تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

الجزيرة وفنك حجة الدين مروان بن علي بن سلامة بن مروان

من أهل طنزة، مدينة بديار بكر، الفَنَكي وزر لأتابك زنكي في آخر عهده وكذا ذو مروّة، وسخاء وفتوّة، وإباء وحميّة، له البيت الكبير، والفضل الغزير، وكانت بين عمي العزيز قدّس الله روحه وبينه الصداقة الصادقة، والمودة المؤديّة إلى الموافاة الموافقة، جليل القدر، نبيل الذكر، مُلِّي عمراً طويلاً، وأُولي بِرّاً جزيلاً، وتوفي سنة نيف وخمسين وخمسمائة، حسن الأثر، حميد الوِرد والصدر، قال علم الدين الشاتاني أنشدني بيتين له نظمهما في المنام:

وكُنّا نُرَجّي أن نعيش بغِبطةٍوَنَشْفي غَليل القلبِ فانقلبَ القَدَرْ
وحالتْ صُروفُ الدهرِ دونَ مُرادناجميعاً فلا عينٌ هناكَ ولا أَثَرْ

ومن شعره أيضاً ما أنشده سعد الله بن محمد المقرئ إمام المسجد بدرب السلسلة قوله من مرثية:

فلو أنّي مَلَكْتُ قِيادَ أمريلكُنّا في الثَّرى نَبْلَى جميعا
كما كُنّا على عهد التَّصابيبطيب العَيْش وُرّاداً شُروعا

قال ومن كتابٍ إليه:

كم تقاسي القلوب من ألم الشَّوْق ومن صَبْرِها عن الأحبابِ
فإذا قَلَّ عن لقائكَ صبريفاحْيِيني منكَ سَيِّدي بكتابِ

وقوله في كتاب إلى ولده يأمره بقلّة المخالطة:

أَخْشَى عليك من الزمانِ وصرفِهفالقلب من حَذَري عليك مُرَوَّعُ
ما إن يحدثني الضميرُ بصالحٍإنَّ الشَّفيق بسُوءِ ظنٍّ مُولَعُ

ومن مقطوعات حُجّة الدين أبي عبد الله مروان بن سلامة بن مروان الطنزي ما نقلته من مجموع عليه خطّه قوله:

لئِن طال عهدي بالأحبَّةِ وانْثنتْصُروفُ الليالي بيننا تَتَقَلَّبُ
فإنّي وإيّاهم على كل حالةٍسَواءٌ نلومُ الحادثات ونعتبُ
وإن كان لا عتب على الدهر إنّهيَمُرُّ زماناً ثم يَحْلُو وَيَعْذُبُ

وقوله:

يا مَن تَجَنّى بلا ذنبٍ ولا سَببٍأنا المُحبُّ وأنتَ الهاجرُ القالي
وكلَّما زِدتُ في وَجْدِي وفي قلقيشوقاً إليك فأنتَ المُعرِض السالي
وكلُّ شيءٍ سَيَبْلى بعد جِدَّتِهإلاّ غَرامي وَوَجْدي ليس بالبالي

وقوله:

سقى الله أيامَ التَّلاقي فإنّهاهي العُمْرُ والعيشُ الحميدُ المُوافقُ
وبُعْداً لأيامِ الفِراق فإنّهاعلى كلِّ أحوال الفتى تَتضايقُ
فلولا الأماني كنتُ مَيْتاً بِبُعْدِكُمولكنني أحيا لأنّيَ شائقُ
وما ذاق طعمَ البُؤْسِ في الوصلِ مُغْرَمٌولا فازَ بالعيش الهنيئ مُفارِقُ
سواءٌ هَجَرْتُمْ أو مَنَنْتُمْ بوَصْلِكُمفإنّي لكم دون البريّة وامقُ
حُرِمْتُ رِضاكم إن سَلَوْتُ وإنّنيعلى ما عَهِدْتم في المَوَدَّةِ صادقُ

وقوله:

لَعَمْرُكَ ما الدنيا وإن زالَ بُؤْسُهاوَأَوْلَتْ بَنيها في سَعادَتِهم أمرا
بجامِعةٍ شَمْلاً ودافِعةٍ أذىًورافعةٍ بُؤْساً وسامِعةٍ عُذْرا
وإن أَمْتَعتْ يَوْمَاً حَبيباً بنَظرَةٍسَتَمْنَعُهُ عمّا يُحاوله دَهْرَا

وقوله:

إنّ ردّ السلام عن كُتُبِ الإخْوان فرضٌ كفرض رَدِّ السَّلامِ

وعلى كلِّ حالةٍ ليس عنديمنكَ بُدٌّ في هِجْرتي ومُقامي

وقوله في صديق اشتغل عنه بالولاية:

إنَّ مِن حُرفتي ومن سُوء حَظّيحين أرجو من الصديق وِصالَهْ
يَتجافى عنّي إذا نال خيراًويُريني بما أُريدُ جَهالَهْ
قلِحُبّي له وحِفظِ وِداديأكتفي أنني صديق البِطالَهْ

وقوله:

لَعَمْرُكَ ما الإنسانُ في كلِّ حالةٍينالُ الذي يرجو ويُدرك ما يَبْغِي
ولكنْ قضاءُ الله في الخلق سابِقٌفيُمْضي الذي يُمْضي ويُلْغي الذي يُلْغي
وقد كنتُ أرجو جَمْعَ شَمْلِ أحِبَّتيوشملي وأطْغَتْني الأماني التي تُطْغي
فأقعدني المِقْدارُ دون إرادتيعلى أنّها الأيام تَبْغِي كما نَبْغِي

وقوله:

إذا سَلِمَتْ نفسُ الكريم وعِرْضُهفلا بأسَ إن مالَ القضاءُ على المالِ
وأنتَ تُضيع المال بالجود دائماًفما بالُ هذا المالِ يَخْطُرُ بالبالِ

وقوله:

الرَّدُّ أحسنُ من وعدٍ وإخلافِوالمَطْلُ أَقْبَحُ من بُخْلٍ بإسعافِ
فحَقِّقِ الوَعدَ وانْجِز ما وَعَدْتَ بهواحْبُ الصديق بإحسانٍ وإنصافِ

وقوله:

إن كان قلبُك فارغاً من ذِكْرنافالقلبُ من ذِكراكَ لا يَتَفَرَّغُ
ولَئِنْ بلغت مُناك من هِجْراننافوِصالكمْ أُمْنِيَّةٌ لا تُبْلَغُ

وقوله:

لا تَضِيقَنَّ بالحوادثِ ذَرْعَاًوَتَوَقَّعْ من بعد عُسْرِكَ يُسْرا
ليس حُكمُ القضاء فيه سواءًقد يكونُ القضاءُ نَفْعَاً وضُرّا

وقوله:

سلامٌ على ريمٍ برامةَ إنّهامُنى النفْسِ في الدنيا إذا ما تمَنَّتِ
تضيءُ بها الدنيا إذا هي أقبلتوتُظْلم في عيني إذا ما توَلَّتِ

وقوله:

ودّي على طُولِ النَّوىغَضٌّ وإخلاصي جديدُ

وهَواك في قَلْبِي يزيدُ مع الفِراق ولا يَبيدُ

وقوله:

لَعَمْري لئِن طال المَدى وتَصرَّمَتْليالٍ وكان الوَصْلُ فيها يَزينُها
فإنّي راعٍ للوِداد وإن قَسَتْقلوبٌ فإنّي بالوَفا أستلينُها
وإنْ جَمَحَ الإخوانُ عنّي رددتُهمْبأسباب ودٍّ خالصٍ لا أخونُها
وإن أعرضوا أقبلتُ غيرَ مُوَدِّعٍوإن بذلوا وجهَ الإخاءِ أصونُها
فلا تكُ في دِين المَوَدَّةِ خائناًوأنتَ لها في كلّ حالٍ أمينُها

وقوله:

هجرتِ فلم انعمْ بعيشٍ ولا انثنىإلى القلب رَوْحٌ غيرُ ذِكرِ وِصالكِ
ولا خَطَرَتْ في القلب خطرةُ راحةٍسوى خَطْرَةٍ فيها كريمُ خيالكِ
أُلاقيك بالفِكر الذي هو لازمٌلقلبي فهل يا عَزُّ عُجتُ ببالكِ
وهل لمثالي في فؤادك صورةٌكما في فؤادي صورةٌ لمِثالكِ
عليك سلامُ اللهِ إنّي مُوثَقٌلِقِلَّة صبري والهوى في حِبالكِ

وقوله في الشوق:

بأرض بغداذ لي خِلّ أتيهُ بهعلى العِراقَيْنِ وهو الحارثُ بن علي
وبي إليه من الأشواق ما عَجزتعن حملِه حاملاتُ السهلِ والجَبلِ
لولا التَّسَلّي بآمال اللِّقاءِ لهُلمِتُّ شَوْقَاً ولكنّي على أملِ

وقوله في الزهد:

وما الدنيا وإن طابت ودامتْباكثر من خيالٍ في منامِ
تزولُ عن الفتى ويزولُ عنهاكما زال الضياءُ من الظلامِ

وقوله في الحكمة والتكرم على ذوي القربى:

إذا لم يكن جاهي لقوميَ نافعاًوماليَ مضنونٌ به عن أقاربي
فلا كان ذاك الجاه والمال إنّهبرِغميَ مَذْخُورٌ لبعض الأجانبِ

وقوله في احتمال المحبّ جَوْرَ محبوبه:

وإنّي وإنْ أَقصيتَني وقطعتنيوأعرضتَ عنّي في الهوى غيرُ عاتبِ
لأنك أقصى مُنيتي وأَحبُّ مَنإليَّ وأحلى في الفؤاد وصاحبي
وكلّ الذي يأتي إليَّ مُحبَّبٌإذا عَزَّ منك الوَصلُ لَيَّنْتُ جانبي
أُعاوِدُ مَن أهواه حتى أُعيدَهُإلى الحقِّ مُختاراً ببذل الرغائبِ

وقوله من قصيدة يوصي بها ولده:

وَمَنْ تحَلَّى بأخلاقٍ مُوافِقةٍللخَلْقِ أغنتهُ عن مالٍ وعن نسبِ
لا تَكْرَهِ النُّصْحَ ممّن قصدُه حَسنٌوإنْ دُعِيتَ إلى المعروفِ فاسْتجبِ

وقوله:

يا ذا الجلال إذا قضيتَ قضيةًفَأَعِنْ عليها إنني لك شاكر
وامْنُنْ بصبرٍ في القضاء فَخَيْرُ مَنلَقِيَ القضاءَ مُسَلِّمٌ أو صابرُ
واغْفِر ذنوبي إنّها مكتوبةٌوأنا المُقِرُّ بها وأنتَ الغافِرُ
أحسنْ ليَ التوفيقَ باقي مُدَّتيفأنا الضعيفُ وحاليَ المُتقاصرُ

وقوله:

كأنني حين أحبو جَعْفَراً مِدَحيأَسقيه ماء أُجاجاً غيرَ مَشْرُوبِ
إنّي تَوَدُّكمُ نفسي وأمنحكُمْنُصحي وكم من مُحِبٍّ غيرُ محبوبِ

وقوله في الوفاء والمحافظة على الولاء:

إن كان قد عُدِمَ اللقاءُ فإننيبوِدادِكمْ مُستَهتِرٌ مفتونُ
كَلِفٌ بكم مُتَحَيِّلٌ في قُرْبِكُمْولقائِكم والوصل كيف يكونُ
كم حاضرٍ في الدار غيرُ مُحافظٍومُفارقٍ ووِداده مأمونُ

وقوله من أول مكاتبة:

لَئِنْ شَطَّتْ بنا دارٌ فإنّابصِدقِ الودِّ منّا في اقْترابِ
وإن كنّا على نَأْيٍ فإنّانُحبُّكمُ وحَقِّ أبي تُراب
ولستُ بآيسٍ مِن جَمْعِ شَملٍوتعريجٍ على ذاك الجَنابِ
فكم من نازحٍ أمسى عَميداًوأصبحَ ذا سُرورٍ بالإيابِ

وقوله:

وَجْدُ قلبي على النَّوى لا يَزولُوعُهودي كحُسنكمْ لا تَحولُ

ظَلَّ صدري لبَيْنِهمْ حَلْبَةَ الوَجْدِ، وجيشُ الغرام فيها يَجولُ

إنْ أَكُن عنكمُ تحَوَّل جسميففؤادي ما إنْ له تحويلُ
قد كساني هوى العِراقِ إليكمُثوبَ شَوقٍ يَشِفّ منه النُّحولُ

أنا في فتيةٍ لهم خضع الدَّهرُ ولكنْ بهم عليّ يصولُ

بوجوهٍ كالشمسِ حُسْناً، وأخلاقٍ لِطافٍ تُسْبى بهِنَّ العقولُ
وعُقودٍ صحيحةٍ في وِدادٍففؤادي بها صحيحٌ عَليلُ
وزمانٍ صافٍ ووقتٍ مُطيعٍمُسْعِدٍ لا يعود فيما يُنيلُ
صِبْغُ ذاك الوِدادِ صِبْغَةُ أَصْلٍما لِلَوْنِ الخِضابِ منه نُصولُ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.