من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
جمال المُلك أبو القاسم عليّ بن أفلح العَبسي الشاعر
من أهل بغداد، وأصله من الحِلّة السّيفية.
شاعرٌ سائرُ الشّعر، طائر الذّكر، مرهوب الشّبا حديد السِّنان، شديد الهجاء بذي اللسان. إذا اتّضح له المعنى في هجو أحد، لم يبال به أكان محسناً أم مُسيّاً، عدوّاً أو ولياً. وقلّ من أحسن إليه إلا جازاه بالقبيح، وجاراه بالذمّ الصّريح.
وكان من جملة منعوشي العمّ الشّهيد عزيز الدّين، فإنّه نوّه بذكره، ونبّه على قدره، وجذب بضَبْع فضله، وآواه الى ريع ظلّه، وولّى أشغاله جماعةً من أقاربه وأهله، حتى عُرِفوا وشرُفوا، وأثْرَوا واكتفوا. على أنّه لم ينجُ مع ذلك من قوارصه، وكان يحتمله لفضائله وخصائصه.
ولما نقلني والدي من أصفهان الى بغداد حين نبا - بعد النّكبة - بِنا الوطنُ، وضاق العطَن، ولم نجد الأمن والسّلامة، واليُمن والكَرامة، إلا في ظل الدار العزيزة النبويّة الإمامية المقتفوية، فسكنّا مدينة السلام، واتّخذناها دار المُقام، وذلك في سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، وقد بلغت سنّي خمسَ عشرة سنة - وكان هذا ابن أفلح يجتمع بوالدي، ويقصِدُ نحوَهُ، ويبثّه شجْوَه.
وتوفّي بعد ذلك بسنتين أو ثلاث.
وطالعتُ ما جمع من شعره، وهو قليل؛ لأن الخليفة نفّذ وأخذ من بيته أشعاره كلها. وكتبت منه قصيدتين في مدح عمّي، فأثبتُّهما، ولم أُلْغِ منهما شيئاً. إحداهما ما مدحه به وأنشده بأصفهان:
هاتيك دجلةُ رِدْ وهذا النّيلُما بعدَ ذينِ لحائمٍ تعليلُ
إن كان برْدُ الماءِ عندَك ناقعاًحرَّ الجَوى لا الأشنبُ المعسول
عجباً لشأنك تدّعي ظمأً وفيجفْنيْكَ من سيلِ الجُفونِ سُيولُ
وتنحّ من لفْح الهَجيرِ وحرِّهوحشاكَ فيه لوعةٌ وغَليلُ
ما هذه آياتُ من عرَفَ الهوىوشجاه رَقراقُ الحياء أسيلُ
لا تكذبنّ فما بهذا عندناأهلَ الصّبابةِ يُعرفُ المتبولُ
خلِّ الغرامَ لأهله فهمُُ بهأولى لهنّكَ في الغرامِ دخيلُ
أنسيتَني يومَ العقيق ونحنُ فيواديهِ بين السَّرْحتيْن حُلولُ
والحيُّ يهمِزُ بالرحيل ومُهجتيجزَعاً لمقترب الرّحيلِ تسيلُ
والوجدُ محتدمٌ وبين أضالعيقلبٌ يضِجُّ به الغرامُ عليلُ
وأقلُّ ما لاقيتُ من كُلَف الهوىبعدَ الصّبابةِ لائمٌ وعَذولُ
ألا اقتديتَ بحُوَّلٍ في وجدِهقد عارك الأشجانَ وهْوَ نحيلُ
أظننتَ أنّ العِشقَ سهلٌ بئس ماأوهمتهُ يا أيّها المخبولُ
يا أختَ سعدٍ قد سننتِ شريعةًما سنّها في الأنبياءِ رسولُ
حلّلتِ سفكَ دمي ولم ينطِقْ بهذِكرٌ وتوْراةٌ ولا إنجيلُ
وقصرتِ أجفاني فما إن تلتقيوأطلتِ ليلي فالعَناءُ طويلُ
وقدحتِ ناراً في الحشا ومنعتِنيإطفاءَها بالدّمعِ وهو هَطولُ
سمعاً لأمركِ ما استطعتُ وكلّ ماحمّلتِ من عِبْءِ الهوى محمولُ
قسماً بعصيان العذول فإنّهقسمٌ على حسن الوفاءِ دليلُ
إنّي عليكِ وإن صدَدْتِ لعاطفٌولكِ الغداةَ وإن قطعْتِ وَصولُ
يا صاحبيّ مضى الهوى لسبيلهوأتى الصوابُ وقولُه المقبولُ
أبثثكما عُجَري فما ترَيانِهلأخيكما فالرّأيُ منه أفيلُ
طال الثّواءُ على المذلّة قانعاًبالدّون واستولى عليّ خُمولُ
وغدا يزاحمُ منكبي في موقف العلياءِ وغدٌ أخرقٌ وجهولُ
في كلّ يوم يستفزّ سكينتيروعٌ يمَسُّ الحسَّ منه ذُهولُ
ممّن عهِدتُ إذا ذُكِرتُ فؤادَهمن صدره فرَقاً يكادُ يزولُ
ما ذاك إلا أنّه لم يبقَ منهذا الأنام مسوّدٌ بُهْلولُ
يأوي إليه المستجيرُ فيغتدينعمَ النّصيرُ وبأسُه المأمولُ
قالا: صهٍ هذا ابن حامدٍ الذيما بعدَه لمؤمِّلٍ تأميلُ
يمّمْه تلقَ اليمّ يزخَرُ طامياًوالليثَ يزأرُ هيبةً ويصولُ
وانزِلْ عليه تُنِخ بكِسْرِ فناءِ منْما ذمّ جيرتَهُ العشيَّ نزيلُ
إنّ امرءاً كفَل العزيزُ بنصرهوغدا يسالمُ دهرَهُ لَذليلُ
نقص في الأصل
لا الصّبرُ ناصرُهُ إن ضامه كمَدٌيومَ الرّحيل ولا السّلوانُ مُنجِدُه
فلم أطاع عذولاً ما يسهِّدُهإذا غفا كلُ طرْفٍ ما يسهِّدُهُ
هل حلّ بالعَذْلِ لاحٍ من أخي كمَدٍما ظلّ بالحبّ داعي الوجد يعقِدُه
لولا الغُرورُ وما تجْني مطامِعُهلذَمّ طيْفَ الكرى من باتَ يحمَدُه
وكلّ من لا يرى في الأمر مصدَرَهُقبل الوُرودِ أراهُ الحتْفَ مورِدُه
كحائنٍ ظنّ مولانا العزيز علىإمهالهُ مُهمِلاً من بات يرْصُدُه
الصّادق العزمِ لا جبنٌ يريّثُهإن رامَ أمراً ولا عجزٌ يفنّدُه
في كلّ يومٍ له حمدٌ يجمّعهُبما توخّاهُ من مالٍ يبدّدُه
جمُّ المواهبِ ما ينفكّ من سرَفٍلُجَينُه يشتكي منه وعسجَدُه
غمْرُ الرِّداءِ وَهوبٌ ما حوته على الأيّام من طارفٍ أو تالدٍ يدُه
يعتدّ بالفضلِ للعافي ويشكرُهكأنّ عافيهِ يحبوهُ ويرفِدُهُ
موفّقُ السّعي والتّدبيرُ منجِحُهوثاقبُ الرّأي في الجُلّى مسدّدُه
حسنُ الرّشادِ له فيما يحاولُهمن المقاصد هاديه ومُرشدُهُ
فما يَطيشُ له سهمٌ يفوّقُهفي كل ما يتحرّاهُ ويقصِدُه
إذا تماثلتِ الأحسابُ فاخرةًأضاء في الحسَبِ الوضّاحِ محتِدُه
يُزْهى بجدّيْنِ أضحى سامياً بهمافما ترى عينُه من ليس يحسُدُه
يا أحمدُ الحمدُ ما أصبحت تكسِبُهبالفضلِ والفضلُ ما أصبحت توردُه
ليَهْنِ مجدَك نُعمى ظلّ حاسدُهايغيظُه ما رأى منها ويُكمدُه
جاءتك تسحَبُ ذيلَ العزّ من ملِكما أيّد اللهُ إلا من يؤيّدُه
لم يلقَ غيرَك كُفؤاً يرتضيهِ لماإليك أضحى من التّدبيرِ يُسندُهُ
ألقى إليكَ زِمام الأمرِ معتقداًأنّ الأمانةَ فيمن طاب مولدُه
فاجعَلْ عِياذَك شكرَ الناسِ تحرزُهوانظرْ لنفسك من ذكرٍ تخلّدُه
وليَهْن جدَّك أعداءٌ ظفِرتَ بهموقد عراهم من الطّغيانِ أنكدُه
نوَوْا لك المَكرَ غدراً فاستزلّ لهمعن ذاك أيمنُ تدبيرٍ وأحمدُه
من كلّ أخيبَ خانته مكايدُهفيما نواهُ وأرداهُ تردّدُه
ما أبرموا الرّأيَ في سوء بغوْك بهإلا وعاد سحيلاً منك مُحصَدُه
ولا ورى زندُ كيدٍ منهمُ أبداًإلا وحدُّك بالإقبالِ يُصلِدُه
نقص في الأصل
فإنْ جحَدَتْ أجفانهُ سفكَها دميفلي شاهدٌ من خدِّه غيرُ مُرقِش
ومال بعِطفَيّ الغرامُ وقد بدالعينيّ حتى ظنّ أنّيَ مُنتشي
بريّان ما يحويه عقْدُ إزارِهوغَرْثان مِقلاق الوشاح معطّشِ
ولما تلاقينا بقلبي وطرْفِهعلى حذَرٍ ممّن ينِمُّ ومن يشي
ضعُفتُ وأعطاه الهوى فضلَ قوّةٍفأوثقني أسراً ومن يقْوَ يبطِشِ
ومن يتحرّشْ بالرّدى وهْوَ وادعٌقريرُ الرّزايا يلْقَ غِبّ التحرُّشِ
وكان هذا ابن أفلح فظيع المنظر، كما وصفه سديد الدّولة ابن الأنباري في قوله:
يا فتى أفلح وإنلم يكن قطُّ أفلحا
لكَ وجهٌ مشوّهٌأسودٌ قُدّ من رَحى
وكان هكذا ذكره قمر الدّولة بن دوّاس:
هذا ابنُ أفلحَ كاتبٌمتفرّدٌ بصِفاتِه
أقلامُه من غيرهودَواتُه من ذاتِه
ومن جملة أشعار ابن أفلح، قوله:
يا من إليه المشتكىفي كلّ نائبةٍ تلوحُ
ذا النّاصرُ المخذولُطولَ زمانِه نِضْوٌ طَليحُ
ما إنْ يبِلُّ فيستريحُ ولا يموتُ فيستريحُ
وقوله:
سألتُك التّوقيعَ في قصّتيفاحتطتُ للآجلِ بالعاجلِ
وخِفتُ أن تُجريَ في قابِلٍوقّعْ فما تبقى الى قابِلِ
وقوله في أنوشَرْوان الوزير، وكان في غاية التواضع:
إنّ أنوشَرْوان ما فيهِسوى قيامٍ لمُرجّيهِ
الجودُ كلّ الجودِ في رجلهوإن تعدّى فإلى فيهِ
روّجْ لراجيك ولو حبّةًواقعُدْ على العرشِ من التّيهِ
وله في المعين المختصّ الوزير:
إنّ عندي للمُعين يداًما حَييتُ الدّهرَ أشكرُها
صانَني عن أن تكونَ لهمنّة عندي أحبِّرُها
فأنا ما عشتُ أعرِفُهاأبداً من حيثُ أنكِرُها
وله في الوزير أحمدَ بنِ نظام الملك:
قصدْتُ أرومُ لقاءَ الوزيروقد منع الإذنَ بالواحده
وكلٌّ على الباب يبغي الدّخولَ والبابُ كالصّخرةِ الجامده
ولم أعلمِ العُذْرَ في غلْقِهفكنتُ أعودُ على قاعدَهْ
فصِحتُ محمّدُ ألاّ فتحتَفقالَ الوزير على المائدهْ
ومن دونِ فتحيَ فتحُ الوجوهِفعُدَّ الرّجوعَ من الفائده
وله فيه:
شكرتُ بوّابَك إذ ردّنيوذمّهُ غيري على ردِّه
لأنّهُ قلّدني منّةًتستوجب الإغراق في حمدِهِ
أعاذني من قُبح ملْقاكَ ليوكبرِك الزّائد في حدِّهِ
فعُذْتُ أن أُضبرِعَ خدّي لمنماءُ الحَيا قد غاض من خدِّهِ
وله فيه:
وزيرُنا ليسَ له عادةٌببذلِ إفضالٍ وإحسانِ
قد جعلَ الكِبْرَ شعاراً لهفليس يقْضي حقّ إنسان
لو سلِمَ السّلطانُ من كِبْرِهعليه ما ردّ بإعلانِ
كأنّه لا كان من تيههمورّثٌ ملكَ سليمانِ
أبوابُه مغلَقةٌ دائباًمن دون وُفّادٍ وضِيفانِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع