تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

الدُّمَيْك بن أَبي الخُرجَين

هو الشيخ أبو منصور بن المسلم بن علي بن أبي الخرجين الحلبي التَّميميّ السَّعديّ، كان معلِّماً بدمشق، ذكر لي الكاتب زين الكتّاب علي بن جعفر المعروف بابن الزغلية وهو شيخ مليح الخط والعبارة، أنه كان في المكتب عنده وهو أُستاذه، وتوفي سنة نيف وعشرين وخمسمائة، وكتب لي قصائد بخطِّه من شعره وأعارني الجزء وهو يشتمل على قوله:

رأيتُ عذابي في محبَّتكم عَذباوبُعدَ دياري من دِياركُمُ قُربا
جنيتم علينا إذْ جَنينا ودادَنالكم، ومنحناكم على بغضكم حُبّا
وخُنتم فما خِبتم رجاءً ورغبةًكأنَّكمُ الأيّام في منعها تُحبى
تخالَفَ نوعُ الحُسن فيمن عشقتُههِلالٌ غَلا لمّا علا غُصُناً رَطبا
أَحلَّ فراقي حين فارقَه الصِّباوشبَّ فؤادي بالجوى عندما شبّا
وجسَّره الواشي على الجَوْر فاعتدىوقد كنت أرجو منه أنْ يُحسِنَ العُقبى
كذا الدّهرُ يقضي بالنَّعيم وبالشَّقافيأْخذ إن أعطى ويبغض إن حبّا
رأيت الفتى يأْتيه ما لا ينالُهبسعيٍ ولو أَنضى الرَّكائبَ والرَّكْبا
وإن رامَ إدراكَ المُنى بفضيلةٍفقد رام أمراً ليس يدركُه صعبا
وإنَّ صديق المرء أوسع رحمةًوأكثرُ إنصافاً له من ذَوي القُربى
تجاور فيه هيبةٌ ومودَّةٌفلم يخْل من ودّ ومن هيبةٍ قلبا
ويذهب بالودِّ المِراء ويمتريحفائظَ لا تُبقي على صاحبٍ صَحْبا
إذا حُرمَ الإنسانُ قلَّ نصيرُهوصار قضاءُ الحادثات له ذَنبا
وإن هي أعطتْه السعادةَ صيَّرَتْله الجهلَ حِلماً والعدوّ له حِزبا
تحيَّرت الألباب في الجدِّ واغتدتْتَعُدُّ خَفاهُ عن بصائرها خَطبا
تساوى ضُروب النّاس فيه جَهالةًولو عرفوه رامَ كلٌّ له كَسبا
توقَّ قليل الشَّرِّ خوفَ كثيرهولا تحقِرَنَّ النَّزْرَ رُبَّتما أَربى
فإنَّ صغير الشيء يَكبُر أمرُهوكم لفظةٍ جرَّتْ إلى أهلها حربا

وقوله:

توالَفَ في زَمِّ الرَّكائب إخوانُوخالف في حثِّ النَّجائب جيرانُ
فباكٍ من الوَخْدِ الوَحِيِّ وضاحكٌوصاحٍ من الوجد النَّجيِّ وسكران
أُناسٌ سُقوا كأْساً من البَيْنِ مُرَّةًشُجونُ نَداماهم عليها وأَشجان
تحيَّتهم نجوى تَلوعُ وصَبوَةٌغِناؤهم شكوى تَروعُ وإرْنان
إذا قُرِعوا مَسَّ الأسى قرعوا لهظنابيبَ صبرٍ ما لِفحواه وجدان
وما كلُّ شيءٍ ظنَّه المرءُ كائناًيقوم عليه للحقيقة برهان
أَأَحبابَنا إنْ خلَّفَ البعدُ بَعدكمْقلوباً ففيها للتَّقرُّق نيران
رَجَونا مَعيناً من زفير وَقودِهامُعيناً فما جفَّتْ من الدَّمع أجفان
فلا تعجبوا من بعدكم في بقائهاعشِيّاً وقد بانتْ حُمولٌ وأَظعان
وهل ينفعُ الإنسانَ قلبٌ ترادفَتْعليه همومٌ طارقاتٌ وأحزان
رحلتم على أنَّ القلوبَ ديارُكمْوأنَّكم فيها، على النّأْي سُكّان
للشاعر ابن أبي الدميك، من قصيدة «أأحبابنا إن خلف البين بعدكم»
يقول أُناس بحْتَ بالشَّوق، والحِجىدليلاه فعلٌ يقتضيه وكتمان
فقلتُ خَفِيُّ الشوق للمرء جَهْرةٌطِباعاً وسِرُّ الحبِّ للمرء إعلان
بنفسي حبيبٌ فاتن الطرف أَحْوَرٌشهيّ الثَّنايا فاتر الطَّرف وَسنان
ترقرقَ ماء الحسن في صحن خدِّهليُسقى به غصنٌ من البان ريّان
إذا ما أذاعتْ بالسِّرار لِحاظُهإلى اللبِّ لبّاها من اللبِّ إذعان
عَرَفتُ به عكس القضيَّة في الهوىفمنه وصالٌ لي ومنِّيَ هِجرانُ
أَبَنْتُ له عند الوَداع تَجَلُّديولي كبدٌ حرَّى به وهو حيران
وما باختيار المرء تشعَبُ نِيَّةٌفتبرَحُ أَوطارٌ وتَنزح أوطان
عسى مَوردٌ من ماء جَوشَن ناقعٌفإني إلى تلك الموارد ظمآن
تُجاذبني عن عَزمةٍ الهجر هِجرَةٌويُوبِقني من طاعة الصبر عِصيان
أحِنُّ حنين الوالهات إليكُمُوتمنعني منكم خطوبٌ وأزمان
زيادة حدّي نقصُ جدّي وإنّمازيادة فضل المرء للحَظِّ نقصان
وما كلُّ إنسان ينال مرادهويسعدُه فيما يحاولُ إمكان
وعيشُ الفتى طعمانِ حُلْوٌ وعلْقَمٌكما حاله قِسمان رِزقٌ وحِرمان
وأمنيّة الإنسان رائد نفسهوراضٍ بأفعال الزَّمان وغضبان
وما كلُّ نظّارٍ بناظِرِ فكرِهوما كلُّ من يهديه نَهْجٌ وتِبيان
سأُعمِلُ نَصَّ العِيس تَذرَعُ بوعُهاتنائِفَ لا إنسٌ بهنَّ ولا جان
وأَدَّرِعُ الليل البهيمَ وأمتطيعزائمَ ترجوها صِفاح وخُرصان
فإنَّ الهُوَينا للهَوان أَمارةٌإذا لم يكن عن قدرة المرء عُدوان
أبا حسنٍ ما انفكَّ يأْتي مُواتِراًإليَّ جميلٌ من نَداك وإحسان
مَلَكْتَ به منّي ثناءً ثنيتُهفسارت به في البرِّ والبحر رُكبان
شكرتُك شُكر الأرض للغيث واصباًأصابَ ثراها منه سَحٌّ وتَهتان
تحلَّت بأنواع الرِّياض كأنَّهاتجلَّت لعين الدَّهر، فالدَّهر جَذلان
وإنّي على إسهابه لَمُقَصِّرٌويَبْسُطُ عُذراً للمُقصِّر عِرفان
أَخذْنا بأقسام الفضيلة بيننافإن كنت سَحباناً فإنَّكَ لقمان
لقد وَجدتْ منك الأمانةُ كافياًبها وافياً إن معشَرٌ عهدَها خانوا
حَصيفٌ إذا خَفّوا، عفيفٌ إذا عَفَوْاعَيوفٌ إذا اشتفّوا، أمينٌ إذا مانوا
بلغتَ من العلياء أشرفَ منزلٍيُقصِّرُ عن كونٍ بنجواه كيوان
دلَلْتَ على أخلاقِكَ الغُرِّ بالذيفعلتَ من المعروف، والفعلُ عُنوان
وأَلسنةُ الأقوام في البعد كتْبُهُمْتَناجى بها عند اللُّبانةِ أَذهان
فصِلْني بكُتْبٍ تشْفِني بوصولِهافإنِّي إليها شَيِّقُ القلب ولهان
فلا عدِمَتْ منك المكارمُ نِسبةًفإنَّك من طرْف المكارم إنسان

وقوله:

غرامٌ على طول البِعاد يزيدُوحبٌّ على مرِّ الزَّمان جديد
وصبرٌ إذا حاولتُ أَثني عِنانَهلِيُصْحِبَ طَوعاً صدّ وهو كنود
أَبى القلبُ إلاّ أن يُتَيِّمَهُ الهوىويُسلِمَه التَّذكار فهو عَميد
فرَتْهُ على نأْي المنازل وَفرَةٌوجاد عليه بالصّبابة جِيد
وأَصْباهُ مُرتاحاً قضيبٌ على نقاًتَهُبُّ له ريحُ الصَّبا فيَميد
أيا سائقَ الأظعان من أرض جَوشَنٍسَلِمْتَ ونِلتَ الخِصبَ حيثُ تَرود
أبِنْ ليَ عنها تشْفِ ما بي من الجَوىفلم يَشْفِ ما بي عالجٌ وزَرود
هَلِ العَوَجان الغَمْرُ صافٍ لواردٍوهل خضَبَتْهُ بالخَلوق مُدود
وهل عينُ أَسمونيث تجري كمقلتيعليها وهل ظِلُّ الجِنان مَديد
إذا مرِضَتْ وَدَّتْ بأَنَّ ترابَهالها دون أكحال الأُساة بَرود
وهل ساحرُ الألحاظ تُحفَظُ عندهمواثيقُ فيما بيننا وعهود
تُمَثِّلُ لي عيني على النّأْي شخصَهفيَقرُبُ مني والمزارُ بَعيد
أراحَ عليَّ الشَّوقُ عازبَ زَفرتيوردَّ إليَّ الهمَّ وهو طريد
وقد غرَّني قلبٌ أرانيَ أنَّهعلى طول أيّام الفِراق جَليد
وأعجَبُ منّي أن صبرْتُ ليالياًوإنَّ اصطباري ساعةً لشديد
وما كنت أدري أن تَشُطَّ بك النّوىويسعى عدوٌّ بيننا وحَسود
وأن نصيبي من ودادك لوعةٌلها في فؤادي والضُلوع وَقود
قَسوتَ فما يُدني ثَواكَ تَقَرُّبٌإليك ولا يثني نواك صدود
وأفنيتُ عُذرَ النفس فيك ولم أزلأَسُدُّ طريقَ العُذر وهو سديد
وقد يُحْبِبُ الإنسانُ ما فيه نقصُهويُبغِضُ ما يَنمي به ويزيد
ويؤثِرُ من غير الضَّرورة ضُرّهُويرغب عمّا سرَّه ويَحيد
هو الجَدُّ لا يُعطي المَقادةَ صعبُهويبدئ في إسماحه ويُعيد
نُريد من الأيّام تصفو من الأذىوتضْفو ولا يقضي بذاك وُجود
وكيف نرومُ العيشَ خِلواً من القَذىوللماء من بعد الصَّفاء رُكود
تجَمَّعَ من بعد اجتماع مودةٍخليل، وعن ذوب النُّضار جُمود
وأين الذي يبقى عليك ودادُهوأين الذي تختاره وتُريد
إذا كان يُعطى المرءُ ما يستحقّهتساوى شقيٌّ في القضا وسعيد
ومِن حُبِّنا الدُّنيا، على سوء فعلهايُعافُ ذميمُ العيش وهو حميد
وأَنّى ترى طَرْفاً عن الحِرص طارِفاًلِيسأَمَهُ والزُّهدُ فيه زهيد
وليس لمرءٍ في القناعة بُغيَةٌفتُلفى، وشيطان المَراد مَريدُ
إذا لم تجدْ ما تبتغيه فخُضْ بهاغِمارُ السُّرى، أُمُّ الطِّلاب وَلود
فكم خرَّقَتْ بطنَ الجَبوب أَساوِدٌوكم ركبت ظهر الصعيد أُسود
فلا قرةٌ إلاّ وأنت مؤمَّلٌولا ثروةٌ إلاّ وأنت تجود

وله:

إذا الله أعطاكَ الغِنى فأفِدْ بهسِواكَ ولا تَحرمْهُ يَحرِمْكَ فضلَهُ
فذاك امتحان، إنْ تُنِلْه تنَلْ بهمَزيداً وإن تمنعه يجتَثُّ أصلَه

ولابن أبي الخرجين:

الناسُ كالأرض ومنها همُمنْ خَشِنِ اللَّمْس ومِن لَيْنِ
للشاعر أبو الحسن الحصري، اقرأ القصيدة
مَرْوٌ تَوَقَّى الرِّجْلُ منه الأذىوإثْمِدٌ يُجعَلُ في العين

وله:

تُنمَى إليه السَّمهَرِيَّةُ والظُّبىفتطولُ للقربى به وتصول
يُجدي ويُردي فهو في محْل الحياخِصْب وفي خِصب الحياة مُحول

وله في مُغَنٍّ:

خَفَّ الثَّقيلُ فجاء طَوْعَ بَنانهلما دعاه وأَصْحَبَ المَزمومُ
لا يخرج النَّقَراتِ عن موضوعهافكأَنَّه في ضَربه معصوم

وله:

يا أبا البِشْر بشَّر الله رَبعاًأنتَ فيه ثاوٍ، بصَوبِ الربيع
لم أجِدْ للزَّمان غيرَكَ خِلاًّأَصطفيه، كم واحدٍ بجميع

وله:

فارقْتنا إذْ لا رِضىً منّا بهمَن يرتضي بُعْدَ السَّحاب الهامِرِ
ما كنتَ إلاّ السيفَ فارق غِمدَهللضَّرْب ثُمَّتَ عادَ عودةَ ظافر

وله من قصيدة:

تَظَلُّ الملوكُ له طائعينإذا ما عفا أو وَفى أو بَذَلْ
وينتحلون الذي يصنعونوأين الطِّباع وما يُنتَحَل
مَناقب طُلْتَ عليهم بهاغَلَتْ وعلَتْ في مَداها زُحَل
سبقتْ بها شيبَهم والشبابَصَبِيّاً كسَبْقِ الشُّروقِ الطَّفَل
تَمَنّى عِداك بقولٍ مَداكوأينَ المُنى من بلوغ الأَمَل
ومجداً تليداً فما أدركوهُ بالحَوْلِ منهم ولا بالحِيَل
فلا زال أمرُك في كلِّ ماتُحاوله أَبداً مُمْتَثَل

ومنها في وصف بلدٍ آمنَهُ:

فأَعْتَقْتَها من مُثار العَجاجوأَقطعْتها لمُباح الأَجل

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.