من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
جرجس الفيلسوف الأنطاكي النصراني
ذكره أبو الصّلت أُميّة في رسالته عند ذكر الطبيب اليهودي أبي الخير سلامة بن رحمون، قال وكان بمصر طبيب من أهل أنطاكية يسمى جرجس ويلقب بالفيلسوف على نحو ما قيل في الغراب أبو البيضاء واللديغ سليم، قد تفرغ للتولع به، يعني بابن رحمون، والإزراء عليه، يزوّر فصولاً طبية وفلسفية يبرزها في معارض ألفاظ القوم وهي مُحال لا معنى لها، وفارغة لا فائدة فيها، ثم يُنفذ بها من يسأله عن معانيها ويستوضح أغراضها، فيتكلم عليها ويشرحها بزعمه دون تيقظ ولا تحفظ بل باسترسال واستعجال وقلة اكتراث فيؤخذ فيها عنه ما يضحك منه.
وأُنشدت لجرجس هذا فيه وهو أحسن ما سمعته في هجو طبيب:
إن أبا الخير على جهلِهيَخِفّ في كِفَّتِه الفاضلُ
عليلُه المسكين من شُؤْمِهفي بحر هُلْكٍ ما له ساحل
ثلاثةٌ تدخل في دفعةٍطَلْعَتُه والنعش والغاسل
قال أبو الصلت ولبعضهم يعني به نفسه:
لأبي الخير في العِلاجِ يدٌ ما تُقَصِّرُ
كلُّ من يَسْتَطِبُّهبعد يَوْمَيْن يُقْبر
والذي غاب عنكموشَهِدْناه أكثر
وقال آخر في بعض أطباء عصرنا:
قل للوَبا أنتَ وابنُ زُهْرِقد جُزْتُما الحَدَّ في النِّكايَه
ترَفَّقا بالورى قليلاًفي واحدٍ منكما كِفايه
وقال آخر:
ما خطر النَّبْضُ على بالِهيوماً ولا يعرفُ ما الماءُ
بل ظنّ أنّ الطِّبَّ دُرّاعَةٌولِحيةٌ كالقُطنِ بَيْضَاء
وقال شاعر آخر في مثلهم:
وطبيبٍ مُجَرَّبٍ ماله بالنُّجْح في كلّ ما يُجرِّبُ عادَهْ
مرَّ يوماً على مريض فقلنا:قُرَّ عيناً، فقد رُزِقْتَ الشَّهاده
ولجرجس في هذا الطبيب:
جنونُ أبي الخير الجنونُ بعَينِهوكلُّ جنونٍ عنده غايةُ العَقْلِ
خذوه فغلُّوه وشُدُّوا وَثاقهفما عاقلٌ مَن يستهين بمُخْتَلِّ
وقد كان يؤذي الناس بالقول وحدَهفقد صار يؤذي الناس بالقول والفعل
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع