من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأمير دهمش بن وهاس الحسني السليماني
أنشدني لنفسه في الأمير مالك بن فليتة، وقد وفد إلى الشام سنة سبع وستين، ومات في الطريق بوادي الغضا ودفن بالأجولية، من مرثية فيه أولها:
مُميعُ دُموعي الجْامِداتِ الصّلائِبِمُصابُ فَتىً آهاً لهُ في المَصائِبِ
فأَوْرثَ قَلْبي حَرَّ نارٍ كأَنّمالَظَا الجْمرِ ما بَيْنَ الحشَا والتّرائب
كأَنَّ جُفوني يَوْمَ وارَيْتُ شَخْصَهشآبيبُ مُزْنٍ من ثِقال السَّحائبِ
تَعجَّبَ صَحْبي كيف لم تَجْرِ مُقْلتيمع الدِّمْع واُعتدّوا بها في الْعَجَائب
ولم يَعْلَموا أَنَّ المَدامعَ أَصلُهامن الْقَلْب لا من مُقْلَةٍ ذاتِ حاجِب
بِنَفْسيَ مَنْ بالأَجْوَلِيّةِ قَبْرُهتَمرُّ به ريحُ الصَّبا والجَنائب
مُعَطَّلَة أَكنافُه عن زِيارةٍبعيد مدىً عن حُسَّرٍ ونَوادِب
إذا ذَكَرَتْه النَّفْسُ كادَتْ بذكْرهتَفِيضُ عَلى ماءِ الْجُفون السَّواكب
أَعاذِلَتي كُفّي عن اللَّوْمِ في البُكافلستُ بباكٍ غَيرَ خِلٍّ وصاحب
ذَريني أُبكّي سَيِّداً لوْ وَزَنْتُهبكلِّ كريمٍ لا رْجَحَنَّ بِجانِب
فما بَكَتِ الباكونَ مِثْلَك مالِكاًولا خُمشِّتْ فيه خُدودُ الْكَواعِبِ
فَمَنْ لِجِيادِ الْخَيْلِ والْبِيضِ والقَناإِذا دَلَفَتْ تَبْغي قِراعَ الكَتائِب
ومَنْ لِلْيتامىوالأرامِلِ أَقْفَرَتْمعالِمُهمْ مِنْ بِرِّه المُتعاقِب
ومن لِغِراثٍ مُرْمِلين تطاوَحَتْبهم يَعْمَلاتٌ من طِلاحِ النَّجائِب
ومَنْ ذا يُجيرُ الْجارَ أَوْ يَكشِفُ الأَذىعن القوم في عُلْيا لُؤَيِّ بن غالِب
فُجِعْتُ به دونَ البريَّة واحداًفما مِثْلُه في شَرْقها والْمَغارِب
فأُقْسِم بالبيْتِ الْعَتِيق ومَن سعىبمَكَّة سَعيْاً بين ماشٍ وراكب
لَمَا وَجْدُ أُمِّ الذَّرْع قَدْ خَنَسَتْ لهبزَيْزاءَ مَرْتٍ في السنِّينَ اللَّوازِب
رَمى صِيرَها شَيْمُ الْبُروق وغُودِرَتْعلى طِفْلها تقَفْو به إِثْر ذاهِب
غَدَتْ تَرْتعي فَضْل اليَبيسَيْن وانْثَنَتْفَلَمْ تَلْقَ منه غَيْرَ مُلقى العَراقِب
وَوَلَّتْ وقد أَودى بها فَقْدُ ذَرْعهايُقَطِّعُ من أَوْصالها كلَّ صالب
ولا وَجْدُ رَبْدا ذاتِ وَحْيٍ خَلَتْ بهعَنِ الهَيْق في أَعلا عياس السَّباسِب
نَأَتْ تَفْتَلي زَهْرَ الرِّياضِ وغادَرَتْدَفِينَتَها بينَ الرُّبى فالْجَوانبِ
فهذَّلت الْوَطْفا هذا لَيل فانتحتإِليه كما يَنْحو شَريدُ المَجانب
فوافَتْه يتلو بَعْضُه الْبَعْض سابِحاًفَمِنْ بين طافٍ مُسْتَقِرٍّ وراسِب
تَوَلَّتْ ونيرانُ الأَسَى قد تأَجَّجَتْكأَنّ بَجَنْبَيْها دُفوفَ الضَّوارِب
ولا ذاتِ طَوْقٍ من حمائِم أَيْكَةٍبنَعْمان تسجو في الضُحَى والغَياهِب
غَدَتْ تَرْتعي نَحْوَ اليمَام وعاوَدَتْإِلى وَكْرها تَبْغيه عَوْدة آيِب
فأَلْفَتهُ قفراً من أَنيسٍ فَرَجَّعتفالأَجانب
بأَوجعَ من قلبي عَشِيَّةَ مالكٌبِوادي الغَضا مُلْقىً صَريعَ النوائب
خَلِيليَّ مُرّا بي علي قبر مالكٍفإِنّ لُباناتي بهِ ومآرِبي
وَحُطّا بِرَحْلي حيث حَلَّ فنآؤُهُفإنّ بذاك التُّرْبِ نَيْلَ مَطالبي
وقُولا له إِنْ جئتُماه فَبلِّغاعليكَ سَلامُ اللهِ يا خير طالبي
فإِنْ تَكُنِ الآفاقُ بَعْدَكَ أَظلمتْوخاب ذَوُو الآمالِ مِنْ كلِّ جانبِ
فَبالأَرْوع المَيْمون نَجْلِك إِنْجَلَتْلَياليُها حتى اهتَدى كُلُّ طالِب
وللشريف علي بن عيسي بن حمزة بن وهاس بن أبي الطيب الحسني السليماني ذكر أنه مات بمكة سنة ست وخمسين وخمسمائة وكان في عشر الثمانين، أصله من اليمن من مخلاف بني سليمان أنشدني له ابن عمه الأمير دهمش بن وهاس ابن عثور بن حازم بن وهاس الحسني وقد وفد إلى الملك الناصر صلاح الدين علي باب حلب في رابع عشرين ذي الحجة سنة إحدى وسبعين:
صِلي حَبْلَ المَلامَةِ أَو فَبُتّيولُمّي من عِتابِكِ أَو أَشِتّي
هِيَ الأَنْضاءُ عَزْمَةُ ذي هُمومٍفَحَسْبُكِ والمَلام ولا هُبلْتِ
إليكِ فلستُ مِمَّن يَطَّبيهمَلامٌ أَو يَريغُ إِذا أَهَبْتِ
حَلَفْتُ بها تُواهِقُ كالْحنَايابَقايا رِحْلةٍ كَسَمَالِ قَلْتِ
سَواهِمَ كالْحنايا رازِحاتٍتَرَاكَعُ من وَجىً ووَنىً وعَنْت
جَوازِعَ بطنِ نَخَلْةَ عابِراتٍتَؤُمُّ الْبَيْت من خمسٍ وَسِتّ
أَزالُ أُذيبُ أَنْضاءً طِلاحاًبِكُلِّ مُلَمَّعِ القَفَرات مَرْتِ
وأَرغَبُ عن مَحَلٍّ فيه أَضْحَتْحِبالُ المَجْد تَضْعُف عند مَتّي
أَما جَرَّبْتِ يا أَيامُ مِنّيفَرُوكَ تَجَمُّعٍ وحَليفَ شَتِّ
أَبِيّاً ما عَجَمْتِ صَفاه إِلاّوَأَثَّرَ في نُيوبكِ ما عَجَمْتِ
ورُبَّ أَخٍ كَريمِ الُوِدّ مَحْضٍيُراعُ لِدَعْوتي كالسَّيْفِ صَلْتِ
أَبَتْ نفسي فلم تَسْمَحْ بِشَكْوىإِليه غير ما جَلَدٍ وصَمْتِ
أَقولُ لنفسيَ المِشْفاقِ مَهلاًأَلَيْسَ عَلَى الرَزِيَّةِ ما أَضَرْت
لَئِنْ فارقتِ خَيْرَ عزىً لأَهْلٍفَخَيْرُ بني أَبيكِ بهِ نَزَلْتِ
وله من مرثية في الأمير قاسم بن محمد أمير مكة شرفها الله تعالى:
لا زَالَكِ الوابِلُ من حُفْرةٍأَيّ فتىً واريْتِ رَحْب الذِّراعْ
ولا عَدَتْكِ الْجِوْنُ صَخّابَةًمُلْقِيَةً مِنها عليكِ البعَاع
وارَيْتِ حَمّاء على العقب إِذأَدْبرن صَبّاع حباب الوقاع
الطاعِن النَّجْلاء نَغّارةًذا خُلُقٍ سَمْح وصَدْرٍ وَساعْ
والمُوقد النّار إذا أُخْفِيَتْفي رأْس صَمْدٍ ذاتِ أَزْلٍ شَناع
في حينَ لا تَرْأَم أَولادَها النَّيِّب ولا تَحْنو ذَواتُ الرّباع
قال وكتب إلى عمته وقد أرسلتإليه تقول له: إلى كم هذا البعد عنا والتغرب:
وَمُهْدِيةٍ عندي على نَأْي دارِهارسائلَ مُشْتاقٍ كريمٍ وسائِلُهْ
تقول إِلى كم يا ابنَ عيسى تَجَنُّباًوبُعْداً وكم ذا عَنْكَ رَكْباً نُسائِلهْ
فيُوشِك أَنْ تُودِي وما مِنْ حَفِيَّةٍعليكَ ولا باكٍ بما أَنت فاعِلُهْ
فقلتُ لها في الْعِيسِ والْبُعد راحةٌلِذي الهمِّ إِنْ أَعْيَتْ عليه مَقاتِلُهْ
وفي كاهلِ اللَّيْل الخُداريّ مَرْكَبٌوكم مَرَّةٍ نجّى من الضَّيْم كاهِلُهْ
إذا لم تَعادِلك الليَّالي بصاحِبٍفلا سَمَحَتْ بالنَّصْح عَفْواً أَناملهْ
فلا خَيْرَ في أَن تَرْأَمَ الضَّيْم ثاوِياًوغَيْظاً عَلَى طُولِ اللّيالي تُماطِلهْ
ذَرِيني فلي نَفْسٌ أَبي أَن يَدِرّهاعِصابٌ وقلبٌ يَشْرَبُ اليأْسَ حاصِلُهْ
إِذا سيم وِرْداً بعد خمسين شَمَّرَتْعن الماءِ خَوفَ المُقذِعاتِ ذَلاذِلهْ
وذكره عمارة الشاعر في شعراء اليمن وقال: هو الذي رئى المأربي والده عيسى حين قتله أخوه يحيى. وكان رأس الزيدية بالحرمين.
ومن جملة شعره أبيات كتبها إلى الأمير هاشم بن فليتة بن قاسم أمير مكة يشفع في جماعة حبسهم من الزيدية، فوهبهم له وأمر بإخراجهم إليه، منها:
أَبا قاسمٍ شَكْوَى امرىءٍ لك نُصْحُهُتَفَكَّرَ فيها خُطَّةً فَتَحيَّرا
على أَيّ أَمرٍ ما تُساق عِصابةٌإِلى السّجْن والَوْا جَدَّك المُتَخَيَّرا
ولمْ يَعْدِلوا خَلقْاًَ بكم آلَ أَحْمدٍولا أَنكروا إِذ أَنْكَر النَّاس حَيْدرا
أَتاك بهم ما طَنَّ في مَسْمَع الوَرَىوسارت بهِ الرُّكْبان عَدْلاً ومَفْخَرا
يَجُرّون أَطرافَ السَّريح عَلَى الْوَجامُنَاقَلَةً بين الْهَواجِر والسُّرى
لكِ اللهُ جاراً من قلوبٍ تَطايَرَتْحَشاها ومِنْ دمعٍ جَرى مُتَحدِّرا
ومِنْ كلِّ أَوّاهٍ وأَشْعَث مُخْبِتٍإِذا صُدّ عن قَصْدِ الثَّنِيَّةِ كَبَّرا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع