من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
ابن الزغلية الكاتب
من أهل دمشق زين الكتاب أبو الحسن علي بن جعفر بن أسد بن علي المعروف بابن الزغلية، قال: جدي جوهري، وأبي صائغ، فلا جرم، ورثتهما في الصناعة والصياغة، والخط والبلاغة، فأنا فيهما مبالغ. منظوم طروسه كالجواهر، وعقود نقوده كالحلي الفاخر، بل كالنجوم والزواهر. شيخ بهي، رواؤه شهي، وخطه مقلي، للعلم طراز وللنظم حلي، لقلمه حلاوة، ولكلمه طلاوة.
كان يكتب كل سنة لنور الدين مصحفاً، ويصير ببره في صرف الصروف عنه متصرفا، خطه كالروض الأنف، والوشي المفوف، والعذار المقتض عذرة الهوى العذري، والزلال الصافي لعين الحائم عند رؤيته في طلب الري. وقد نيف على السبعين، وتوفي بدمشق في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين.
وأنشدني بدمشق لنفسه سنة إحدى وسبعين من قصيدة زعم أنه مدح بها الصالح بن رزيك وأنفذها إليه إلى مصر سنة أربع وخمسين وهي:
أَبُثّكما لو أَن نائبة تَعْروتُفَرَّج بالشكوى إِذا غُلب الصبرُ
ولكنّ داء الحُبِّ أَعيا دواؤهوما لي إِلى ما لست أَغنى به فقر
خليليّ هل أَلفيتُما أَو أَلِفتُماسوى الوصل يشفي داءَ من شفَّه الهجر
دعا للهوى مَنْ تَلْحَيان، فقد دعامُجيباً، وكُفّا العَذْل إِن لم يكن عُذر
ستُبدي شؤوني عن شؤونيَ كُلِّهاوهل لامرئٍ نمّت مدامعُه سِرّ
وخالبةٍ بالحُسنِ حاليةٍ بهمُنىً صدقُها خَتْلٌ وصُحبتها خَتْر
تَشابه جفناها وجسمي وخصرهاوجانس منها لفظَها العِقد والثغر
يهون عليها أضن يَعِزَّ رُضابُهابَروداً على مَنْ حَشْوُ أَحشائه جَمر
مُنيتُ بما يُوهي الجليدَ وحبّذالو انقاد لي ذا القلب أَو أَصحبَ الفكر
ومنها في المديح:
ولو شئتُ أَعداني على الدهر إِذْ عداأَميرُ الجيوش المالك الصالح الغَمْرُ
مليكٌ يَعُمّ الأَرضَ واكفُ كفّهِففي كل قُطرٍ من سحائبها قَطر
ومنها:
حوى قصباتِ السَّبْق في المجد والعُلىومَنْ دونَه مِنْ دونِه المَسْلكُ الوَعْرُ
فيُخفِق عن غاياته كلُّ من سعىويَخفِقُ في راياته العزّ والنصرُ
تمنَّتْ خراسانٌ سياسةَ عدلهوتاهت على أَرض العراق به مِصر
ومنها:
وأَكرم نفساً أِن يُهَزَّ إِلى ندىًوأَكبر قَدراً أَن يُرى وبه كِبرُ
يميلُ إِلى الشكر الجميل سيادةًويأْبى، وَقاراً، أَن يَميل به السُّكر
فلا طربٌ إِلاّ على نغم الظُّبىولا سُكرَ إِلاّ أَن يُرنِّحه شُكر
ومنها:
أَرى ما وراء الحُجبِ عَيْناً بها عَمىًوأَسْمَعَ ما في النفس أُذْناً بها وَقْرُ
إِذا ما دجا ليلٌ من الخَطب مُظلمٌتَبلَّج من إيراء آرائه فجر
ولا عَيْبَ في أَخلاقه غير أَنهاصفتْ فَنَقَتْ ظنَّ الورى أَنها الخمر
ولا تِيهَ فيه غير أن يمينهبها أَنَفٌ من أَن يُقاس بها البحر
فقد غمر العافين ساكنُ يَمِّهافما ظنُّهم إِن هاج آذِيُّها الغَمْر
فَمن في النُّهى قيسٌ وفي الجودِ حاتِمٌوفي عدله كسرى وفي بأْسه عمر
له قلمٌ يَعْنو له مُبرَمُ القضاوتعجِز عن أَفعاله البيض والسُّمرُ
وساحةُ صدرٍ ضاق عن رُحبها الفضاوراحةُ جودٍ شحَّ عن سَحِّها القَطر
ومنها:
مِنَ القوم إِن أَبدَوْا أَعادوا وإِن عَدَوْاأَبادوا، وإِن أَجْرَوْا إِلى غاية جَرّوا
بُحورٌ إِذا أَجدّوْا، بدور إِذا بدَوْالُيوث إِذا كرّوا، غُيوث إِذا برّوا
إِذا قيل هذا صائلُ الدّهر أَقدمواوإِن عَرضت إِحدى الدّنايا لهم فرّوا
تطيع المنايا والأَمانيُّ أَمرَهمفإِن حاربوا ساءوا وإِن سالموا سرّوا
ومنها:
أَيا كاشف الغماء إِن جلّ فادحٌويا مُسبغ النَّعماء إِن مَسّنا ضُرُّ
حفِظتَ ثُغور المسلمين وصانعتْصروفَ الرَّدى عنهم صنائعُك الغُرُّ
فلا دعوةٌ إِلاّ وأَنت مُقيمهاولا دولةٌ إِلاّ وأَنت لها ذُخر
ولا مُقتِرٌ إِلاّ وأَنت له غنىًولا مُعْسِرٌ إِلاّ وأَنت له يُسر
ومنها:
فَهُنِّئتِ الأَيّام منك بمالكٍبه انتصر الإِسلام وانخذل الكفرُ
ومنها:
طوتني خطوبٌ للزمان شديدةٌوأَنت امرؤٌ في كفّه الطيُّ والنَّشْرُ
أَقمتُ على رَغمي وقلبيَ راحلٌفجاء إِلى عُلياك يعتذرُ الشِّعر
وأنشدني له في الصالح بن رزيك من قصيدة، في سنة ثلاث وخمسين:
مُناصِح الفكرِ في نَجْواك مُتَّهَمُوفاخر الشّعر مِنْ لُقياك مُحتشِمُ
ومنها:
يا أَيُّها الملك الأَعلى الذي شهدتْبفضله الأُمّتان العُرْبُ والعجمُ
أَنت الذي بك يَدري من له أَربٌقَدْرَ الكلام إِذا لم تُعرَف القِيَمُ
شَمْسٌ، وكلُّ ضياءٍ بعده ظُلَمُبُرْءٌ، وكلُّ صلاحٍ بعده سَقَمُ
ومنها:
وحلّ في صدر دَسْت الملك منه فتىًيستوقف الطَّرْف، في عِرنينه شَمَمُ
حالٍ بِدرِّ المعالي جِيدُ همّتهعالٍ على رأسه من مجده عَلَم
يُرجى نَداه ويُخشى حَدُّ سطوتهكالغيث والليث، مِفْضالٌ ومنتقم
ومنها:
وهل يخاف صُروفَ الحادثاتِ فتىًأَضحى بحبل أَبي الغارات يعتصمُ
بمطفئٍ جَمراتِ الرَّوْع وهي لظىًتُذْكى بوقع المواضي فهي تضطرم
بخائِضٍ لججَ الهيجاء يسبحهاوموجُها من قلوب الدَارعين دم
بمُشْرقِ الرأْي، والآراءُ مظلمةٌوثابتِ الجَأْش، والأَبطال تصطدم
ومُبْصِر الأَمر، والأَقدارُ تسترهعن أَن يراه البصير الحاذِق الفَهِم
غيثٌ إِذا انهلّ روَى كلَّ ذي ظمأٍله السّماح سماءٌ والندى دِيَم
ليثٌ مَخالبه بيضٌ مُجَرَّدةٌبُتْرٌ، وسُمْر العوالي حوله الأَجم
ومنها:
يا مالكاً في مواليه له نَعَمُتَتْرى وعند مُعاديه له نِقَمُ
ومنها:
فمن يناوئك في هذا الأَنام وفييمينك الماضيان: السيف والقلمُ
أَمْ مَنْ يباريك في حزمٍ ومأْثَرَةٍوعندك المُسْعِدان الرأْي والحِكمُ
ومنها:
إِنّي أُجِلُّك أَن أَلقاك مُشتكياًإِلى عُلاك هموماً كلّها هِمَمُ
أُغالط النفسَ بالتسويف في زمنيفعَيْن حاليَ تبكيني وأَبتسم
وكم معافىً تروق العينَ صورتُهوحشْوُ أَحشائه من همِّه أَلَمُ
وإِن قضى لي بتأخير الندى ومضىفمُقتضيك العُلى والجود والكرم
وأنشدني له من قصيدة يهنئ فيها ببرء الملك العادل نور الدين ﵀:
بُرءٌ أَبرَّ على إِرواءِ باكرةًمن السّحائب ظمآنَ الثرى جَدِبا
شفى به اللهُ مجداً قد أَلَمَّ علىشَفاً، وأَحْيا حيَاً أَبلَلْتَ فانسكبا
ومنها:
يا أَفصح العَرب العَرْباء قاطبةوإِن غدا لملوك التُّرك مُنتسِبا
ما جال طرفُ الكرى في جفنِ مأْثَرَةٍحتى تصرّم عنك الداءُ وانجذبا
عفَّتْ عوافيك آثارَ الهموم فماأَبقت لها في فيافي فكرةٍ أَربا
وردَّ دونك، نورَ الدين، قاصرةًأَيدي المُلِمِّ أَيادٍ تُخْجِل السُّحُبا
يا رحمةً عمَت الإِسلام قاطبةًونعمةً خصّتِ الأَهلين والقُربا
حاشا جمالك أَن يكساه طيفُ ضنىًوثوب عزِّك أَن تُنضاه مُسْتَلَبا
ولا عَرَتْك من الآلامِ حادثةٌتَضْحي لها عن عيون الناس مُحْتَجِبا
ومنها:
وعش مُنيلَ ذوي ودٍّ، مُبيدَ عدىًما شئت، مَرْجُوَ آلاءٍ، مَخُوف شَبا
إِن أَمَّ سعدَك طرفُ الحادثات كباأَوْ رام مجدَك نابُ النائبات نبا
وأنشدني له من قصيدة في نور الدين محمود بن زنكي ﵀ وكان قد أهدى له مصحفاً بخطه:
يا جُنَّةً إِن رماني سهمُ حادثةٍوجَنَّةً ليَ إِن خُوِّفتُ بالنارِ
وفي القناعة لي عِزٌّ أَصولُ بهلكنّ عائلتي يهوَوْن إيساري
إِذا ذكرتُ لهم فضل القناعة لميسمَعْن وعظي ولم يقبلْن أَعذاري
وليس لي شافع أَرجو النجاة بهسوى كتاب عظيمِ المُلك جبّار
لو أَن حظّي كخطّي كنت أَكسِب مندون الورى كلَّ يومٍ أَلف دينار
فليت حظّي كخطّي في ملاحتهوليت رزقي كآدابي وأَشعاري
زيادةُ الحِذْق نقصُ الرزق فارْضَ بماتُؤْتى ولا تتكفّر فِعْلَ كفار
وقد طوى الله سرّ الغيب مقتدِراًعنا لنيفذ فينا حُكمه الجاري
يقوى رجائي وفرطُ اليأْس يَضعِفُهفتنقضي مُدَّتي في غير إِيثاري
ذقتُ النعيم وذُقت البؤس في زمنيفما وفى ليَ إِحلائي بإِمراري
واحَسْرتا لتقضّي العمر في لعبٍأَقضي ولم أَقضِ أَغراضي وأَوطاري
عسى إِلهي، إِذا ما مِتُّ، يغفر ليفإِنه خير مَنّانٍ وغفّار
وأنشدني له في المؤيد ابن العميد بدمشق من قصيدة:
وله من ضوامر الصُّمِّ رُقشٌجارياتٌ بوعده والوعيدِ
فإِذا نمنم الكتابة في الطِّرْس أَرانا وشياً كوشي البرود
وإِذا أَنشأَ الكلام ووشّاهـ شأى فيه فنَّ عبدِ الحميد
وأَبو الفضل ابن العميد مُقِرٌّذو اعترافٍ بالفضل لابنِ العميد
وله في القريض غُرُّ مَعانٍحار فيها الوليد وابنُ الوليد
وأَيادٍ من الصنائع بيضٌتَسترقُّ الأَحرار رِقّ العبيدِ
عرَف العارفون فضلك بالعلم وقال الجُهّال بالتقليد
وأنشدني له من قصيدة في مدح القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري:
بكُتْبك تَنْفَلُّ الكتائب نُكَّصاًمُنَكَّسةً راياتُها لا تُعَقِّبُ
إِذا تُليت خال العدوُّ كلامهاكِلاماً، وما عنها فؤادٌ مُحَجَّبُ
وأَقلامُك اللاتي بها تَصْدَع القناوتقضي على حدِّ السيوف وتقضِب
إِذا ما علت فوق الطُّروس حِسبتهاخطيباً على أَعلى المنابر يخطب
بأَسودِها تبيذُّ كلُّ مُلِمَّةٍوتخضرُّ منها الأَرض، والعامُ أَشهب
وما طاب في الأَرض العريضة نفحةٌلِعِرْض امرئٍ إِلاّ ونَشْرُكَ أَطيب
وأنشدني له من قصيدة في كمال الدين ابن الشهرزوري:
أَصلى فؤادَك ذكرُه أَهلَ الغضالمّا استقلَّتْ عيسُهم جَمْرَ الغضا
وحدا بركبهمُ شُروقاً سائقٌعَجِلٌ، إِذا وَنَتِ الركائبُ حَرّضا
وظللتَ تَتْبَعُهم وقلبك خافقٌكالبرق في جُنح الدُّجَنَّةِ أَوْمضا
ودموع عينك قد مَرَتْها زَفْرةٌمُذْ خَيَّمَتْ رَحَلَ السّرورُ وَقُوِّضا
وبأَيْمُن الأَظعان في اَحْداجهمنَجْلاءُ يَشْهَر لحظُها سيفَ القضا
غرّاءُ تحكيها الغزالة في الدُّجىنُوراً ويحكيها الغزال تَعَرُّضا
ميّالةُ الأَعطاف ناعمة الصِّبالو لامستْ حجراً أَصمَّ لَرَوَّضا
فتانةٌ مِلء المجاسد، أَوْدَعَتْفي القلب داءً للمنيَّة عرّضا
نجني الشقيقَ مُذَهَّباً من خدِّهابلحاظنا، والأُقحوانَ مُفَضَّضا
صَدَّ وشطّ مزارها وتنكَّرتوغدا مُمَرَّ عهودها مُتنَقَّضا
قد كنت جاراً يا هنيدةُ برهةًما بين كاظمةٍ إِلى ذات الأَضا
لَهْفي على زمنٍ بقُرْبكِ فاتنييا ليتني استقبلت منه ما مضى
واهاً لدهر غالنا بصُروفهوأَعارنا إِحسانه ثم اقتضى
فسقى زمانَ وصالنا مُتراكِمٌكندى كمال الدين أضعني المرتضى
ومنها:
لو لم يكن لِبنانه شِيَمُ الحياما أَزهر القِرطاسُ منه ورَوّضا
ما جاش في صدر المُلَطَّف صدرهإَلاّ ظننت الجيشَ قد ملأَ الفضا
ومنها:
قومٌ إِذا عبس الزّمان تهلّلوابمكارمٍ زَخَرت بحوراً فُيَّضا
شرعوا على دين السماح شريعةًقضتِ المكارمُ أَن تُسَنّ وتُفْرَضا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع