من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو الرِّضا عبد الواحد بن الفرج بن النوت المعري
كان في زمن بني كلاب، وسمعت أنه توفي في سنة ثمانين وأربعمائة، وكان مغفّلاً، ولكنه كان ببديهته على الأدباء مفضَّلاً، ومن جملة بديهته أنَّ مُعزّ الدولة الكِلابي صاحب حلب عبر في جيشه بالمعرَّة، وابن النوت واقفٌ في حقلٍ له فخاف على زرعه فتلقّاه ووقف في طريقه وأنشده:
الشمسُ تشرقُ من خلال الموكبأم بدرُ تِمٍّ طالعٌ في غَيْهَبِ
هذا مُعزُّ الدولة الملكُ الذيعُقِدَ اللواءُ له بأعلى كوكب
في البحر أعهَدُ مَركباً من تحتناوأراه بحراً فوق هذا المركب
فقال له مُعزّ الدولة: تمنَّ، فقال: أتمنّى أن لا يجول عسكرك في زرعي، فحماه له.
وجلس معز الدولة على قُوَيق، زمان المدِّ وخيَّمَ به وذكرَ ابنَ النوتِ وبديهته فنفّذ في طلبه فأُحضر على البريد فلما رآه على شاطئ النهر قال بديهاً:
رأيتُ قُوَيقاً إذ تجاوزَ حدَّهله زجلٌ في جريه وضجيجُ
وكان ثمال جالساً بشَفيرِهفشبَّهتُه بحراً لديه خليجُ
فقال له معزّ الدولة: قد زعم الشعراء الحلبيون أنَّ هذا ليس بشعرك، وكان فيهم ابن سِنان الخفاجيّ، فإن قلت بديهة أعطيتُكَ جائزتهم كلّهم، ثم نظر إلى غرابين على نشَزٍ فقال: قل فيهما: فقال:
يا غرابين أنتما سببُ البيْنِ فكيف اجتمعتما في مكان
إنَّما قد وقفتما في خُلُوٍّلفراق الأحباب تشْتَوِران
فاحذرا أن تُفرِّقا بين إلفَيْنِ فما تدريان ما تلقيان
وقال وقد عبر على دارٍ قديمة تُنقَض وأحجارُها تُقلع والمعاول فيها تعمل:
عبرْتُ برِيعٍ من سِياث فراعنيبه زجل الأحجار تحت المعاولِ
تناولَها عَبلُ الذِّراعِ كأنَّمارمى الدَّهرُ فيما بينها حربَ وائل
فقلت له: شُلَّتْ يمينُكَ، خَلِّهالمُعتبِرٍ أو زاهدٍ أو مسائل
منازلُ قومٍ حدَّثتنا حديثَهمولم أَرَ أحلى من حديث المنازل
وقال أبو الرضا ابن النوت:
نَسري فيبدو من نعال جِيادِناقبَسٌ يضيءُ الليلَ وهو بهيمُ
فكأنَّ مُبيَضَّ النعال أَهِلَّةٌوكأنَّ مُحمرَّ الشرار رُجومُ
وكتب إليَّ القاضي أبو اليسر الكاتب من شعر ابن النوت قصيدة في مرثية أبي العلاء المعرِّيّ منها:
سُمْرُ الرِّماحِ وبِيضُ الهندِ تَشْتَوِرُفي أخذ ثأرِكَ والأقدارُ تعتذرُ
والدَّهرُ فاقدُ أهل العلم قاطبةًفإنهم بك في ذا القبر قد قُبِروا
فهل ترى بك دار العلم عالمَةًأنْ قد تزعزعَ منها الحِجرُ والحَجَرُ
العلم بعدكَ غِمْدٌ فات مُنْصلُهوالفهمُ بعدك قوسٌ ما لها وتَرُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع