من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
نصر بن إبراهيم بن أبي الهيجا البازيار الحلبي
ذكره لي وُحيش الشاعر، وقال ما معناه أنَّ مولد نصر ومنشأَه بدمشق، وكان لصبيان المكتب سائقاً، ثم صار معلّماً فائقاً، ثم صار شاعراً حاذقاً، مُجيداً في حلبة النَّظم سابقاً، وفي ذروة العلم سامقا، ثم عاد طبيباً حاذقا، رابح السوق نافقا، موفّقاً في كلِّ صنعة موافقا، وتوفي بها سنة اثنتين وأربعين، وقد بلغ السبعين.
وأنشدني من قصيدة له في مدح الوزير المزدقاني، وكان إذ ذاك وزير صاحب دمشق:
تجافى الكرى ونبا المَرقَدُوقلَّ مُعينُكَ والمُسعدُ
لقد كنت أطمع في زَورةٍمن الطَّيف لو أنّني أَرقُدُ
وصفراء كالتِّبر كرخِيّةيطوف بها شاذِنٌ أَغيَد
جلا الصبح وهْناً بلألائهافصُبْحُ النّدامى به سرمد
وفي المستقِلّين رُعبوبةٌبأَنوارها الرَّكبُ يسترشد
لقد كنتُ أجحدُ وَجدي بهافنمَّتْ جفوني بما أجحد
ومنها في المدح:
أيا ابن الّذين بنَوا في العُلىمنازلَ من دونها الفَرقَدُ
وأحيَوا لمَن قهروا ذِكرَهفإن قيل أَفنَوا فقد خَلَّدوا
وأنشدني وُحَيش لنصر البازيار الحلبي من قصيدةٍ في مدح الرئيس المحيي بن الصوفي، عند فتكه بالباطنيّة في دمشق، وكان ذلك عصر يوم الأربعاء سابع عشر شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة:
أَطيف المالكيّة زار وَهْناًحماكَ الغُمْضَ أم داءٌ دفين
وفي العيس التي بكَرَت بُدورٌتُرَنِّحُها على كُثُبٍ غُصون
وأنت تسومني صبراً جميلاًوهل صبرٌ إذا خفَّ القَطين
أَتلتمسُ العَزاءَ وقد بدا ليحبيبٌ ظاعنٌ ونوىً شَطون
وتأْمر أَن أًصون دموع عينيأفي يوم النّوى دمعٌ مَصون
لقد جنتِ العيونُ عليَّ حَتفاًأيا للهِ ما جنتِ العيون
ومنها:
عجبتُ لمَن يقيمُ بدار سوءٍيَذِلُّ على الخُطوب ويستكين
نُسامُ الخسف بين ظهور قومٍتساوى الغَثُّ فيهم والسَّمين
وما أهل العُلى إلاّ سيوفٌونحن لها الصّياقلُ والقُيون
ومنها في التخلُّص:
لِيَوْمِ الرَّوعِ سابغَةٌ دِلاصٌولِلتَّرحال شَوشاةٌ أَمون
وفي الآفاق مضطَرَبٌ فسيحٌولم تضِق السُّهولَةُ والحُزون
وفي جدوى الوجيه رجاءُ صِدقٍإذا كذبَت على الناس الظُّنون
فمَن يُنضي المَطِيَّ إلى سواهفما حركاته إلاّ سكون
ومنها في وصف فتكه بالإسماعيلية وقتل في ذلك الأسبوع بدمشق أكثر من عشرة آلاف نفس، ولم يتعرَّض لِحُرَمِهم وذَراريهم:
فقل لذوي النفاق بحيث كانواأبادَ حِماكُمُ الأَسَدُ الحَرونُ
ملكناكُمْ فصُنّا مَنْ وراكمولو مُلِّكتمونا لم تصونوا
أَسلنا من دمائكم بحوراًجُسومكمُ لجائشها سَفين
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع