تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

مقدمة العماد لقسم شعراء الشام

وشعر الشاميين أصح وزناً، وأسح مزناً؛ وأمتن صيغةً، وأحسن صبغةً، وأحكم صنعةً، وأسلم رقعةً؛ وأرفع نسجاً، وأنفع مزجاً، وأقوم معنىً، وأحكم مبنىً، فإن العراقيين، بغاية لطفهم، ونهاية ظرفهم، غلبت الرقة على كلامهم حتى اعتل نسيم نسيبهم، وانماعت في ماء اللطف صناعة ترتيبهم وتهذيبهم، فكأن نظمهم روحٌ بلا شبح، وراحٌ بلا قدح. وأما أهل الشام فإن جبلة جبلهم اقتضت لهم إحكام الحكم، وأفضت بهم إلى إتقان الكلم، وقصدوا الإمعان في المعاني، وخلوا للمجان حلاوة المجاني، فخشنوا ولانوا، وعزوا وهانوا، ودنوا وما دانوا، وبعدوا وما بانوا وأبدعوا، فأولئك رقوا، وهؤلاء دقوا، على أن أهل العراق إذا ندر فيهم من ملك من الرقة رقها، وأعطى الصنعة حقها فاق الكل وفات، وأرى في صورة نظمه من اللذات الذات، لكن الطبع للعرب أغلب، وأنبع من الغرب أصوب وأصلب، والعراق أعرب وأعرق، والشام أغرب وأغرق، وفضلاء الإقليمين أعيان، وملء قلائدهم درٌ وعقيان، وحشوُ فرائدهم لؤلؤٌ ومرجان، ولكل زند اقتداحٌ، ولكل قريحةٍ اقتراح، ولكل خاطرٌ خطرٌ، ولكل ناظرٍ نظرٌ، وصناعة الشعر مختلفةٌ، وأربابها متفاوتةٌ، وللشعراء فيما يحسنون مراتب، وللناس فيما يعشقون مذاهب، والغرائز من الله مواهب، ولشموس القرائح ورياضها مشارق ومشارب، والبواعث لمواضيها صياقل، والحوادث عن مراميها حوائل، والدواعي لها دواعم، والمعالي لأهلها معالم.

ولقد كان مجد العرب العامري حين كان بأصفان في سنتي ثلاث وأربع وأربعين يثني على فصحاء الشام ويفضلهم على سواهم، وينجذب إلى جانب هواهم، ويظهر بإنشاد بدائعم، وإيراد صنائعهم ما فضلوا به من القوى في القوافي، وبعد المطار بقوادم القدرة فيها الخوافي، وينشر من مفصلات ابن الخياط كل وشيٍ مذهب الطراز، ويورد من قسيات القيسراني كل ما يشهد أعجاز صدور عصره بحسن صدوره والأعجاز، وينير لنا من محاسن ابن منير ما يترنح ويتملح له عطف الأهتزاز، وطرف الإعتزاز، ويعدد ويشدد، ويكرر التعصب لهم ويردد، ويعلل له وأنا أطالبه بالتأثير، ويبرز الإخالة والمناسبة بحسن التعبير ويقول: من كابن حيوس، لا سيما في متح معين المدح، وكابن سنان الخفاجي في إنارة سنا خاطره السمح، وهل للعراقيين رقة عبد المحسن الصوري المحسن في إبداع الصور، واختراع الغرر، ومن أدرك مغزى الغزي الذي ينظم الدرر، في سلك المعنى المبتكر، وهل كان البحتري إلا من الشام، وكذلك أبو تمام؟. فقلت إن له العراق أعدى بالرقة حبيباً والوليد، ومن يقاوم من أولئك أبا الطيب إذا أنشأ القصيد؟ وكيف رضيت بإهمال الرضي والمرتضى، والفضلاء المتقدمين الذين أفق زمانهم بهم أضأ، وإنما لكل عصرٍ عصارة، ولكل زمانٍ بأفاضل بنيه نضارة وغضارة، ولكل مكانٍ مكين، ولكل معانٍ معين، ولكل أرضٍ روض، ولكل فهم في حوض العلم خوض.

وكنت مدة مقامي في بغداد أتشوق إلى تلقاء الشام، وأود لقاء أهل الفضل الكرام، حتى وصلت إلى دمشق في شعبان سنة اثنتين وستين وخمسمائة فوجدت الشام عادماً للعلماء والأعلام، وصادفته قد صدف عنه الفضل، وصدح به الجهل، خاوياً على عروشه، خالياً من نقوشه، لا يلفي به آلف، ولا يعرف لذوي المعرفة عارفٌ، فكدت أضيع، وكيف لا وقد اتضع الرفيع، وارتفع الوضيع، فنزلت بحجرة، وأويت من مدرسةٍ في دمشق إلى حجرة، وحصلت مما ذهبت به سرقة موجودي في غمرة، ومنيت بالكربة، في الغربة، وانسدت علي طريق الأوبة، للنبوة التي عرت في النوبة، فقصدت ملكها العادل نور الدين أبا القاسم محمود بن زنكي بن آق سنقر أنزل الله عليه رحمته، وبل برذاذ رضاه تربته، بقصيدةٍ موسومة على اسمه أولها:

لَوْ حَفِظَتْ يَوْمَ النَّوَى عُهُودَهاما مَطَلَتْ بِوَصْلها وُعودَها
للشاعر عماد الدين الأصبهاني، اقرأ القصيدة

فلما تأملها وراقه حسن خطها قبلها، وسأل عني، فوصفت له فاستدعاني، وولاني عمله واستكتبني أولاً، ثم استكفاني فجعلني له في مملكته معتمداً عليه مولاً، وقلد السماع في حقي فقلدني، ورآني أسد سهمٍ لأغراض الإصابة فسددني، واعتقد أنه ظفر مني بمن ما له نظير، وافتقد مملكته فإذا روضها عندي بآثار البراعة واليراعة نضير، وكان يظن أن الشمس من أفقي بازغة، وأن حجة ملكه من خلقي بالغة، وما زلت معه من الله في زيادةٍ ونموٍ، وسعادةٍ وسمو إلى أن حج إلى كعبة الخلد، وزج في تربة اللحد، وطار من عش العيش إلى فناء الفناء، وانتقل من دائرة الدوائر إلى مركز البقاء، ودار الجزاء، وذلك يوم الأربعاء حادي عشر شوال سنة تسعٍ وستين وخمسمائة بدمشق، فضاعت المملكة، وذاعت الهلكة، ورفعت البركة، ونفعت لأمثالي في الانتقال الحركة، وانحلت حبي الأحقاد من الحساد، وتبدل بالاختلال السداد، وزمت نحوي ظعائن الضغائن، ونثلت لنضالي كوامن الكنائن، وعاد الحاسد للزرع، حاشداً للجمع، واختل النظام، واختلف اللئام، واستضعف الكرام، وطغى الطغام، وضعا الإسلام، ورعى الرعاع مراعي المراء، وبدت في ظلم الظلم أضواء الضوضاء، وحلبت حلب أخلاف الخلاف، وبغي البغاة إتلاف شخص الائتلاف، وعاد الشيطان الرجيم شهاباً راجماً، وأصبح مدمع أخي الفضل ساجماً، وأمسى شر أهل الجهل ناجماً، فعزمت على الترحل، وأزمعت السير إلى الموصل، ونويت العود إلى العراق، مأوى الرفاق، أهل الوفاء والوفاق، وسألني الكريم ابن الكريم جلال الدين ابن جمال الدين الوزير أن أقيم عنده شهراً، فأنست به ووجدته في المروءة والكرم والعلم بحراً ثم وصل إلي البشير بوصول الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب أعز الله سلطانه، ورفع بقمع شانيه شانه إلى الشام، وإعادته إلى أحسن حالاته وحلاه في النظام، وافترار ثغور الثغور الإسلامية عن ثنايا الثناء عليه، واضرار الجماعة لما كانوا فيه من الاضطراب إليه، وأنه قد هذب ما تشذب، وشعب صدع ما تشعب، وهضم من هضم، وقصم من خصم، وجمع ما تفرق، ورقع ما تخرق، وأطفأ الإحن المشبوبة، وعفى المحن المجلوبة، وأنه قد جل قدر جلق به، وهو حقاً سلطان الإسلام كما نزل من السماء في لقبه، فقلت لصاحبي هذا أوان سفور وجه الأمل، وزمان إسفار صبح الجذل، ولو كنت اليوم ببغداد وسمعت بوصوله، لأسرعت إلى قصده، وكرعت من ورده، وأترعت من عده، فأسرج الخيل، وأدلج الليل، وفارق الوشل واطلب السيل فإن العود أحمد، ومن يقعد يجمد، والجمر متى لم تهجه يخمد، والماء متى لم تجره يركد، والسيف وقت الحاجة لا يغمد، والقلب إن منعته السؤل يكمد، ثم ثنيت عناني راجعاً، وما ونيت فيما عناني مسارعاً، وجبت التنائف، وجزت المخاوف، وقطعت الغياهب إلى الفجر، والجداول إلى البحر، والثماد إلى الغمر، والنقاد إلى الهزبر، والظلماء إلى الصبح، والبخلاء إلى السمح، فربحت صفقتي، ونجحت سفرتي، وحليت حالتي، وتهللت هالتي، فتلقاني الملك الناصر برحبه، وبر حبه، ورفع حظوظي من الحضيض، وأهدى الصح لرجائي المريض، وأعاد المدرسة التي كنت مدرسها إلي، وحكمني في ديوانه وعول في سلطانه علي، ورعي في معرفة أسلافه لأسلافي، وجعل السعود في جميع المقاصد من أحلافي، ولقد كان قصدي في مبتدأ الأمر لوالده نجم الدين أيوب وعمه أسد الدين شيركوه، بوأهما الله رياض رضوانه، وغرفات غفرانه، لمعرفتهما بعمي صدر الصدر الشهيد عزيز الدين فإنه لما اعتقل بقلعة تكريت وكانت ولايتهما إليهما رداً عنه الردى، وذادا عن قصده العدى، وبقي عندها مدةً يجتهدان في الدفاع عنه، والعدو ينفذ إليهما في أمره وهما على الامتناع منه، حتى حضر بهروز الخصي صاحب القلعة بنفسه، وأحضر معه من الملاحدة من أظهر في غير الملأ حدة فرسه، وتم عليه المكروه وهما كارهان، وفارقا تكريت بعد ذلك الأوان، وكانا كلما ذكراه، رحمهما الله، يشيدان بذكر ما شاهداه من مشاهد كراماته، في شهود خلواته، وسجود صلواته.

فلما وصلت إلى الشام في سنة اثنتين وستين صادفت أسد الدين مشغولاً بفتح مصر في النوبة الثانية واتفق عوده، ورميم روض أملي من جودٍ جوده، وقد كان شغلني نور الدين نور الله روحه يشغله، ولقيت أسد الدين فغمرني بطوله، وتعرفت إلى صلاح الدين في تلك الأيام، وأهديت له من المدح غر الكلام، وما زلت به خصيصاً، وعلى التقرب إليه حريصاً، حتى سار مع عمه في النوبة الثالثة إلى مصر ففتحها وتملكها، وأجرى على مدار مراده فلكها، ومكثت في الشام بالخدمة النورية، وأنا بإحسانهم مشمول، وفي سلطانهم مقبول، فلما انتهى إليه الملك، واستوى على جودي جوده الفلك، حفظ العهود، وأحفظ الحسود، وفاء إلى الوفاء، وأبى غير الإباء، في إحياء موات الإنشاء؛ وما أشكر إلا أفضال سيدنا القاضي الأجل الفاضل أبي علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن، دام بأنواء فواضله، وأنوار فضائله، حسنى القدر وحسن الزمن، فإنني لما عدت إلى دمشق وجدت جماعةً من الحساد، قد نفخوا بحكم غيبتي في ضرم الفساد، وخيلوا للسلطان أموراً، وجاءوا إفكاً وزوراً، وكاد كيدهم يكيد، وأيدهم في التزيد يزيد، فجاء حق الباطل وزهق باطلهم، ودحضت غواياتهم وغوائلهم، وبين للسلطان افتقاره إلى مثلي، واشتهاره بفضلي، فأنا إلى الآن في حمايته، وعنايته وتربيته، لا أعرف غير الفاضل مفضلاً، ولا أرى بعد الله على سواه معولاً، ولا أظن أن في الوجود، مثله في الفضل والمروءة والكرم والعلم والجود.

وإنما ذكرت هذا الفصل في هذا القسم الثالث تنبيهاً على فضل الشام بفضل بني أيوب، المجيرين من الحوادث الكوارث، وكان قصدي لهم في السفر إليه من أكبر البواعث.

وأقدم ذكر فضلاء دمشق، فإنها عين البلاد وحدقتها، وجنتها وحديقتها، ولقد قال نور الدين يوماً: ما أطيب دمشق، ولكني مشتغلٌ بالجهاد عن ملاذها، وراحتي في متاعب المملكة في النفاد، وأنا لا أجد راحة نفاذها، فنظمت له في الأبيات بديهةً:

لَيْسَ في الدنيا جميعاًبلدةٌ مثلُ دِمشقِ
للشاعر عماد الدين الأصبهاني، اقرأ القصيدة
ويُسَلِّينَي عنهافي سبيل اللهِ عِشقي
للشاعر عماد الدين الأصبهاني، اقرأ القصيدة
والتُّقى الأَصْلُ ومَنْ يَتْرُكهُ يَشْقى ويُشْقى
للشاعر عماد الدين الأصبهاني، من قصيدة «ليس في الدنيا جميعا»
كم رَشيقٍ شاغلٌ عنهـ بسهم الغَزْوِ رَشقي
للشاعر عماد الدين الأصبهاني، اقرأ القصيدة
وامْتِشاقُ البَيْض يُغْنيعنه بالأَقلام مَشْقي
للشاعر عماد الدين الأصبهاني، اقرأ القصيدة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من قسم شعراء الشام

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.