من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو العلاء بن أبي النَّدى بن عمرو المعرّيّ
وقيل ابن جعفر اشتغل صغيراً بالفقه، وكان في الذكاء عديم الشبه، وهو في المدرسة الحنفية النوريّة بحلب عند العلاء الغزنوي، سمْح البديهة والروِيَّة، صحيح الرَّويّ، شاعر فقيه مجيد، وحيد فريد، غدرَ به عمره، وطوي نَشْره، وغيَّضَ فيضَه قبرُه، ونضبَ عند تموُّجِ عُبابه بحرُه، وذلك في سنة نيّفٍ وخمسين وخمسمائة، وله حدود خمس وعشرين سنة، ولو عاش لكان آية، فلم يُبقِ في علم من العلوم غاية، أنشدني له أبو غانم بن عبد الواحد بن حياة المعري من قصيدة له في الأمير السيد بهاء الدين الشريف:
مِنْ أينَ كانَ لكُنَّ يا حَدَقَ المَهاعلمٌ بنَفْثِ السِّحْرِ في عُقَدِ النُّهى
أمْ مَنْ أعارَ البانَ في مُهَجِ الورىفتكاً فأصبح بالقَنا مُتَشَبِّها
من كلِّ مَيّادِ القوامِ مُنَعَّمٍيختالُ في سُكْرِ الشَّباب ويُزْدَهَى
واهي الجُفون فلو تكفَّلَ جَفنُهُفِعلَ الصَّوارمِ لاستقلَّ وما وهى
يبدو بوجه كلَّما قابلتَهُأهدى إليك من المحاسن أوجُها
كالفضَّةِ البيضاءِ إلاّ أنَّهُ يلقاكَ من ذهَب الحياءِ مموَّها
فله على القمر المنير فضيلةٌكفضيلة القمر المنير على السُّها
جَمُّ البهاء كأنَّما جُمِعَت لهتلك الصفاتُ الغُرُّ من شِيَمِ البها
البدرُ يَقصُرُ أنْ أُقايسَه بهوالشمسُ تَصغُرُ أن أشبِّهَه بها
وظلمت شامِخَ مجده إنْ جئتهعند المديح ممثِّلاً ومُشَبِّها
ومنها:
أنتم، بني الزَّهراءِ، أهلُ الحُجَّة الزَّهْراءِ إنْ فطنَ المُجاورُ أوْ سَها
فإلامَ يُجحَدُ في البريَّةِ حَقُّكُمْقد آنَ للوَسنانِ أنْ يتنبَّها
صُنتُم ببذل عُروضِكُم أعراضَكُموصيانة الأعراض في بذل اللُّها
ماذا أقولُ وما لِوصفِ عُلاكُمُحَدٌّ ولا لِنُهاكُمُ مِنْ مُنتهى
منكم سَنا الشَّرف المُبينُ جميعُهوإلى بهاء الدينِ بعدَكُمُ انتهى
وأنشدني له سعيد بن عبد الواحد بن حياة:
لا غَرْوَ إنْ كان مَنْ دوني يفوزُ بكموأنثني عنكُمُ بالويلِ والحَرَبِ
يُدنى الأراكُ فيُمسي وهو مُلتثِمٌثغرَ الفتاةِ ويُلقى العودُ باللَّهَب
وأنشدني له في المِروحة:
وقابضةٍ بعِنان النسيمتصرِّفُه كيف شاءت هُبوبا
فمن حيث شاءت أهَبَّتْ صباًومن حيث شاءت أهبَّت جَنوبا
تُضَمَّخُ بالطيبِ أردانُهافتُهدي لمُلبسها الطّيبَ طِيبا
إذا أقبل القَرُّ كانت عدوّاًوإن أقبل القيظُ صارت حبيبا
وقوله أيضاً في وصف غلام ينظر في مرآة:
روحي الفداءُ لساجي الطرف ساحرِهتَحار في وصفه الألبابُ والفِكَرُ
يُرَنِّحُ التّيهُ قدّاً منه مُعتَدِلاًكالغُصنِ ما شانه طولٌ ولا قِصَرُ
بدا لنا فازدهانا حسْنُ صورتهحتى امترَيْنا لها في أنه بشَرُ
وقابلَتْ وجهَهُ مِرآتُه فبدَتْكأنَّها هالةٌ في وسْطِها قمر
وقوله:
وإنّي وإنْ وطَّنْتُ نفسي على النَّوىوكانت بأذيال المُنى تتعلَّقُ
لَتَعتادُني من ذِكْرِ ليلى وساوِسٌتكاد لها نفسي على النأي تزْهَقُ
أُظَنُّ لإظهار التَّجَلُّدِ سالياًوفي كبدي نارٌ من الحبِّ تحرُقُ
أَساكِنَةَ الزَّوراءِ رِفقاً بهائمٍشآمٍ، له قلبٌ مع الحبِّ مُعرِقُ
حشاه على بُعدِ المَزار مُدَلَّهٌخَفوقٌ، ومَسعاهُ لقربِكَ مُخفِقُ
خُذي قلبَهُ رَهناً ورُدِّي له الكَرىلعلَّ خيالاً منكَ في النوم يَطرُقُ
فواعجبا للطّيفِ ليس بواصلٍإلى الجَفْنِ إلاّ وهو وَسْنان مُطبَق
يَصدُّ إذا الأبواب تُفتَحُ دونَهُويَقرُبُ منها شخصُه حين تُغلَق
وما ذاك دأبُ الزّائرينَ وإنّمازيارتُه للصّبِّ فَقْدٌ مُنَمَّق
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع