من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
حَمَاد الخرّاط
هو حماد بن منصور البُزاعيّ وبِزاعا بين حلب ومنبج، ليس بالشام في عصرنا هذا مثله رِقّةَ شِعرٍ وسلاسةَ نظمٍ، وسهولة عبارة ولفظ، ولطافة معنى، وحلاوة مَغزى، بأُسلوبٍ سالبٍ للُّبِّ، خالبٍ للخِلْبِ، وصنعةٍ عاريةٍ من التكلُّف، نائيةٍ من التعسُّف، تترنَّح له أعطاف السامعين، وتُنبِع رِقَّته في رياض اللطف الماء المَعين،. لمّا كنت بحلب وعند تردّدي إليها في عهد نور الدين، سقى الله ثراه عِهاد الرحمة مازلت أسمع من شعره ما يزيدني طرَباً، ويفيدني عُجْباً به وعَجَبا.
ومن جملة ما علقته من شعر حماد، وهو يُحيي كلَّ جماد، قوله:
مَنْ لعليل الفؤاد مَحزونِمُتيَّمٍ بالمِلاحِ مَفتون
نافسَ مجنونَ عامرٍ بهوىًيُعَدُّ فيه بألف مجنون
غرَّر بالنفس في هوى قمرٍبائعها فيه غير مغبون
لَدْنِ مَهَزِّ الأعطاف يخطِر كالْقضيب في دِقةٍ وفي لين
جوّال عقد النِّطاقِ يجذبهنقاً، نبا عن أديم يَبرين
يكسر بالوعد لي ممرَّضَةًتميتُني تارةً وتُحييني
كأنما شامَ من لواحظهاغِرارَ صافي المَتْنَينِ مَسنون
يأمنُ قلبي على هواهُ وإنْكان على القلب غيرَ مأْمون
أقولُ للنفسِ إذ تَعَزَّزُ بالْجمال عِزِّي إن شئتِ أو هوني
لا صبرَ لا صبر عن محبَّة مَنْأُطيعه في الهوى ويَعصيني
يُسخطُني بالجفا فأَلحَظُ مِنْسُخطي رِضاه به فيُرضيني
وله:
أما أنْباكَ طيفُك إذْ أَلَمّابأَني لم أَذُقْ للنوم طَعما
تؤَرِّقُني وتبعثُ لي خيالاًلقد أوسعتَ بالإنصاف ظُلما
ولم تسمحْ به سِنةٌ ولكنْيمثّله لقلبي الشَّوْقُ وَهما
فدَتْكَ النَّفسُ كم هذا التجنّيوفيمَ تصُدُّ مُجتنباً ومِمّا
وحَقِّ هواك ما أذنبتُ ذنباًفتهجُرَني، ولا أجرمتُ جُرما
ألا يا مالكي في الحبّ عِشْقاًحكمتَ فمن يردّ عليك حُكما
أذَلَّني الهوى لك بعد عِزّيوقادَتْني لك الأشواق رغْما
فلا واللهِ ما أضمرتُ صبراًولا والله ما أزمعت صُرْما
ولا راجعتُ في الهِجران رَأْيَاًولا أَمْضَيْتُ في السُّلوان عَزْمَا
لِعَيْنِكَ ما أسأل العينَ دمعاًوجسمِك ما أذاب الجسمَ سُقْما
وله:
أفي اليوم يا بَيْنَ الحبيبِ أمِ الغدِيُحَقُّ وعيدي أم يُقَرَّب مَوْعِدي
أرى عِيسَ مَن أهواهُ تُحْدَج للنَّوىبعينِ ضعيف الصبر واهي التجَلُّدِ
فيا لفؤادي من غرامٍ مُجَمَّعٍويا لَجفوني من مَنامٍ مُبَدَّدِ
ومهزوزةِ الأعطاف مال بها الهوىإليَّ مَميلَ الريحِ بالغصنِ النَّدي
تُوَدِّعني والطَّرْفُ للطَّرْف باذِلٌلطائفَ لم تسمح بها اليدُ لليدِ
تقولُ وسِلْكُ الدمعِ ينثرُه البُكاعلى صَحْنِ مَطلولِ الأديم مُوَرَّد
وقد زَحزحتْ ياقوتَتَيْن أضَلَّتاشَتيتَ أَقاحٍ كالجُمانِ المُنَضَّد
تَوَقَّ بعهدي وارْعَهُ إنها نوىًلها أمَدٌ في جَرْيِها وكأنْ قَدِ
فللهِ ما قالتْ وولَّتْ لو أنَّهيَبُلُّ ويَشْفي غُلَّةَ الهائم الصَّدِي
قفي واسْعدينا يا سُعاد ونَوِّليقليلاً وإنْ لم يُجْدِ نفعاً وزوِّدي
وله:
توَلَّعي يا نَسَمَاتِ نَجْدِبالشِّيحِ في ذاك الحِمى والرَّنْدِ
لعلّ رَيّاكِ إذا ما نَفَحَتْتعودُ حَرَّ لَوْعَتي ببَرْد
أصبو إلى ريح الصبا لو أنهاتُهدي حديث الحيِّ فيما تُهْدي
أسألُها هل صافحتْ مَواقِفاًأَوَدُّ لو صافحتُها بخَدّي
أشتاق تقبيلَ ثَراها كلّماهاجَ اشتياقي واستطار وَجْدِي
أَستودِعُ اللهَ بها قلبي فقدطال به بعد الفِراق عَهْدِي
كان معي قبلَ رحيلي عنهمُثم رحلتُ وأقام بعدي
يا قمري متى تلوحُ طالعاًتُطْفي بماءِ الوَصْلِ نارَ الصَّدِّ
لَهْفِي على زمانِ قُرْبٍ ما وفىبما أُلاقي من زمانِ البُعدِ
أبكي ويبكي رحمةً لي مَعْشَرٌما عندهم منَ الهوى ما عندي
تجَمَّعوا فيكَ على الحبِّ معيلكنني كنتُ المُعَنَّى وَحْدِي
ويلاهُ من شوقٍ تبيتُ نارُهتَشُبُّ بين أَضْلُعي وجِلْدي
ومن غليلٍ في الفؤادِ كلّماذكرتُ في حُبِّك صَفْوَ وِرْدي
يا بَيْنُ أنجزتَ وعيدي فمتىتُنجِزُ أيام اللقاءِ وَعْدِي
ولائمٍ عنَّفني وما درىأنّ ضلالي في هواك رُشْدي
قلتُ له دعني فلا وحقِّهلا حُلْتُ عن نُصحي له وودّي
أول من نظم على هذا الأسلوب ابن المعلم من بلد واسط في كلمته التي أولها:
تنَبَّهي يا عَذَبَاتِ الرَّنْدِكم ذا الكرى هَبَّ نسيمُ نجدِ
وقد أوردتُ ذلك في أشعار الواسطيّين.
وقال حمّاد الخراط:
تذكَّر بالحمى عهداً فحنّاوأظهر من هواه ما أجنّا
ولاح له على هضَبات نجدٍبريقٌ يخطَفُ الأبصار وهْنا
تعرَّضَ والعواذل هاجعاتٌولم يطْرُق له التغميضُ جَفنا
فأنَّ صبابةً ولو أنَّ رضوىتحمَّلَ بعضَ لوعته لأنّا
أهاتفةَ الأراكِ بكَيتِ شَجْواًلِوَشْكِ البين أم رجَّعْتِ لحنا
دعيني والبكاءَ فلستِ منّيوإن هَيَّجْتِ لي شوقاً وحُزنا
وما مَن ناحَ عن ثكلٍ وفَقدٍكمن أوفى على فنَنٍ فغنّى
كلانا يا حمامةُ، حينَ تَبلىسرائرُ حبِّه، الصَبُّ المُعَنّى
نسيمَ الريحِ هل راوَحْتَ سهلاًلذاكَ الجَوِّ أم غاديْتَ حَزْنا
أعِدْ نفحاتِ أنفاسِ الخُزامىلتنشُرَ ما طواه البينُ عنّا
منىً ليَ أن أَسُفَّ شذاهُ غَضّاًلو انَّ المرءَ يُدرِكُ ما تمنّى
وأن أُحْبى بِرَيّا البان إمّاترنَّحَ في هبوبك أو تثنّى
بحقِّكِ هل مسحتِ كثيبَ رملٍعلى العلَمَيْن أم جاذَبْتَ غُصنا
ألا لله أيّامٌ تقضَّتْبه ما كان أعذبَها وأهنا
أراني كلّما أبديتُ فنّاًمن الذِّكرى أجَدَّ لشوقُ فَنّا
سقى تلكَ العهودَ عِهادُ دَمْعٍيجودُ لها إذا ما الغيثُ ضَنّا
وقال:
بدْرٌ بدا للعيونِ تَرمُقُهيرشُقها لحظُه وترشِقُه
طالعَنا والقلوبُ مغربُهُعَلاقةً والجيوبُ مَشرِقُه
تيَّمني شكلُه وقامتُهوصادني قُرطُه وقَرْطَقُه
ثناه دَلُّ الصِّبا فأَرَّقَنيقضيبُ بانٍ يهتزُّ مُورِقُه
يشكو كما أشتكي مؤَزَّرُهإذا تلوّى به مُمَنْطَقُه
يفترُّ عن لؤلؤٍ يُنظِّمُهلناظري ثغرُه ومَنطِقُه
أقولُ والقلبُ مُغرمٌ بهوىًتلذعُه نارُه وتَحرقُه
مولاي مولايَ ذا الأسير أماتَفُكُّه بالرِّضى وتُطلِقُه
وإنَّه العبدُ ليس يملكُهغيرُ رحيمٍ، بالوصل يعتقُه
يا باخلاً ما يكادُ يسمحُ للصّبِّ ولا بالخيال يطرقه
لا روَّع الله مَن يُرَوِّع بالصّدود قلبي عمداً ويُقلقه
وأصلحَ الله غادراً أبداًيكذبُني في الهوى وأصْدُقُه
وقال:
فديْتُ بدراً في القلب مطلعُهيسير فيه وليس يقطعُه
أنزله الحُبُّ منه مَنزلةًزعزعَ منه ما لا يزعزعُه
ما ضرَّه، لا عدِمْتُ سطوتَهلو رقَّ ممّا ينال موضعه
ضنَّ ببعض الرِّضى على كَلِفٍلولا هواه المصون أجمَعُه
مولاي أسرفتَ في تحَيُّن مَنيعطيكَ ما عنده وتمنعه
شفيعُه ذلُّه إليك إذاأعزَّكَ الحُسْنُ لو تُشَفِّعُه
أما ترى ما تقولُ شاكيةًإليكَ أنفاسُه وأدمعُه
حسبُك بادي شحوبه خَبَراًعن بعض ما تحتويه أضلعُه
بالله راجعْ جميلَ رأيكَ فيوِداد خِلٍّ إليكَ مرجعُه
ولا تُضِعْ عهدَ ذي محافظةٍفأظلمُ الناس مَن يضيِّعُه
وقال:
ألا هل لماضي العيشِ عندكِ مرجِعوهل فيه بعد اليأس للصَّبِّ مطمَعُ
لقد أُولِعَتْ بالصَّدِّ عنّي وإنَّنيلفُرقتها، ما عشتُ، بالوجْدِ مُولَعُ
أُضاحِكُ حُسّادي فيغلبُني البُكاوأكتُم عُوّادي وإنّي لمُوجَع
إذا خطرت من ذكرها ليَ خطْرَةٌتكاد لها أنياطُ قلبي تقطَّع
وقال:
عاقرَني لحْظُ عينِه السِّحْراحتّى تطفَّحْتُ بالهوى سُكْرا
ومال نشوانَ غيرَ مُحتشِمٍوالرّاحُ قد سوَّلَتْ له أمرا
فملتُ حتّى الصّباح معتنِقاًمنه قضيباً، مقبِّلاً بَدرا
إذا تناولْتُ من مراشِفِهكأْساً سقاني بلحظِه أُخرى
كان وِصالي نَذراً عليه فقدجادَ ووفّى، فديْتُه، النَّذْرا
يا مَن دعاني إلى الغرام بهلبَّيكَ أَلْفاً في الحبِّ لا عَشرا
جئتُكَ طَوعاً فاعصِ المَلامَ وصِلْفيه بنا الوصلَ واهجَرِ الهَجرا
ليتكِ يا ليلةَ السّرور بهبُدِّلْتِ في كلِّ ساعةٍ دهرا
وباخِلٍ جادتِ المُدام بهفبِتُّ أُولي مذمومَها شُكرا
لمّا أباحتْ سُلافَ رَبقتِهوصرَّفَتْني في صِرفها جَهرا
غنَّيْتُ أُدني لوائمي طرباًحَلَّت ليَ الخمرُ فاسقني الخمرا
زِدْ، عَمرَك الله، من مُجاجتهاولا تراقب زَيداً ولا عَمرا
طالعْ معي دَنَّها تَجِدْ عجباًليلةَ بينٍ قد أطلعَتْ فجرا
وابتدرَتْ للغروب أنجمُهانحو فُرادى بدُورِنا تَتْرى
يا حبَّذا والكؤوسُ دائرةٌأجسامُ ثلجٍ تقاذفَتْ جَمرا
ترى اليواقيتَ من مُشَعْشَعِهاقد كُلِّلَتْ من حَبابها شَذْرا
فاشرب على مَن تُحِبُّ مِن زَهَرِ الْحُسْنِ وناوِلْ أحبابَكَ الزَّهرا
واعْتَضْ عن الوَرد وَجْنَةً وعنِ الْمِسْكِ لِثاثٍ تضوَّعَتْ نَشرا
هاكَ بديلاً عن كلِّ نَرجِسَةٍعيناً وعن أُقحوانةٍ ثَغرا
فالعمْرُ يوماً إذا ظفِرْتَ بهفلا تُضَيِّعْ بتركِه العُمرا
نِعمَ شعارُ الفتى السّرور فإنْعدِمتَه فانتجِعْ له الشِّعرى
واستمطرِ الجودَ من أبي الحَسَنِ الْماجد واسأَلْ سماءَه القَطرا
يغشاكَ بحرٌ إذا تبجَّسَ بالنّوالِ والبِرِّ أخجلَ البحرا
إيه عليّاً شِدِ العلاءَ بماتحوي به في زمانك الفخرا
وانهضْ إلى المجد نهضةً تثمِرُ الْحَمدَ وتُبقي الثّناءَ والذِّكْرا
فلا ترعْكَ الصِّعابُ واسْعَ لهابجِدِّ عزمٍ يُسَهِّلُ الوَعرا
فربَّ ذي همَّةٍ ينال بهاعلى ثنائي مَنالةَ اليُسرا
وما المعالي وَقفٌ على وَرِمٍيَعقِدُ للتّيه أنفَه كِبرا
بشرى لعبدٍ يلقاكَ عائدهبوجه سَفرٍ منوّرٍ بِشرا
عَرفُكَ أزكى وأنت أطهرُ أخْلاقاً وأعلى بينَ الورى قَدرا
تهَنَّ واسلَمْ وابسط لشاكرِكَ الْمُقِرِّ بالعجز دونه العُذرا
وله:
ما لثناياكَ وللخمروما لأجفانكَ والسِّحْر
تريدُ أنْ تقتلَني كان ماتريدُ أو تبلُغَ بي شكري
يكفيك أنّي من ضلال الهوىلا أعرف العرفَ من النُّكْر
ليتَك تدري أنّني بالذيينال قلبي منك لا أدري
عوَّدْتني الصَّبرَ، وصدقُ الهوىيحكم بالتسليم والصّبر
وها أنا أحملُ ثِقلَ الهوىفيكَ على المَقصوف من ظهري
أُقسم يا مولاي حقّاً بمَنملَّكَ سلطان الهوى أمري
لم ترَ أبهى منك عيني ولاأسكنتُ أحلى منك في صدري
فدَيْتُ من لو قابل البدرَ فيتمامه أوفى على البدر
ولو مشى والغصنَ في روضةٍكان على قامته يُزري
مُرْتَدَفُ الرِّدْفِ إذا ما انْثَنَتْأعطافُه، مختصَرُ الخصر
وله:
فدَيتُ أميراً له حاجِبٌيُفَوِّقُ عن قوسه أسهُما
يصيدُ النّفوسَ إذا ما رَناويُصمي القلوبَ إذا ما رمى
أغارَ على سَرْحِ ألبابِنافصيَّره للهوى مغنَما
إذا هزَّ من قدِّه صَعْدَةًوأشْرع من لحظه لَهْذَما
دعوتُ الأمانَ، ومَنْ لي بهإذا جيشُ بهجته صَمّما
تعلَّقْتُه من بني التُّركِ لايَرِقُّ لتَركي به مُغرَما
خلعتُ عِذارِيَ في حبِّهفلستُ أُبالي بمَن أو بما
فمالي أُجَمْجِمُ زُورَ الحديثووَيلي على رَشف ذاك اللَّمى
فما ذقتُ لا وحياة الحبيبألذَّ وأعذب منه فما
إذا ما تأَمَّلْتَني باكياًفقل قد تذكرُه مَبسِما
ومثَّل باردَ ذاكَ الرُّضابعلى ما به نحوه من ظما
أيا قمرَ الأرض أخجلتَ فيتمامكَ والحسنِ بدرَ السّما
وأشبهْتَه في النّوى والبعادفقل أهيمُ بمَن منكما
وله:
مرحباً مرحباً بوجْهِكَ يا بدْرُ مرحبا
ما أَلذَّ العذاب فيكَ وأحلى وأَعذبا
إنَّ لي في هواك ياقمرَ الأرض مذهَبا
أشتهي أنْ أُلامَ فيكَ وأُلْحَى وأُعْتَبا
ليَرُدَّ اسمَكَ العَذولُ إليَّ المُحبَّبا
يا قضيباً تهزُّهنشوةُ الدَّلِّ والصِبا
كلّما ماسَ في الغِلالة واهتزَّ في القِبا
استُخِفَّتْ له القلوبُ وحُلَّتْ له الحُبا
وله:
اللهُ للجائرينَ جارُأين استقلّوا وأين ساروا
لا أَوْحشَتْ منهمُ المغانيولا خلتْ منهمُ الديارُ
قومٌ بعُدْنا على التّدانيمنهم فلم ينفعِ المَزار
فِداهُمُ قلبيَ المُعَنّىبهم وأحشائيَ الحِرار
وظالمٍ ليس لي عليهبحكم عِشقي له انتصارُ
ما لأَميرٍ سوى هَواهُعلى قلوب الهوى اقتِدارُ
وله:
يا لَقلبي لِمَريضٍفي الهوى ليس يُعادُ
وقتيلٍ بالعيونِ النُّجْلِ فيه لا يُقاد
يا مُرادَ النّفس لو تمُّ لِمَعشوقٍ مُرادُ
في سبيل الحب بذلُ النَّفس فيكم والجِهادُ
صادني منكم غزالٌنافرٌ ليس يُصادُ
بين أحشائي له مرْعىً فسيحٌ ومَراد
دارَه القلبُ على النّأيِ ومأْواهُ الفؤادُ
وله الحبُّ على ماكان منه والوِدادُ
لا تقولوا لي تقاضاهُ دُنُوٌّ أو بِعادُ
كلُّ حسْنٍ وهَوىً منهُ ومنِّي مُستَفاد
فمتى أصحو وغَيُّ الْحُبِّ في عيني رشاد
وسماع اللَّوم قدْحٌوهوى النَّفس زِنادُ
هذه وَقدَةُ نارٍما لأقصاها رماد
وله:
نَمْ هنيئاً لكَ محبوبُ الكرىإنَّ طرفي فيك يهوى السَّهَرا
حبَّذا يا بدرُ ليلٌ بِتُّهفيك حتى الصبح أرعى القمرا
طالَ بالهجر وقد كان الذيأشتكي في الوصل منه القِصَرا
ليلُ يا ليلُ فقدْنا جُملةًأنا محبوبي وأنت السَّحَرا
فعسى تأْخُذُ أَو آخُذُ عنذاك أو هذا بحقٍّ خبَرا
عجباً لي أتركُ العينَ، وقدعزمَ البينُ، وأقفو الأثَرا
بيدي أطلقتُ قلبي من يديحيثُ لم أسْرِ بجسمي إذْ سَرى
أَتَّقي الغَيرانَ في صحبتهوأُحاشى درَكاً أو خَطَرا
كذَبَتْكَ النَّفسُ ما العاشِقُ مَنْيتحامى في هواه الضَّررا
ينظرُ الآراءَ مختاراً وهلصدقَ الحبُّ فأبقى نظرا
يَطرُقُ الشّهرةَ في الحبِّ وما الْتَذَّ صَبٌّ لمْ يرُحْ مُشتهِرا
وعلى رِسلِكَ في كتمانهإنَّ ما أَخفيتَهُ قد ظهرا
وله من أُخرى:
صافِحْ بصدرِ العيسِ صدرَ النهارْوانهضْ مع الشمسِ لشمسِ العُقارْ
حَيِّ بها وجهَ الربيع الذيمن جوهر الزَّهْر عليه نِثار
وقال:
يا قمري تَعْلَمُ مَنأصبحَ فيكَ مُمْتَحَنْ
يا صَنَمَ الحُسْن ومانُصِبَتْ إلاّ للفِتن
فانعكفتْ منك القلوبُ في الهوى على وَثَن
يا قوتَ نَفسٍ شَرِبَتْأشجانَها مع اللبَنْ
يا مُلبسي ثوبَ الضَّناوسالبي طِيبَ الوَسَنْ
يا حَسَنَ الوجهِ الذييدينُ بالفِعل الحَسَن
يَفديك عَبدٌ طائعٌمُلِّكْتَه بلا ثمن
وحَقِّ مَن أسكن فيقلبي هَواك فَسَكَن
لا حُلتُ عن حُسن الوفاما صَحِبَتْ رُوحي البدن
وله من أبيات شائقة رائقة يُغَنَّى بها:
لا تَتْعَبِ العواذِلُفالحُبُّ شُغْلٌ شاغِلُ
باطلُه حَقٌّ وحقُّ الناصحين باطل
يا مَوْقِفاً غالت بهألبابَنا الغوائل
كيف النجاةُ منه والناصِرُ فيه الخاذل
أشكل من أين أصبت بينه الشَّواكِل
كلُّ العيون أَسْهُمٌوكلُّها مَقاتِل
وكلُّ عِطفٍ كَرْمةٌوكلُّ طَرْفٍ بابل
فكيف يصحو أو يُفيق ثَمِلٌ أو ذاهل
ما تفعل الشَّمول ماتفعله الشّمائل
يَهُزُّها من القدودِ الأَسَلُ النّواهل
أَعْدَلُها أَجْوَرُهاوالمستقيمُ المائلُ
يا قانصَ الظِّباء فيأعينِها الحبائل
وبين كلِّ لحظتيْن سائفٌ ونابل
تَوَقَّ يا مخدوعُ في الغِزلان مَن تُغازِل
من تَبِعَ الصيدَ دهاهُ الصيدُ وهو غافل
إن الأسود هذه الضعائفُ المَطافِل
يصرَعْن أرشاقاً وهُنَّ الشُّرَّدُ الجَوافِل
يرمينَنا عن نفثاتٍ سمُّهنَّ قاتل
وله:
تكلَّمَ بالأَدْمُعِوقال فلم تَسْمَعي
شكا بالبُكا لو رَحِمْتِ شكوى فتىً مُوجَع
ودلَّ بماءِ الجفونعلى النار في الأضلُع
وأشفَق يوم النَّوىعلى سِرِّه المُودِع
فأومضَ باللَّحظ ثمَّ عضَّ على الأصبع
يقول علامَ عَزَمْتِفَدَيْتُكِ، أن تصنعي
أليس لهذا المغيب يا شمسُ من مَطْلَع
ولا لذهاب القرار والنومِ من مَرْجِع
ويا عَيْنُ قد أزمع اصطباري مع المُزْمِع
وأسرع قلبي الرحيلَمع الراحلِ المُشْرِع
فهل لك أن ترقُديوهل لك أن تهجَعي
عسى لطُروق الخيالطريقٌ على مَضْجَعي
يُعلّلني بالدواءوإن كان لم يَنْجَع
ويُقنعه خادعاًبما ليس بالمُقنِع
إذا أُولِعَ اليَأْسُ بيفَزِعْتُ إلى المَطْمَع
وقلتُ لنفسي خذيعُلالته أو دعي
وله:
صدقَ الحُبُّ لستَ لي بصديقِفالْهُ عني وخَلِّني وطريقي
أيها النائم الذي ماله عِلْمٌ إذا نام كيف ليلُ المَشوق
إنّ برِّي، والوجْد مالِكُ أمريبالهوى، بالمَلام عَيْنُ العُقوق
ولَغِشُّ المُريدِ لي السوءَ بالإغراءِ فيه كِفاءُ نُصْح الشفيق
ضِلَّةً ما اهتديتُ والليلُ داجٍدون صَحْبِي إلى اشتيامِ البروق
وتعرَّضتُ للنسيم عسى أُبْرِدُ قلباً من لوعتي في حريق
وعقيقُ الدموعِ ينثُرُه نَظْمُ بُكائي على ظِباء العقيق
يا رَفيقي وقد تفَرَّدْتُ في نَهْجِ وَلوعي ما أنت لي برفيق
تَتَأَنَّى إفاقتي ومنَ الصَّحْوِ رَواحي سَكْرَانَ غيرَ مُفيقِ
أَتَرَى، أم قذىً بعَيْنَيك، ما هاج غرامي يوم افتراقِ الفريق
من بُدورٍ تطلَّعت لمغيبٍوشموسٍ تولَّعَتْ بشروق
ما علِمنا مغارِباً قبل يوم البَيْن تسْتَنُّ في غَوارِب نُوق
قَرُبَتْ والمَرامُ غيرُ قريبٍوَنَأَت والغرام غير سحيق
وأعادتْ تَعِلَّةً بدأ الطَّيفُ بها أَمْسِ في طريق الطُّروق
يوم ردَّتْ على الكرى جَفْنَ عينيعِدَةٌ ليس عهدُها بوثيق
لاحَ فيها الخليقُ لي بوَفاءٍتحت جُنْحِ الظلام غيرَ خَليق
زَوْرَةٌ كان زُورُها، وأبي الصبْوَة، أحلى عندي من التحقيق
أثرٌ ردَّ لي على اليأْس عَيْنَاًفاتني لحظُ حُسنِها المَوْموق
مِن حبيبٍ وافٍ وخِلٍّ مُصافٍووصالٍ شافٍ وعيشٍ أنيق
تحت ظلٍّ من النعيم ظَليلٍفوق غُصن من الشباب وَريق
وقال:
مُوسى هواكمْ بجانب الطُّورِيسعى بقلبٍ في الحُبِّ مكسورِ
حَيْرَانَ في ظُلمة الجفاء فهلنارُ انعطافٍ تُدْنيه من نور
فبادروه ببَدْرِ ضاحيةٍمن طُرَّتَيْه في شَكْلِ دَيْجُور
نادوه لطفاً بعبدِ ودِّكُمُسِرَّاً وناجوه بالمَعاذير
ما الشان أنّا على محبّتنالم نَخْلُ من هاجرٍ ومهجورٍ
نهجُ سبيلٍ يسعى الوشاةُ بهلصفوِ لَذّاتنا بتكدير
قولوا لفرعونِ تيهِ ظالِمتيما مثلُ عِشقي لها بمَكْفور
قد شاع في الناس أنني كَلِفٌبذاتِ لحظٍ كالسيف مَشهور
فُتورُ أجفانها المِراضِ جَنىتمَرُّضي في الهوى وتَفْتيري
بَكَتْ لِتَبْرا من ظُلْمِ مُقلَتِهاإليّ والدمعُ شاهدُ الزُّور
غداةَ قامت بصورةٍ هي أُنموذَجُ مُستحسَنِ التَّصاوير
بغُصنِ قَدٍّ وحِقْفٍ رادِفَةٍنيطت إليه بخَصْر زُنْبور
زَنَّرَ مَجْرَى نِطاقها هَيَفٌنُزِّه عن مَعْقِدِ الزَّنانير
بيضاء شفّافة الأديم كماغَشَّيْتَ ياقوتَةً ببَلُّور
ذات جبينٍ تَحُفُّه طُرَرٌعَنْبَرُها مُحدِقٌ بكافور
لو أنّ بستان وجهِها الجامع الأفنان حُسناً بغير ناطور
داويتُ دائي بعَطْفِ نَرْجِسه الناعس لَثْمَاً ووَرْدِه الجُوري
وكنتُ عالَيْت دُرَّ مَبْسِمها المنظومِ من أدمعي بمنثور
أذاكَ أَشْفَى أم طِيبُ زَوْرَتِهاأيام قال الكرى لها زوري
دَنَتْ علي نَأْيها وأَسْعدَهاإباحةُ النومِ كلَّ مَحظور
فبِتُّ أَلْهُو بما أحاولهمن بِدَع الحُسن غيرَ مَوْزُور
رُؤيا تمَلَّيْتُها وأَحْسِبُنيحقَّقْتُها في الهوى بتعبيري
ويا عَذولي دَعْ ذكر مَسْأَلةٍمُشْكِلَةٍ عُرِّضَتْ لتفسير
فما أنا في النفير إنْ حضرتلذّاتُ أَهْلِ الهوى ولا العِير
وليس خُبْري ما صافَحَتْكَ بهفدع عُلالاتِها أخابِيري
حماقةٌ ضاع في تتَبُّعِهامَحْفُوظُ شعري وضَلَّ تفكيري
أين اشتغال الهموم مما تَقاضاه فراغُ القوم المسارير
بياض وَصفٍ للحبّ سوّد لاصحائفي ثَمَّ، بل دفاتيري
ولم يُفِدْ غير أنه سببٌخِفَّتُه أَصْلُ كلِّ توقير
عاد إلى الجِدِّ هَزْلُه فغدامَعْذُولُه وهو جدُّ مَعْذُور
وله في وصف الخال:
ومُهَفْهَفٍ كالغصن مال بعِطْفه مَرُّ النَّسيمِ
في وجهه نارُ الحياءِ يَشُبُّها ماء النعيم
يا حبَّةَ القلب التيفرَّتْ إليه من الصميم
بَطَنَ الهوى فظهرتِ جائلةً على صافي الأديم
حتى دُعيتِ وقد أقمتِ عليه بالخالِ المُقيم
يا من أقام قيامتيبالخدِّ والقدِّ القويم
وَجَنَى سَقامي في الهوىبفُتورِ ناظره السَّقيمِ
ورمى فؤادي إذْ رناتيهاً إليّ بلحظِ رِيم
يا جَنّةً تدعو القلوبَ إلى مُباشرة الجَحيم
وجَلا صباح جَبينِهفي لَيْلِ طُرَّتِهِ البهيم
انظُرْ لذُلّي يا عزيزُ بعينِ مُقتدِرٍ رحيم
واعطِفْ عليَّ تكَرُّماًفالعَطفُ أولى بالكريم
وله:
أما لذا الليلِ سَحَرْيا أملي فَيُنْتَظَرْ
يا مُسْهِري بصَدِّهِحاشاك مِن طُولِ السَّهَر
يا قمراً بِتُّ لفَرْط حبّه أَرْعَى القمر
ويا قضيباً رُحْت منخَطْرَته على خَطَر
ويا غزالاً كلّماجاذبْتُه الأُنْسَ نَفَر
إن قُلتُ قد رَقَّ قساأو قلت قد أوفى غَدَر
أو قلتُ قد عاد إلى العادة في الوَصْل هَجَر
إحْذَرْ خِلافي فعسىيُنْجي منَ الخوف الحَذَر
مَوْلاي عُدْ من قبل أنيَشيع في الناسِ الخَبر
ويُصبحَ السِّرُّ الذيتعرِفُه قد اشتهر
وله:
جِدُّ الهوى أوَّلُه مُزاحُوكلُّ نارٍ فلها اقتداحُ
آهاً لقلبي من حِمىً مُمنَّعٍأغرى به تعرُّضٌ مُباح
ونظرةٍ فتحتُ عنها ناظريوهيَ لبابِ شِقْوتي مِفتاح
يا قمراً صَوْنِي لديه بِذْلةٌإذا بدا وسَتريَ افتضاحُ
ماذا يقول فيك عُذّالي وماأدري غَدَوْا بلَوْمِهم أم راحوا
الغَيُّ ما يَزْعُمُه مُرْشدهمْوالغِشّ ما تقوله النُّصّاح
سِرُّ الهوى المُودَعُ فيه أنهلولا الهوى لم تُخْلقِ المِلاح
الناسُ أبناءُ الهوى شَقُوا بهأو نَعِموا أو كتموا أو باحوا
فسادُهُمْ فيهِ هو الصلاحُوَفَرْطُ خُسْرانِهمُ رَباح
الحبُّ في ليل الورى صَباحُفيه البُدورُ الأوْجُهُ الصِّباح
للقَطْف منها الوَرْدُ والتُّفّاحُوالشّهْدُ للرَّشْفِ بها والرّاح
مَواطنٌ مالي، ولو بَرَّحَ بيوَجْدِيَ، عنها أبداً بَراح
وله من قطعة:
يا سيِّدي، دعوةَ الذّليلِإعطِف على المُدْنَفِ العليلِ
أَطْفِ بماءِ اللِّقاءِ ناريواشْفِ ببرد الرِّضا غَليلي
يا واحدَ الحُسن حارَ فكري الدّقيقُ في وصفك الجليل
لكنني أكتفي بمعنىًمُخْتَصَرٍ واضِح الدّليل
ما لكَ بينَ الورى ولا ليفي الحسن والحُزْن من عَديل
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع