من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
القاضي شمس الدين أبو عبد الله
محمد بن محمد بن موسى يعرف بابن الفراش. من أهل دمشق، كبير المحل، كثير الفضل، صحيح العقد، رجيح العقل، مشمول الشمائل حلوها، مقبول الفضائل صفوها، جامع بين علم الأحكام والحكم، صانع في ترصيع البديع من الكلم، قد غلب عليه الوقار، وكأن كلماته يعصر منها العقار.
كان قاضي العسكر في آخر عهد نور الدين محمود بن زنكي ﵀ بالشام إلى أن مضى لسبيله، وفاز في الخلد بسلسبيله.
وولاه الملك الناصر صلاح الدين في دولته أمانة خزانته، وقرره على قضاء عسكره، وخاصته. وما زلنا ي الأيام المنورة النورية قرينين في المخيم، وقريبين في المجثم، وحلفي مجاورة، وإلفي محاورة، نتفق ولا نفترق، ونأتلف ولا نختلف، وأقتبس من نطقه وصمته، وأستأنس بخلقه وسمته، ونتواسى في المعيشة كالشقيقين الشفيقين، ونتساوى في العيشة كالصديقين الصدوقين، وهو أصدق من خطب إلي صداقته، وجعل صداقها صدقه، وأسبق من جرى في حلبة الوفاء فأعطى الكرم حقه، ما كسبت فيي الشام غيره، ولا حسبت إلا خيره، وما لقيت من لم ألق سوءه سواه، ولا ألفيت شرواه، وله في كل فن من العلوم يد قوية، وفكرة في النظم والنثر سوية، وقريحة في إبداع القافية والروي روية.
ومما أنشدنيه من شعره:
سضحاب النَّدِّ مُنتشِرُ الضبابِوبنت الكأْس راقصةُ الحَبابِ
وعينُ الدّهرِ قد رَقَدتْ فأَيقظسروراً طرفُه بالهمّ كاب
ولا تستصْرِخَنَّ سِوى الحُمَيّاإِذا باداك دهرُك بالحِراب
إِذا مُزِجتْ يطير لها شَرارٌيَفُلّ شَبا الهموم عن الضِّراب
ولا تقلِ المشيب يعوق عنهافقد ضمِنَتْ لنا رَدّ الشباب
ولا تبغ الفِرار إِلى لئيمٍتُلاطفه فيخشُن في الجواب
فلي هِممٌ، إشذا سطتِ الليالي، مجاثمها على هام السحاب
هي الدنيا تَسُرُّ إِذا أَرادتوتَحْزُن مَنْ تريد ولا تُحابي
إِذا انتبهتْ حوادثها لشخصٍفليس يُنيمها سَمَرُ العِتاب
فإِن زادت فأَوْسِعْها فُؤاداًقويّ الجأْش مُنْفَسِح الرِّحاب
متى كَمُلَتْ رياض الفضل خِصْباًفأَرضُ الحظّ مُجْدِبة الجَناب
تُضيءُ المُشْكلاتُ بفضلِ قَوْليويرتاع المُلاسِن في خطابي
وإِن طال المُفاخِرُ بالمَعاليوحاولني تقاصر عن هِضابي
وأَعْجَبُ كيف تخفيني اللّياليووجه الشمس يَخْفى في شِهابي
وُجوهُ مَناقبي حَسُنَتْ ولكنبِذَيْل الحظّ قد طاب انتقابي
ثياب العِرض إِن دَنِسَتْ لِقَوْمٍفكن ما عشت مُبْيَضَّ الثياب
وأَسلمني الزّمانُ إِلى أُناسٍإِذا عُدُّوا فليسوا من صِحابي
رَقُوا ظُلماً وأَنفسُهم ترامتبهم طبعاً إِلى تحت التراب
عليهم للكلاب مزيدُ فضلٍوليس لهم مُحافظةُ الكلاب
لهم دون الرغيف سِهامُ لؤمٍتَصُدُّ القاصدين عن الطِّلاب
وكتب لي من نظمه بخطه، قال:
وقلت في بعض الأغراض التي اقتضت ذلك، وكان سببه أنني أنشدت لبعض الأًدقاء شعراً لمهيار، فتبرم منه لضيق صدره بسبب من الأسباب، فمازحته ببعض هذه الأبيات كأنها على لسانه:
لقد سمح الدّهرُ بالمُقْتَرحْوكان السكوتُ تمامَ الفرَحْ
وما زال إِنشادُك الشعر لييَمُرُّ بسمعيَ حتى انقرَحْ
ونغَصتَ عَيْشي بتردادهوأَفسدتَ من حالتي ما صلضح
فلا خير في نظم هذا القريضولا في تغزُّله والمِدَحْ
لحا الله قلباً يحبّ المِلاحولثْمَ الأَقاحي ورَشْف القَدَحْ
ويهتَزُّ عند اهتزاز الغصونويعجبه ظَبْيُ سِرْبٍ سَرَحْ
وتُطربه رَوْضةُ العارِضيْنوما في شمائِلها من مُلَحْ
لئِن سَرَّكُمْ حُسنُ وَجْهِ الحبيبفما ذاك عنديَ إِلاّ تَرَح
وللهِ دَرُّ عجوزٍ تروقلطرفِ الحكيمِ إِذا ما لَمحْ
ويُعْجِبُه صِبْغُ حِنّائِهاوما بين أَسنانها من قَلَح
لها رَحِمٌ مثلُ حبل العِقالإِذا ما دنوت إِليه رَشَح
وإِن حَرَّكتْه ذُكور الرّجالتخيَّلْت ذاك كنيفاً فُتِح
فهذي مقالة هذا الحكيمولا خَيْرَ فيمن إِلها جَنَح
فَدَعْ قوله واختصر صورةًكأَنّ الجمال لها قد شرح
إِذا ما استدارتْ نطاق الخصوروماستْ قُدودٌ بزَهْوِ المِدَحْ
فكم من غريقٍ بماء الجفونوكم من زِنادِ فؤادٍ قَدَح
أَدِرْها وروِّ بها حائِماًودارِكْ بقيَّةَ عُمْرٍ نَزَح
ولا تَجعلِ المزج إِلاّ الرُّضابوواصل غَبوقك بالمُصْطَبَح
أَطِعْ في حبيبك غِشّ الهوىوعاصِ العذول إِذا ما نصح
ولُذْ بضلالك قبل الهدىوبادِرْ ظلامك قبل الوَضَح
وَدَعْ عنك وَضْعَ شِباك المُحالونَصْب الفخخ وعَدَّ السُّبَحْ
ولا تُغْلِقَنّ بحمْل الهموم بابَ السّرور إِذا ما انفتح
وإِنْ خِفتَ من عاتبٍ فاستترْبليل الشَّباب إِذا ما جَنَح
فَتَبّاً لدهرٍ يُعِزُّ اللئاموقدرُ الكرام به مُطَّرَحْ
ذَلول إِذا ما امتطاه الجهولوما رامه الحُرُّ إِلا مُمْتَدَح
وقد طُمِسَتْ أَوجهُ المَكْرُماتوقد عُطِّلَتْ هُجْنُها والصُّرُح
ولا خير فيمن غدا طائِعاًللؤمٍ أَلَمَّ وبُخْلٍ أَلَحْ
إِذا بهرجته عُقولُ الرّجالوأَخجله النّقْص لمّا افتضح
لئن قَصَّرَتْ خُطوةُ الحظّ بيفماليَ عن هِمّتي مُنْتَزَح
وإِن عَدَّ مُفْتخِرٌ فضلَهفبي يُخْتَمُ الفضلُ بل يُفْتَتَح
وكم للفضائلِ من خاطبٍوما كلُّ خاطب بِكرٍ نَكَح
قال، وقلت:
لا تَلْقَ دهرك بالعِتابِفعُهوده ذات انقلابِ
والبَدْ إِذا وَثب الرَّدىواصبر على مَضض المُصاب
فالدّهرُ يخدع بالسرور كمثل تلميع السَّراب
ما جئته مُسْترْوِحاًإِلاّ حصلت على اكتئاب
فإِذا طلبت صفاءهفابشُر بأنواع العذاب
لا تَشكُوَنَّ فما يُبالي إِن شكوتَ ولا يُحابي
يا صاحبي ماذا يَضُرّ الأُسْدَ من حَنَق الذِّئاب
لولاكِ، غِزلانِ الفَلاما هان مُرْتَكَب الصِّعاب
أَلِفَتْ مُنازَلَة القلوب فما تَمَلُّ من الحِراب
يدنو فيمنعه الحَيافيعود مَسدول الحجاب
والبدرُ أَحسنُ ما يكون إِذا تنقَّب بالسَّحاب
لله عيشٌ سالفٌواللهو مَوْفورُ النِّصاب
وسرورنا مُستيقِظٌفرِحٌ، وطرف الهمّ كاب
إِذا نُقْلنا لَثْمُ الخدود وشُربنا خَمْرُ الرُّضاب
إِذ نحن في جاه الصِّباوالعمرُ مجهول الحساب
فارحلْ عن الدنيا وجِدَّ وَدَعْ مُلاعبة التَصابي
دَعْها فقد جاء المشيب بعَزْلِ سلطان الشباب
ما اللَّهْوُ بعدَ الأربعين وإِن قَدَرْت، بمُستطاب
بعثتْ طلائِعَها المنون إِليك مُسْرَجةَ العِراب
وقلت: لما ولي الملك السعيد ﵁ لسيدنا الأجل عماد الدين أبي حامد محمد بن محمد، ابن أخي العزيز، الإشراف على ديوانه وسائر مملكته مضافاً إلى ما كان يتولاه من ديوان الإنشاء، وكان قد ولد له ولد بعقب ذلك. ولم يتفق إنفاذها إليه في ذلك الوقت بسبب رحيل اتفق للملك السعيد ورحلنا معه في سنة ثمان وستين وخمسمائة. وهي محتاجة إلى تنقيح:
خان المُحالف والمُعاهدْوجفا المُوالي والمُساعد
سهِرت عيونُ فضائليلكنّ طرف الحظّ راقد
أخذ بصَفقةِ تاجرٍطلب المقاصد بالقصائدْ
فاخِرْ فإِنك في زمانك صالح، والوقتُ فاسد
أَوَليس قومك معشرٌكانت عوائِدهم عوائد
لا تتعب الحسّاب فيعدد الكرام فأَنت واحد
فلئن فَخَرْتَ بمن مضىفلْتفخرنّ بك المَشاهد
فابشُر بمولودٍ يجدّدُ ذكر آباءٍ أَماجد
ولدٌ أتانا مُخبراًفي مهده عن خير والد
ما فتَّ في عضدٍ ولكن فتَّ أَكباد الحواسد
رفعتْ دموعي بعدكممما أُكابده جرائد
أَين الذين نعدّهمعند النوائب والشدائد
يَلْقَوك في شُوس الخطوب مشمّرين عن السواعد
نَفقت ملابيس النِّفاق وسوق أَهل الفضل كاسد
رُفعت دواوين الكفاة وخُلْخِلَتْ منها القواعد
واستبهمت حتى لقدأَيِس المُعَلِّل والعوائِدْ
فنهضتَ فيها قائِماًبسِدادها والغيرُ قاعد
فَصَحَتْ وصحّ زمانهامن ذا يُغشّ وأَنت ناقد
وملأْتَ أَسماع الرُّواة من الفوائد والفرائد
وحفِظت عَقد مودّتيفنشرت أَلوية المحامد
سرقت عزيمتُك الرُّقادَ فبتّ مهجور المَراقد
غار الزمان فسلَّهُسيفاً لأَهل الشرّ حاصد
وقلت في سنة ستين وخمسمائة وكتبتها إلى بعض الأصدقاء:
نواحي الأَرض ضاحكةُ الرُّبوعِوعينُ المُزنِ هاطلة الدموعِ
ووجه الأَرض بسّام المُحَيّاوشادي الدَّوْح ممنوعُ الهجوع
وأَغصانٌ كأَنّ بها انتشاءًتصابت وهي شائبة الفروع
لقد طالت ليالي الهمّ فائْذَنْعَصيُّ الهجرِ ذو وصلٍ مُطيع
ولا يسقيكها إِلاّ غزالٌعَصيُّ الهجرِ ذو وصلٍ مُطيع
عُقاراً لو سطت في يوم حربٍلأَوْدت بالخُبَعْثِنَة الشجيع
ولو مرّتْ على حلم ابن قيسٍلأَضحى وهو كالطفل الرضيع
وقلت بسبب صديق:
إذا غرت خيولُ الهجر يوماًعليكَ، فكنْ لها ثَبْتَ الجَنانِ
وإِن خان الصديق فلا عجيبٌأَليس الأَصدقاء بني الزّمان
وقلت لما كنت بحلب بعد وفاة الملك السعيد ﵁، وقد توالت الفتن، وحرجت الصدور، متشوقاً إلى دمشق ومتذكراً لها:
عروسُ الكأْس يجلوها نديميعلينا في ثيابٍ من نعيم
أَدِرْها واحْيِ أَباحاً تراهارَميماً بين أَجداث الهموم
وداوِ بها جِراحات اللياليفلستَ على التّداوي بالمَلوم
ولا تكسِر حُمَيّاها بمَزْجٍفتضعُفَ عن مُقاومة الغريم
وأَعجَبُ كيف تبرُز وهي شمسٌمكلَّلةَ الجوانب بالنّجوم
إِذا طافت همومُك حولَ كأْسٍترامتْ نحوها شُهْبُ الرُّجوم
وقد زَفّ الربيع إِليك رَوْضاًقشيبَ الزَّهْر مُعْتَلَّ النسيم
فَحُثَّ اليَعْمَلات إِلى دمشقٍسقاها اللهُ هَطّال الغيوم
فيا لله درُّكِ من ديارٍتَراضَعنا بها حَلَب الكروم
فما رقأَتْ دموعي حين غابتجواسقُها ولا اندملت كُلومي
إِذا ما طُفت حول دروب مقرىفعرِّج بي إِلى دَيْر الحكيم
وبادرْ نحو رَبْوتِها ففيهاإِذا واجهتها بُرْءُ السقيم
وحيِّ النّيْرَبين فكم مضى ليعلى الشرفَيْن من شجنٍ قديم
إِذا الخُطباء في الأَغصان قامتتهُزُّ النائمين عن النعيم
إِذا كأْس الصَّبا دارت سُحَيْراًتحُلُّ معاقد الدُرّ النظيم
لقد أَهدت لها الخضراء بُرْداًبديع النَّسج مختلف الرُّقوم
وفي تلِّ الثعالب راح عنهاففيها منشإي وبها تميمي
لقد حلّت جِنانُ الخُلد فيهاوفي حلبٍ هَوْت نارُ الجحيم
إِذا عُرضت عليك رأَيت فيهاعِراصَ الخير دائرةَ الرُّسوم
مُناخُ للأَراذل منذ كانتمحرَّمَةٌ على الحرّ الكريم
أَقمتُ بها فلم يظفر طِلابيبذي أَدبٍ ولا خِلٍّ حميم
وأَرذلُ من ترى فيها وأَخزىذوو الأَقداء والحسب الصميم
تُرى يحنو الزمان عليَّ يوماًفأَشكو ما لقِيت إِلى رحيم
لعلّ الله أَن يُدني زماناًتَهُبّ لنا به ريحُ القُدوم
وأبناء الزمان كما تراهمأَفاعٍ دأْبُها نَفْثُ السّمومِ
فلا يحنو القويُّ على ضعيفٍولا يصل المَخوف إِلى رَؤوم
وسُقت إليهم الآمال حَثّاًفما وجدتْ سوى مرعىً وَخيم
رأَيتُ سحائباً فظننتُ فيهارَذاذاً مُنْعِشاً لثرىً عديم
يحاربني الزمان وأَيّ والٍيناصفني وأَيامي خُصومي
تَبَلَّغْ باليسير وعِش كريماًوغُضّ الطرف عن نظر اللئيم
فقد عقمت عن الكرم اللّياليفلا تَرْجُ الوِلادة من عقيم
وناديتُ العفاف: إِذا اقتسمنافكن ما عشتُ في الدنيا قسيمي
وقلت لما خرجت من حلب متوجهاً إلى الملك الناصر صلاح الدين أدام الله دولته، وكان حينئذ بحمص، ولم يسمعها:
سرى ما بيننا سِرُّ الغُيوبِيُبَشِّرُنا بنصرك عن قريبِ
ركبتَ إِلى الحروب جِيادَ عزمٍمصرَّفةً عن الرأْي المُصيب
تبسّمتِ البلادُ إِليك أُنساًوكانت قبلُ مُوحِشةَ القُطوبِ
لقد ولّت شَمال الشِّرْك لمّاأَنار الدينُ من أُفقِ الجَنوب
تركت صوارخَ الأَعداء فيهامُخَرَّقةَ المَدارع بالحريب
تكاد قلوبُهم بالخوف منهاتطير عن المساكن بالوَجيب
وما سهِرتْ رماحُك فيه إِلاّلترقُد في التَّرائب والجُيوب
عصت حلبٌ وقاتل ساكنوهاوليس قتالُهم لك بالعجيب
لأَنك ناصرُ الإِسلام حقّاًوهم رهط المُغيرة أَو شَبيب
وقد قالت سُعودك عن قريبٍإِليك أَسوقهم سَوْق الجَنيب
جِهادُك إِن طلبت الغزوَ فيهمأَهَمُّ إِليك من غزو الصليب
فَزُرْ باب العراق وما يليهبكل مُزَنّرٍ طرِبِ الكُعوب
وفَجِّرْ مَنْبَع الأَوْداج حتىتَخوضَ الخيلُ في العَلَق الصبيب
ترى الإِسلام قد وافاك يعدوإِلى لُقياك مشقوق الجُيوب
وقد نادى مُؤَذِّنهم، فنادىليوثُ الغاب: حيَّ على الحروب
أُناسٌ دَبّت الأَعلالُ فيهموليس لهم كسيفك من طبيب
وقد وَلّى الوزيرُ وعن قريبٍسينقلب الوزير إِلى الَقليب
أَحاط بجمعهم في كلِّ نادٍظلامُ الكفر في ليل الذُّنوب
ومُذ أَطلعتَ شمس النَّصل فيهمعلا أَعناقَهم شَفَقُ الغروب
فلا يَغْرُرْكُمُ أَن كفّ عَنْكُمْفإِنّ الأُسْدَ تجثِمُ للوُثوب
إِذا ابتسمتْ سيوفُ الهند يوماًفمَبْسِمُها يدلُّ على النّحيب
ولم يَذْخَرْك نور الدين إِلاّلتدفع عنه نائبةَ الخُطوب
فخلِّص ابنه بالسيف منهمفقد حبسوه في بلدٍ جديب
يَبيتُ وقلبُه المحزون أشهىإِلى لُقياك من ضمِّ الحبيب
صغيرٌ بينهم، لا بل أَسيرٌغضيضُ الطرف مبخوس النصيب
تذكَّرْ عهده واحْنُن عليهونَفِّسْ عنه تضييق الكُروب
ولا يَغْرُرْكَ من يُوليك وِدّاًويَلْوي عنك أَجفان المُريب
أَتيتُك والرِّماحُ تَخُبُّ نحويوخُضت عَجاجةَ اليوم العصيب
رأيتُ كواسرَ الأَبطال حوليمُحَدَّدة المخالب والنُّيوب
وسِرتُ إليك محزوناً فلمّارأَيتُك قلتُ للأَحزان: غيبي
رأَيتُ المارقين ومَنْ يليهمجميعاً من عَصِيّ أَو مُجيب
إِذا غنّت صواهِلهم وأَبدىلها الخطيُّ أَخلاق الطّروب
فَراشاً عاينتْ ناراً فأَبدتتهالُكَها على جمر اللهيب
فأَوْسِع طَعْنَ من عاداك ظُلماًكما وسَّعْتَ رِزق المُسْتَثيب
أَماتتني الهمومُ بأَرض قومٍبما فعلوا وأَخذلني كُروبي
وها قد قمتُ من قبري لِتحيابقُربك مُهجة الميت الغريب
وقد هاجرتُ إِنكاراً لما قدرأيتُ من المثالب والعيوب
ولي دهرٌ يُراقبني فأَرْمِدْبلَحظٍ منك أَلحاظ الرّقيب
وشمسي تحرُق الحُسّاد كَبْتاًوتُعيي وصفَ ذي اللَّسَنِ الخطيب
عَلَتْ في أَوْجها وحَضيضُ حظّييُجاذِبها بأَرسان المغيب
وقلت في سنة سبع وخمسمائة، وكتبتها إلى بعض الأصدقاء في سبب اقتضاه:
أَتطمعُ في عِقالك أَن يُحلاّوتُدرك في ظلام الصُّدغ مَحْلا
وكنتُ أَقول لي صبرٌ مُعينٌفلمّا صحّ هجرُك لي تخلّى
أَتسمع في مُحِبّك قولَ واشٍوما سَمِع المُعَنّى فيك عَذْلا
لقد حلّلتَ من قتلي حراماًوحرَّمتَ الوصال وكان حِلاّ
وتسمح لي بخمر اللَّحظ صِرْفاًوتمنعني مِزاجَ الرّيق بُخلا
لقد عذَّبْتني، وأَصبتَ فيهلأَنّ الحبّ بالتعذيب أَحلى
لقد نصحت دعاوى العشق قوماًيظنّون البَلا في الحبِّ سهلا
فواحدُهم يَلَذُّ له زماناًويطمع أَن يرى أَمناً وعدلا
إِذا ابتسم الوِصال يهيم عِشقاًوإِن عَبَس الصّدودُ سلا ومَلاّ
وشرطُ العِشق أَن تبقى أَسيراًوتجعلَ حُبَّهم قَيْداً وغُلاّ
فيا دهرُ ارتدِع عني وإِلاّستلقى من مُعين الدين نَصْلا
فتى إِن زُرْتَه أَلفيتَ عزماًيدافع من كُروب الدّهر ثِقْلا
وتلقى للخطوب حِمىً مَنيعاًوتُبصر جانباً للهْو سَهلا
فآلاءُ المكارم منك تَتْرىوآيات المحامد فيك تُتْلى
مدحتك لا لأَجلِ يسيرِ حَظٍولكن مطلبي أَوفى وأَغلى
أُؤَمِّلُ همةً لك أَمتطيهاوأَبلغ في خفارتها المَحَلاّ
فَتنْعَشُ قوةً وتُزيلُ هَمّاًوتُحيي مَيِّتاً وَتَرُبُّ شَمْلا
وأنشدني لنفسه:
الصَّفْوُ من ماءِ العِنَبْيا صاح أَحلى ما شُرِبْ
راحٌ تُريك بمَزْجهافي الكأْس سِلسلة الذهب
طُبِخَتْ بنار الدّهر لانارِ التَّضَرُّم واللَّهبْ
لا يَمْنَعَنَّكَ شُرْبَهاشهرُ المحرَّم أَو رجب
وانهب زمانك إِنهلِشباب عمرك يَنْتَهب
وأنشدني لنفسه:
أَصوغ الحُلى في كلِّ يومٍ وليلةٍوأُتْعِبُ منّي في صياغتها النَّفْسا
ولو مُتُّ ضَرّاً ما عَقدْتُ قِلادةًعلى جيدِ مَنْ لا يستحقُّ لها لُبْسا
وأنشدني أيضاً لنفسه بمصر:
صَيْدُ السرور أَجلُّ في المعقولِ منْ صَيْد الطُّيور
كم بين حَملك للكؤوس وبين حملك للصُّقور
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع