وردينا من الرديان وَهُوَ الْمَشْي بِسُرْعَة يَقُول إِنَّهُم برزوا إِلَيْنَا وبرزنا إِلَيْهِم وللجميع تلألؤ كتلألؤ مزنة لمعت لمزنة أُخْرَى لما فِي الْفَرِيقَيْنِ من كَثْرَة السِّلَاح فَإِذا حجلوا إِلَيْنَا بِالسُّيُوفِ سبقنَا إِلَيْهِم وأسرعنا نحوهم بِالضَّرْبِ

وَقتلت قينا أَي قتلت فارسهم الْمَشْهُور الْمُسَمّى قينا فَلذَلِك سَمَّاهُ وَلم يسم أحدا من الْفتية

وشدوا شدَّة أُخْرَى أَي شدوا شدَّة ثَانِيَة بعد مَا شددنا قبلهم شدَّة أولى ورموا جوينا أَي قَتَلُوهُ

ذَا حفاظ أَي صَاحب مُحَافظَة يُنَبه بِهَذَا الْبَيْت على أَن جوينا لحسن محافظته على الشّرف لم يزل ثَابتا فِي الْحَرْب حَتَّى قتل فِيهَا وَأَن قتلته كَانَت محمودة تزين وَلَا تشين

فآبوا بِالرِّمَاحِ الخ أَي رجعُوا برماحنا مكسرة فِي أجسامهم ورجعنا بسيوفنا محنية بأعمالنا إِيَّاهَا فِي الْبيض والدروع الَّتِي عَلَيْهِم وَقت الجلاد مَعَهم

لَهُم أحاح أَي لَهُم صَوت من صُدُورهمْ يشبه الأنين والأحاح الْعَطش

النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.