من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
باب في ذكر محاسن الشعراء بدمشق وأعمالها وفيه ذكر أعيان الساحل ابن الخياط الدمشقي
هو أبو عبد الله أحمد بن محمدٍ، عاش على سمعته إلى آخر سنة سبع عشرة وخمسمائةٍ، وتوفي في سابع عشر رمضان منها، وكان قد سافر إلى بلاد العجم مع أبي النجم بن بديعٍ الأصفهاني، وبلغ الري، وعاد منها إلى دمشق. ومات بها بعد ذلك بمدةٍ.
وكان جيد الشعر رقيقه، وله فضله على شعر غيره، فلأجل ذلك قدمت ذكره، وفضلت شعره، ذكره مجد العرب العامري بأصفهان في جمادى الأولى سنة ستٍ وأربعين وخمسمائة قال: حدثني بعض الفضلاء بالشام مخبراً عن ابن الخياط في حداثه سنه. أنه قال: دخلت على الأمير أبي الفتيان محمد بن سلطان ابن حيوسٍ الشاعر في داره بحلب، وهو شيخٌ كبير القدر والسن، فوجدته متكئاً على فراشه، وعنده حلاوةٌ يأكلها، فما استوى لي جالساً وقال: من أين الرجل؟ فقلت: من دمشق. قال فما صناعتك؟ قلت: الشعر. قال هات مما أحدثت الآن من شعرك. فأنشدته، وذلك في سنة اثنتين وستين وأربعمائةٍ:
لمْ يَبْقَ عِنْدي ما يُباعُ بِحَبَّةٍوَكَفاكَ شاهِدُ مَنْظَري عَنْ مَخْبَري
إلاّ صُبابةُ ماءِ وَجْهٍ صُنْتُهامِنْ أَنْ تُباعَ وَأَيْن أَيْنَ المُشَتري
فقال: كرمت عندي، ونعيت إلي نفسي، فإن الشام لا تخلو عن شاعرٍ مجيدٍ، ولا يجتمع فيها شاعران، فأنت وراثي في هذه الصناعة، ولكن لا تنتفع بشعرك في هذه البلدة وفيها مثلي، فاقصد بني عمارٍ بطرابلسٍ، فإنهم يحبون هذا الفن. ووصلني ابن حيوسٍ بثيابٍ ودنانير. ومضيت إلى بني عمارٍ ومدحتهم، فأحسنوا إلي وألجأوني إلى إجادة شعري.
وابن حيوسٍ كان أصنع من ابن الخياط، لكن لشعر ابن الخياط طلاوةٌ ليست لشعره. وله:
يُحْتاجُ في الشِّعْرِ إلى طُلاوَهْ
والشِّعْرُ ما لمْ يَكُ ذا حَلاوَهْ
فَإنَّما سَماعُهُ شَقاوَهْ
وكان من ينظر إلى ابن الخياط يعتقد أنه جمالٌ أو حمالٌ لشكله وطوله وعرضه وبزته، وما كانت صورته تنبئ عن ذكائه ولطفه وفضله وفطنته.
ولم أذكر شعر ابن حيوسٍ في هذا المجموع، لكونه لم يكن في العصر الذي ذكرت شعراءه، لو أوردت شعره، لزمني أن أورد شعر معاصريه، فيطول الكتاب.
فمن قلائد قصائد ابن الخياط، وفرائد فوائده، قصيدته في مدح عضب الدولة أبق بن عبد الرزاق أمير دمشق، حكي عنه أنه قال: صقلت هذه القصيدة أربعين سنةً، وهي:
خُذا مِنْ صَبا نَجْدٍ أَماناً لِقَلْبِهِفَقَدْ كادَ رَيّاها يَطيرُ بِلُبِّهِ
وَإيّاكُما ذاكَ النَّسيمَ فإنَّهُمَتى هَبَّ كانَ الْوَجْدُ أَيْسَرَ خَطْبِهِ
خَليَليَّ لَوْ أَحْبَبْتُما لَعَلِمْتُمامَحَلَّ الْهَوى منْ مُغْرَمِ الْقَلْبِ صَبِّهِ
تَذَكَّرَ وَالذِّكرى تَشوقُ وَذُو الْهَوىيَتوقُ ومَنْ يَعْلَقْ بهِ الْحُبُّ يُصْبِهِ
غَرامٌ عَلَى يَأْسِ الْهَوى وَرَجائهِوَشَوْقٌ عَلى بُعْدِ الْمَزارِ وَقُرْبِه
وَفي الرَّكْبِ مَطْوِيُّ الضُّلوعِ عَلَى جَوًىمَتى يَدْعُهُ داعي الْغَرامِ يُلَبِّهِ
إذا خَطَرَتْ منْ جانِبِ الرَّمْلِ نَفْحَةٌتَضَمَّنَ منها داءَهُ دُونَ صَحْبهِ
وَمُحْتَجِبٍ بَيْنَ الأَسِنَّةِ مُعْرِضٍوَفي الْقَلْبِ مِنْ إعْراضِه مِثْلُ حُجْبِهِ
أَغارُ إذا آنَسْتُ في الْحَيِّ أَنَّةًحِذاراً وَخَوْفاً أَنْ تكُونَ لِحُبِّهِ
لم يسبقه أحدٌ إلى هذه المبالغة في الغيرة.
وَيَوْمَ الرِّضى وَالصَّبُّ يَحْمِلُ سُخْطَهُبِقَلْبٍ ضَعيفٍ عَنْ تَحَمُّلِ عَتْبِهِ
جلاَ ليَ بَرّاقَ الثَّنايا شَتِيتَهاوَحَلأَّني عَنْ بارِدِ الْوِرْدِ عَذْبِهِ
كَأَنِّيَ لمْ أَقْصُرْ بهِ اللَّيْلَ زائِراًتَحولُ يَدي بَيْنَ الْمِهادِ وَجَنْبِهِ
وَلا ذُقْتُ أَمْناً مِنْ سَرِارِ حُجُولِهِوَلا ارْتَعْتُ خَوْفاً مِنْ نَميمَةِ حُقْبهِ
فَيا لَسَقامي مِنْ هَوى مُتَجَنِّبٍبَكى عاذِلاهُ رَحْمَةً لِمُحِبِّهِ
وَمِنْ ساعَةٍ لِلْبَيْنِ غَيْرِ حَميدَةٍسَمَحْتُ بِطَلِّ الدَّمْعِ فيها وَسَكْبِهِ
أَلاَ لَيْتَ أَنّي لَمْ يَحُلْ بَيْنَ حاجِرٍوَبَيْني ذُرى أَعْلامِ رَضْوى وَهَضْبِهِ
وَلَيْتَ الرِّياحَ الرّائِحاتِ خَوالِصٌإلَيَّ وَلَوْ لاقَيْنَ قَلْبي بِكَرْبهِ
أَهيمُ إلى ماءٍ بِبُرْقَةِ عاقِلٍظَمِئْتُ عَلى طُولِ الوُرودِ بِشُرْبهِ
وَأَسْتافُ حُرَّ الرَّمْلِ شَوْقاً إلى اللِّشوىوَقَدْ أَوْدَعَتْني السُّقْمَ قُضْبانُ كُثْبِهِ
وَلَسْتُ عَلى وَجْدي بأَوَّلِ عاشِقٍأَصابَتْ سِهامُ الْحُبِّ حَبَّةَ قَلْبهِ
صَبَرْتُ عَلى وَعْكِ الزَّمانِ وَقَدْ أُرىخَبيراً بِداءِ الْحادِثاتِ وَطِبِّهِ
وَأَعْرَضْتُ عَنْ غُرِّ الْقَوافي وَمَنْطِقيمَلِئٌ لِمُرْتادِ الْكَلامِ بِخِصْبِهِ
وَما عَزَّني لَوْ شِئْتُ مَلْكٌ مُهَذَّبٌيَرى أَنَّ صَوْنَ الْحَمْدِ عَنْهُ كَسَبِّه
لَقَدْ طالمَا هَوَّمْتُ في سِنَةِ الْكَرىوَلا بُدَّ لي مِنْ يَقْظَةِ الْمُتَنَبِّهِ
سَأَلْقي بِعَضْبِ الدَّوْلَةِ الدَّهْرَ وَاثِقاًبِأَمْضى شَباً مِنْ بِاتِرِ الْحَدِّ عَضْبِهِ
وَأَسْمو عَنِ الآمالِ هَمّاً وَهِمَّةًسَمُوَّ جَمالِ الْمُلْكِ عَنْ كُلِّ مُشْبِه
هُوَ الْمَلْكُ يَدْعُو المُرْمِلينَ سَماحُهُإلى واسِعٍ باعَ الْمَكارِمِ رَحْبِهِ
يُعَنَّفُ مَنْ لمْ يَأْتِه يَوْمَ جُودِهِوَيُعْذَرُ مَنْ لمْ يَلْقَهُ يَوْمَ حَرْبِهِ
كَأَنّي إذا أَحَيَّيْتُهُ بِصِفاتِهأَمُتُّ إلى بَدْرِ السَّماءِ بِشُهْبِه
هُوَ السَّيْفُ يُغْشي ناظِراً عِنْدَ سَلِّهِبَهاءً وَيُرْضي فاتِكاً يَوْمَ ضَرْبِه
يَرُوقُ جَمالاً أَوْ يَرُوعُ مَهابَةًكَصَفْحِ الْحُسامِ الْمَشْرَفِيِّ وَغَرْبِه
همُامٌ إذا أَجْرى لِغَايَةِ سُؤْدُدٍأَضَلَّكَ عَنْ شَدِّ الْجَوادِ وَخَبِّهِ
تَخَطّى إلَيها وادِعاً فَكأَنَّهُتَمَطّى عَلَى جُرْدِ الرِّهانِ وَقُبِّهِ
وَما أَبَقٌ إلاّ حَياً مُتَهَلِّلٌإذا جادَ لْم تُقْلِعْ مَواطِرُ سُحْبِهِ
أَغَرُّ غِياثٌ لِلْأنَامِ وَعِصْمَةٌيُعاشُ بِنُعماهُ وَيُحْمي بِذَبِّهِ
يَقولونَ تِرْبٌ لِلْغمامِ وإَنمَّارَجاءُ الْغَمامِ أَنْ يُعَدَّ كَتِرْبِهِ
فَتىً لمْ يَبْتْ وَالْمَجْدُ مِنْ غَيْرِ هَمُهِوَلْم يَحْتَرِفْ وَالْحَمْدُ منْ غَيْرِ كَسْبِه
وَلْم يُرَ يَوْماً راجِياً غَيْرَ سَيْفِهِوَلمْ يُرَ يَوْماً خائِفاً غَيْرَ رَبِّهِ
تَنَزَّهَ عَنْ نَيْلِ الْغِنى بِضَراعَةٍوَلَيْسَ طَعامُ اللَّيْثِ إِلاّ بِغَصْبِهِ
أَلاَ رُبَّ بِاغٍ كانَ حاسِمَ فَقْرِهِوَباغٍ عَليْهِ كانَ قاصِمَ صُلْبِهِ
وَيَوْمِ فَخارٍ قَدْ حَوى خَصْلَ مَجْدِهوَأَعْداؤُهُ فيما ادَّعاهُ كَحِزْبِهِ
هُوَ السَّيْفُ لا تَلْقاهُ إلاّ مُؤَهَّلاًلإَِيجابِ عِزٍّ قاهِرٍ أَوْ لِسَلْبِهِ
مِنَ الْقَوْمِ قادُوا الدَّهْرَ وَالدَّهْرُ جامِحٌفَراضوهُ حَتّى سَكَّنوا حَدَّ شَغْبِهِ
بِحارٌ إذا أَنْحَتْ لَوَازِبُ مَحْلِهِجِبالٌ إذا هَبَّتْ زَعازِعُ نُكْبِهِ
إذا ما وَرَدْتَ الْعِزَّ يَوْماً بِنَصْرِهْمأَمَلَّكَ مِنْ رَشْفِ النَّميرِ وَعَبِّهِ
أَجابَكَ خَطِّيُّ الْوَشيجِ بِلُدْنهِوَلَبّاكَ هِنْدِيُّ الْحَدِيدِ بِقُضْبِهِ
أُعيدَ لَهُمْ مَجْدٌ عَلَى الدَّهْرِ بَعْدَمامَضى بِقَبيلِ الْمَجْدِ مِنْهُمْ وَشَعْبِهِ
بِأَرْوَعَ لا تَعْيا لَدَيْهِ بِمَطْلَبٍسِوى شَكْلِهِ في الْعالَمِينَ وَضَرْبهِ
تُرَوِّضُ قَبْلَ الرَّوْضِ أَخْلاقُهُ الثَّرىوَتَبْعَثُ قَبْلَ السُّكْرِ سُكْراً لِشَرْبِه
وَتَفْخَرُ دارٌ حَلَّها بِمُقامِهِوَتَشْرُفُ أَرْضٌ مَرَّ فيها بِرَكْبِهِ
وَلَمَّا دَعَتْهُ عَنْ دِمَشْقَ عَزيمَةٌأَبى أَنْ يَخِلَّ الْبَدْرِ فِيها بِقُطْبِه
تَرَحَّلَ عَنْها فَهْيَ كاسِفَةٌ لَهُوَعادَ إلَيْها فَهْيَ مُشْرِقَةٌ بِهِ
وَإِنَّ مَحَلاً أُوْطِئَتْهُ جِيادُهُلَحَقٌّ عَلَى الأَفْواِه تَقْبيلُ تُرْبِه
رَأَيْتُكَ بَيْنَ الْحَزمِ وَالْجُودِ قائِماًمَقامَ فَتى الْمَجْدِ الصَّميمِ وَنَدْبِهِ
فَمِنْ غِبِّ رَأْيٍ لا تُساءُ بِوِرْدِهِوَمِنْ وِرْدِ جُودٍ لا تُسَرُّ بِغِبِّهِ
وَلَمَّا اسْتَطالَ الْخَطْبُ قَصَّرْتَ باعَهُفَعادَ وَجِدُّ الدَّهْرِ فيهِ كَلِعَبْهِ
وَما كانَ إلّا الْعَرَّ دَبَّ دَبيبُهُفأَمَّنْتَ أَنْ تُعْدَى الصِّحاحُ بِجُرْبهِ
وَصَدْعاً مِنَ الْمُلْكِ اسْتَغاثَ بِكَ الْوَرىإلَيْهِ فما أَرْجَأْتَ في لَمِّ شَعْبِهِ
فَغاضَ أَتِيٌّ كُنْتَ خائِضَ غَمْرِهِوَأَصْحَبَ خَطْبٌ كُنْتَ رائِضَ صَعْبِه
أوردت شعره، لزمني أو اورد شعر معاصريه، فيطول الكتاب.
فمن قلائد قصاد ابن الخياط فوائد فوائده، قصيدته في مدح عضبٍ الدولة أبق بن عبد الرزاق أمكير
حُبيتَ حَياءً في سَماحٍ كأَنَّهُرَبيعٌ يَزينُ النَّوْرُ ناضِرَ عُشْبِه
وَأَكْثَرْتَ حُسّادَ الْعُفاةِ بِنائِلٍمَتى ما يُغرِ يَوْماً عَلَى الْحَمِد يَسْبِهِ
مَناقِبُ يُنْسيكَ الْقَديمَ حَديثُهاوَيَخْجَلُ صَدْرُ الدَّهْرِ فِيها بِعُقَبْهِ
لَئِنْ خَصَّ مِنْكَ الْفَخْرُ ساداتِ فُرْسِهلَقَدْ عَمَّ مِنْكَ الْجُودُ سائِرَ عُرْبِه
إذا ما هَزَزْتُ الدَّهْرَ باسْمِكَ مادِحاًتَثَنّى تَثَنِّي ناضِر الْعُودِ رَطْبهِ
وَإِنَّ زَماناً أَنْتَ مِنْ حَسَناتِهِحَقيقٌ بأَنْ يَخْتالَ مِنْ فَرْطِ عُجْبِهِ
مَضى زَمَنٌ قَدْ كانَ بالْبُعْدِ مُذْنِباًوَحَسْبي بِهذا الْقُرْبِ عُذْرِاً لذَنْبِه
وَما كُنْتُ بَعْدَ الْبيْنِ إلاّ كَمُعْدِمٍتَذَكَّرَ عَهْدَ الرَّوْضِ أَيّامَ جَدْبهِ
وَعِنْدي عَلَى الْعِلّاتِ دَرُّ قَرائحٍحَوى زُثبَدَ الأَشْعارِ ما خِضُ وَطْبِهِ
وَمَيْدانُ فِكْرٍ لا يُحازُ لَهُ مَدًىوَلا يَبْلُغُ الْإسهابُ غايَةَ سَهْبِه
يُصَرِّفُ فيهِ الْقَوْلَ فارِسُ مَنْطِقٍبَصيرٌ بِإرْخاءِ الْعِنانِ وَجَذْبِه
وَغَرَّاءُ مَيَّزْتُ الطَّويلَ بِخَفْضِهافَطالَ عَلَى رَفْعِ الْكَلامِ وَنَصْبِه
مِنَ الزُّهْرِ لا يُلْفَيْنَ إلاّ كَواكِباًطَوالعَ في شَرْقِ الزَّمانِ وَغَرْبِه
حَوالِيَ مِنْ حُرِّ الشَّناءِ وَدُرِّهِكَواسِيَ مِنْ وَشْيِ الْقَريضِ وَعَصْبِه
خَطَبْتَ فَلَمْ يَحْجُبْكَ عَنْها وَلِيُّهاإذا رُدَّ عَنْها خاطِبٌ غَيْرَ خِطْبِه
ذَخَرْتُ لَكَ الَمْدحَ الشَّريفَ وَإنَّماعَلَى قَدْرِ فَضْلِ الزَّنْدِ قَيمَةُ قُلْبِه
فَجُدْهُ بِصَوْنٍ عَنْ سِواكَ وَحَسْبُهُمِنَ الصَّوْنِ أَنْ يُغْري السَّماحُ بِنَهْبِه
وقصيدته في مدح فخر الملك أبي علي عمار بن محمد بن عمارٍ بطرابلس، وهي درةٌ يتيمةٌ، ما لها في رقة غزلها قيمةٌ، بألفاظٍ يكثف عندها الهواء ومعانٍ تقف عليها الأهواء، وهي:
هَبُوا طَيْفَكم أَعْدي عَلَى النَّأْيِ مَسْراهُفَمَنْ لِمَشُوقٍ أَنْ يَهُوِّمَ جَفْناهُ
وَهْلْ يَهْتَدي طَيْفُ الْخَيالِ لِناحِلٍإذا السُّقْمُ عَنْ لَحْظِ الْعَوائدِ أَخْفاهُ
غِنًي في يَدِ الأَحْلامِ لا أَسْتَفيدُهُوَدَيْنٌ عَلَى الأَيّامِ لا أَتَقاضاهُ
وَما كُلُّ مَسْلوبِ الرُّقادِ مُعادُهُومَا كُلُّ مَأْسورِ الْفُؤادِ مُفاداهُ
يَرى الصَّبْرَ مَحْمودَ الْعَواقِبِ مَعْشَرٌومَا كُلُّ صَبْرٍ يَحْمَدُ الَمْرءُ عُقْباهُ
لِيَ اللهُ مِنْ قَلْبٍ يُجَنُّ جُنونُهُمَتى لاحَ بَرْقٌ بِالْقَريَنْينِ مَهْواهُ
أَحِنُّ إذا هَبَّتْ صَباً مُطْمَئِنَّةٌحَنينَ رَذايا الرَّكْبِ أَوْشَكَ مَغْداهُ
خَوامِسَ حَلّاها عَنِ الْوِرْدِ مَطْلَبٌبَعيدٌ على الْبُزْلِ الَمصاعِيبِ مَرْماهُ
هَوًى كُلَّما عادَتْ مِنَ الشَّرْقِ نَفْحَةٌأَعادَلِيَ الشَّوْقَ الَّذي كَانَ أَبْداهُ
وَما شَعَفي بالرّيحِ إلاّ لأِنَّضهاتَمُرُّ بِحَيّ دُونَ رامَةَ مَثْواهُ
أُحِبُّ ثَرى الْوادي الَّذي بانَ أَهْلُهُوَأَصْبُو إلى الرَّبْعِ الَّذي مَحَّ مَغْناهُ
فَما وَجَدَ النِّضْوُ الطَّليحُ بِمَنْزِلٍرَأَى وِرْدَهُ في ساحَتَيْهِ وَمَرْعاهُ
كَوَجْديِ بِأَطْلالِ الدِّيارِ وَإنْ مَضىعَلَى رَسْمِها كَرُّ الْعُصورِ فَأَبْلاهُ
دَوارِسَ عَفَّاها النُّحولُ كَأَنَّماوَجَدْنَ بِكُمْ بَعْدَ النَّوى ما وَجَدْناهُ
أَلاَ حَبَّذا عَهْدُ الْكَثيبِ وَناعِمٌمِنَ الْعَيْشِ مَجْرُورُ الذُّيولِ لَبِسْناهُ
لَيِاليَ عاطَتْنا الصَّبابَةُ دَرَّهافَلَمْ يَبْقَ مِنْها مَنْهَلٌ ما وَرَدْناهُ
وَلِلّهِ وادٍ دُونَ مَيْثاءِ حاجِرٍيَصِحُّ إذا اعْتَلَّ النَّسيمُ خُزاماهُ
أُناشِدُ أَرْواحَ الْعَشِيَّاتِ كُلَّمانَسَبْنَ إلى رَيَّا الأَحِبَّةِ رَيَّاهُ
أَناشَتْ عَرارَ الرَّمْلِ أَمْ صافَحَتْ ثَرًىأَغَذَّ بهِ ذاكَ الْفَريقُ مَطاياهُ
خَليَليَّض قَدْ هَبَّ اشْتِياقي هُبُوبُهاحُسوماً فَهَلْ مِنْ زَوْرَةٍ تَتَلافاهُ؟
أَعِينا عَلَى وَجْدي فَلَيْسَ بِنافعٍإِخاؤُكُما خِلاًّ إذا لَمْ تُعيناهُ
أَمَا سُبَّةٌ أَنْ تَخْذُلا ذَا صَبابَةٍدَعا وَجْدَهُ الشَّوْقُ الْقَديمُ فَلَبَّاهُ؟
وَأَكْمَدُ مَحْزونٍ وَأَوْجَعُ مُمْرَضٍمِنَ الْوَجْدِ شاكٍ لَيْسَ تُسْمَعُ شَكْواهُ
شَرى لُبَّهُ خَبْلُ السَّقامِ وَباعَهُوَأَرْخَصَهُ سَوْمُ الْغَرامِ وَأَغْلاهُ
وَبالْجِزْعِ حَيٌّ كُلَّما عَنَّ ذِكْرُهُمْأَماتَ الْهَوى مِنّي فُؤاداً وَأَحْياهُ
تَمَنَيَّتْهُمُ بِالَّرْقَمَتْينِ وَدارُهُمْبِوادي الْغَضا يا بُعْدَ ما أَتَمَنّاهُ
سَقى الْوابِلُ الرَّبْعِيُّ مَا حِلَ رَبْعِكُمْوَراوَحَهُ ما شاءَ رَوْحٌ وَغاداهُ
وَجَرَّ عَلَيْهِ ذَيْلَهُ كُلُّ ماطِرٍإذا ما مَشى في عاطِلِ التُّرْبِ حَلَّاهُ
وَما كُنْتُ لَوْلا أَنَّ دَمْعِي مِنْ دَمٍلِأَحْمِلَ مَنّاً لِلسَّحابِ بِسُقْياهُ
عَلَى أَنَّ فَخْرَ الْمُلْكِ لِلأْرَضِ كافِلٌبِفَيْضِ نَدًى لا يَبْلُغُ الْقَطْرُ شَرْواهُ
بَصُرْتُ بِأُمّاتِ الْحَيا فَحَسِبْتُهاأَنامَلُه إنَّ السَّحائِبَ أَشْباهُ
أَخُو الْحزْمِ ما فاجَاهُ خَطْبٌ فَكادَهُوَذُو الْعَزْمِ ما عاناهُ أَمرٌ فَعَنّاهُ
وَساعٍ إلى غاياتِ كُلِّ خَفِيَّةٍمِنَ الْمَجْدِ ما جاراهُ خَلْقٌ فَباراهُ
بِهِ رُدَّ نَحْوي فائِتٌ الْحظِّ راغِماًوَأَسْخَطَ فِيَّ الدَّهْرُ مَنْ كانَ أَرْضاهُ
تَحامَتْنِيَ الأَيّامُ عِنْدَ لِقائِهكَأَنّيِ فِيها بَأْسُهُ وَهْيَ أَعْداهُ
إِلَيْكَ رَحَلْتُ الْعِيسَ تَنْقُلُ وَقْرَهاثَناءً وَلِلْأَعلْى يُجَهَّزُ أَعْلاهُ
وَلا عُذْرَ لي إنْ رابنَي الدَّهْرُ بَعْدَماتَوَخَّتْكَ بي يا خَيْرَ مَا تَتَوَخَّاهُ
وَرَكْبٍ أَماطُوا الْهَمَّ عَنْهُمْ بِهِمَّةٍسَواءٌ بها أَدْنى الْمَرامِ وَأَقْصاهُ
قَطَعْتُ بِهْم عَرْضَ الْفَلاةِ وَطالمَارَمى مَقْتَلَ الْبَيْداءِ عَزْمي فَأَصْماهُ
وَسَيْرٍ كَإِيماضِ الْبُروقِ وَمَطْلَبٍلَبِسْنا الدُّجى مِنْ دُوْنِه وَخَلَعْناهُ
إلى الْمَلِكِ الْجَعْدِ الْجزيلِ عَطاؤُهُإلى الْقَمَرِ السَّعْدِ الْجميلِ مُحَيَّاهُ
إلى رَبْعِ عَمّارِ بْنِ عَمّارٍ الَّذيتَكَفَّلَ أَرْزاقَ الْعِبادِ بِجَدْواهُ
وَلَمّا بَلَغْناهُ بَلَغْنا بِه الْمُنىوَشِيْكاً وَأَعْطَيْناه الْغِنى مِنْ عَطاياهُ
فَتىً لَمْ نَمِلْ يَوْماً بِرُكْنِ سَماحِهِعَلَى حَدَثانِ الدَّهْرِ إلاّ هَدَمْناهُ
مِنَ الْقَوْمِ ياما أَمْنَعَ الْجارَ بَيْنَهُمْوَأَحْلى مَذاقَ الْعَيْشِ فِيْهِمْ وَأَمْراهُ
وَأَصْفى حَياةً عِنْدَهُمْ وَأَرَقَّهاوَأَبْرَدَ ظِلاًّ في ذَراهُمْ وَأَنْداهُ
أَغَرُّ صَبيحٌ عِرْضُهُ وَجَبينُهُكَأَنَّهُما أَفْعالُهُ وَسَجاياهُ
لَكَ الّلهُ ما أَغْراكَ بالْجودِ هِمَّةًسُروراً بما تَحْبُو كأَنَّكَ تُحْباهُ
دَعَوْنا رَقُودَ الْحَظِّ باسْمِكَ دَعْوَةًفَهَبَّ كَأَنّا مِنْ عِقالٍ نَشَطْناهُ
وَجُدْتَ فَأَثْنَيْنا بِحَمْدِكَ إِنَّهُذِمامٌ بِحُكْمِ الْمَكْرُماتِ قَضَيْناهُ
مَكارِمُ أَدَّبْنَ الزَّمانَ فَقَدْ غَدابها مُقْلِعاً عَمّا جَنى وَتَحَبّاهُ
أَيَاً مَنْ أَذالَ الدَّهْرُ حَمْدي فَصانَهُوَفَلَّصَ ظِلَّ الْعَيْشِ عَنّي فَأَضْفاهُ
وَعَلَّمَني كَيْفَ الْمَطالِبُ جُودُهُوَما كُنْتُ أَدْري ما الْمَطالِبُ لَوْلاهُ
لَأَنْتَ الَّذي أَغْنَيْتَني وَحَميْتَنيلَياليَ لا مالٌ لَدَيَّ وَلا جاهُ
أَنَلْتَنيَ الْقَدْرَ الَّذي كُنْتُ أَرْتَجيوَأَمَّنْتَني الْخَطْبَ الَّذي كُنْتُ أَخْشاهُ
وَأَمْضَيْتَ عَضْباً مِنْ لِسانيَ بَعْدَماعَمِرْتُ وَحَدَّاهُ سَواءٌ وَصَفْحَاءُ
وَسَرْبَلْتَني بالْعِزَّ حَتّى تَرَكْتَنيبِحَيْثُ يرَاني الدَّهْرُ كُفْؤاً وَإيّاهُ
فَدُونَكَ ذا الْحمدَ الَّذي جَلَّ لَفْظُهُوَدَقَّ عَلَى الأَفْهامِ في الْفَضْلِ مَعْناهُ
فَلا طُلَّ إِلاّ مِنْ حِبائِكَ رَوْضُهُوَلا باتَ إِلاّ في فِنائِكَ مَأْواهُ
وقصيدته في أخيه جلال الملك علي بن محمد بن عمارٍ، يكاد يذهب له فيها بالألباب، وتعيد إلى الشيخ الفاني عهد الشباب، وفيها مدائح، لم تدرك شأوها القرائح، وهي:
أُمَنّي النَّفْسَ وَصْلاً مِنْ سُعادِوَأَيْنَ مِنّ المُنْى دَرْكُ الْمُرادِ؟
وَكَيْفَ يَصِحُّ وَصْلٌ مِنْ خَليلٍإذا ما كَانَض مُعْتَلَّ الْوِدادِ
تَمادى في الْقَطِيعَةِ لا لُجْرمٍوَأَجْفى الهْاجِرينَ ذَوُو التمَّادي
يُفَرِّقُ بَيْنَ قَلْبِيَ وَالتَّأَسّيوَيَجْمَعُ بَيْنَ طَرْفِيَ وَالسُّهادِ
وَلَوْ بَذَلَ الْيَسيرَ لَبَلَّ شَوْقيوَقَدْ يَرْوى الظِّماءُ مِنَ الثِّمادِ
أَمَلٌّ مَخَافَةَ الإْمْلالِ قُرْبيوَبَعْضُ الْقُرْبِ أَجْلَبُ لِلْبِعادِ
وَعِندي لِلأحِبَّةِ كُلُّ جَفْنٍطَليقِ الدَّمِع مَأْسُورِ الرُّقادِ
فَلا تَغْرَ الْحَوادِثُ بي فَحَسْءبيجَفاؤُكُمُ مِنَ النُّوَبِ الشِّدادِش
إذا ما النّارُ كانَ لهَا اضْطِرامٌفمَا الدّاعي إلى قَدْحِ الزِّنادِ؟
أَرَى الْبِيضَ الْحِدادَ سَتَقْتَضينينُزُوعاً عَنْ هَوَى الْبِيضِ الْخِرادِ
فما دَمْعي علىَ الأَطْلالِ وَقْفٌوَلا قَلْبي مَعَ الُّظعْنِ الْغَوادي
ولا أبْقى جَلالُ الْمُلْكِ يَوْماًلِغَيْرِ هَواهُ حُكْماً في فُؤادي
أُحِبُّ مَكارِمَ الأَخْلاقِ مِنْهُوَأَعْشَقُُ دَوْلَةَ الْمَلكِ الْجَوادِ
رَجَوْتُ فمَا تَجاوَزَهُ رَجائيوَكانَ الْماءُ غايَةً كُلِّ صادِ
إذا ما رُوِّضَتْ أَرْضي وَساحَتْفمَا مَعْنى انْتِجاعِيَ وَارْتِيادي؟
كَفى بِنَدى جَلالِ الُمْلكِ غَيْثاًإذا نَزَحَتْ قَرارَةُ كُلِّ وادِ
أَمَلْنا أَيْنُقَ الآمالِ مِنْهُإلى كَنَفٍ خَصيبِ الُمْستَرادِ
وَأَغْنانا نَداهُ عَلَى افْتِقارٍغَناءَ الْغَيْثِ في السَّنَةِ الْجَمادِ
فَمْن ذَا مُبْلِغُ الأَمْلاكِ عَنَّاوَسُوّاسِ الْحَواضِرِ وَالْبَوادي
بِأَنّا قَدْ سَكَنّا ظِلَّ مَلْكٍمَخُوفِ الْبَأْسِ مَرْجُوِّ الأَيادي
صَحِبْنا عِنْدَهُ الأَيّامَ بِيضاًوَقَدْ عُمَّ الزَّمانُ مِنَ السَّوادِ
وَأَدْرَكْنا بِعَدْلٍ مِنْ عَلِيٍّصَلاحَ الْعَيْشِ في دارِ الفْسَادِ
فمَا نَخَشى مُحارَبَةَ اللَّياليوَلا نَرْجُو مُسالَمَةَ الأَعادي
فَقُولا لِلْمُعانِدِ وَهْوَ أَشْقىبما تَحْبُوهُ عاقِبَةُ الْعِنادِ
رُوَيْدَكَ مِنْ عَداوَتِنا سَتُرْدينَواجِذَ ما ضِغِ الصُّمِّ الصِّلادِ
وَلا تَحْمِلْ عَلَى الأَيّامِ سَيْفاًفَإنَّ الدَّهْرَ يَقْطَعُ بِالنِّجادِ
فَأَمْنَعُ مِنْكَ جاراً قَدْ رَمَيْناكَرِيمَتَهُ بِداهِيَةٍ نَآدِ
وَمَنْ يَحْمي الْوِهادَ بِكُلِّ أَرْضٍإذا ما السَّيْلُ طَمَّ عَلَى النِّجادِ
هُوَ الرّامِيكَ عَنْ أَمَمٍ وَعُرْضٍإذا ما الرَّأيُ قَرْطَسَ في السَّدادِ
وَمُطْلِعُها عَلَيْكَ مُسَوَّماتٍتَضيقُ بِهَمِّها سَعَةُ الْبِلادِ
إذا مَا الطَّعْنُ أَنْحَلَها الْعَواليفَدى الأَعْجازَ مِنْها بِالْهَوادي
فِداؤُكَ كُلُّ مَكْبُوتٍ مَغيظٍيُخافيكَ الْعَداوَةَ أَوْ يُبادي
فَإنَّكَ ما بَقيتَ لَنا سَليماًفما نَنْفَكُّ في عِيدٍ مُعادِ
أَبُوكَ تَدارَكَ الإسْلامَ لَمّاوَهى أَوْ كادَ يُؤْذِنُ بِانْهِدادِ
سَخا بالنَّفْسِ شُحّاً بالْمَعاليوَجَاهَدَ بِالطَّريفِ وَبِالتِّلادِ
كَيَوْمِكَ إذْ دَمُ الأَعْلاجِ بَحْرٌيُرِيكَ الْبَحْرَ في حُلَلٍ وِرادِ
عَزائِمُكَ الْعَوائِدُ سِرْنَ فِيهمْبِما سَنَّتْ عَزائمُهُ الْبَوادي
وَهذا الْمَجْدُ مِنْ تِلْكَ المَساعيوَهذا الْغَيْثُ مِنْ تِلْكَ الْغَوادي
وَأَنتُمْ أَهْلُ مَعْدَلِةٍ سَبَقْتُمْإلى أَمَدِ الْعُلى سَبْقَ الْجِيادِ
رَعى مِنْكَ الرَّعِيَّةَ خَيْرُ راعٍكَريمِ الذَّبِّش عَنْهُمْ وَالذِّيادِ
تَقَيْتَ اللهَ حَقَّ تُقاهُ فِيهِمْوَتَقْوَى اللهِ مِنْ خَيْرِ الْعَتادِ
كَأَنَّكَ لا تَرى فِعْلاً شَريفاًسِوى ما كانَ ذُخْراً لِلْمَعادِ
مَكارِمُ بِعْضُها فيهِ دَليلٌعَلَى ما فيكَ مِنْ كَرَمِ الْوِلادِ
هَجَرْتَ لَها الكَرى شَغَفاً وَوَجْداًوَكُلُّ أَخي هَوىً قَلِقُ الْوِسادِ
غَنِيتُ بِسَيْبِكَ الَمْرجُوِّ عَنْهُكمَا يَغْنَي الْخَصيبُ عَنِ الْعِهادِ
وَرَوّاني سَماحُكَ ما بَدَا لِيفمَا أَرْتاحُ لِلْعَذْبِ الْبُرادِ
إذا نَفَقَ الثَّناءُ بِأَرْضِ قَوْمٍفَلَسْتُ بِخاِئفٍ فيها كَسادِي
فَلا تَزَلِ اللَّيالي ضامِناتٍبَقاءَكَ ما حَدا الأَظْعانَ حادِ
ثَنائي لا يُكَدِّرُهُ عِتابيوَقَوْلي لا يُخالِفُهُ اعْتِقادي
وقصيدته في مدح أبي الذواد المفرج بن الصوفي بدمشق، مطلعها يبسم عن فجر اللطافة ويفجر ينبوع الرقة، ومخلصها يفتر عن ثغر الحصتفة ويخلص من التكلف والمشقة، وما سمعت بأعلق بالقلب من مطلعها، وهي:
لَوْ كُنْتَ شاهِدَ عَبْرَتي يَوْمَ النَّقَالَمَنَعْتَ قَلْبَكَ بَعْدَها أَنْ يَعْشَقَا
وَلَكُنْتَ أَوَّلَ نازِعٍ مِنْ خُطَّتييَدَهُ وَلَوْ كُنْتَ الُمِحَّب المُشْفِقَا
وَعَذْرتَ في أَنْ لا أُطيقَ تَجَلُّداًوَعَجِبْتَ مِنْ أَنْ لا أَذوبَ تَحَرُّقاً
ناشَدْتُ حاديَ نُوقِهِمْ في مُدْنَفٍأَبْكى الْحُداةَ بُكاؤُهُ وَالأيْنُقَا
وَمَنَحْتُهُمْ جَفْناً إذا نَهْنَهْتُهُرَقَأَتْ جُفونُ الثّاكِلاتِ وَما رَقَا
يَا عمْروُ أَيُّ عَظيمِ خَطْبٍ لَمْ يَكُنْخَطْبُ الْفِراقِ أَشَدَّ مِنْهُ وَأَوْبَقَا
كِلْني إلى عُنْفِ الصُّدُودِ فَرُبَّماكانَ الصُّدُودُ مِنَ النَّوى بي أَرْفَقَا
قَدْ سالَ حَتّى قَدْ أَسالَ سَوادَهُطَرْفي فَخالَطَ دَمْعَهُ المُتَرقْرِقَا
وَاسْتَبْقِ لِلْأطْلالِ فَضْلَةَ أَدْمُعٍأَفْنَيْتَهُنَّ قَطيعَةً وَتَفَرُّقَاَ
أَوْ فَاسْتَمِحْ لي مِنْ خَلِيّ سَلْوَةًإنْ كانَ ذُو الإْثْراءِ يُسْعِفُ مُمْلِقَا
إنَّ الظِّباءَ غَداةَ رامَةَ لَمْ تَدَعْإلاّ حَشاً قَلِقاً وَقَلْباً شَيِّقاَ
سَنَحَتْ فما مَنَحَتْ وَكَمْ مِنْ عارِضٍقَدْ مَرَّ مُجْتازاً عَلَيْكَ وَما سَقى
غِيدٌ نَصَبْتُ لِصَيْدِهِنَّ حَبائِلاًيَعْلَقْنَهُنَّ فَكُنْتُ فيها أَعْلقاَ
وَلَكَمْ نَهَيْتُ اللَّيْثَ أَغْلَبَ بَاسِلاًعَنْ أَنْ يَرُودَ الظَّبْيَ أَتْلعَ أَرْشَقَا
فِإذا الْقَضاءُ عَلَى الْمَضاءِ مُرَكَّبٌوَإذا الشَّقاءُ مُوَكَّلٌ بِأَخي الشَّقَا
وَلَقَدْ سَرَيْتُ إذا السَّماءُ َتخالُهابُرْداً بِراكِدَةِ النُّجومِ مُشَبْرَقَا
َواللَّيْلُ مِثْلُ السَّيْلِ لَوْلا لُجَّةٌتَغْشى الرُّبَا بِأَعَمَّ مِنْهُ وَأَعْمَقَا
وَمُشَمِّريَن تَدَرَّعُوا ثَوْبَ الدُّجىفَأَجَدَّ لُبْسَهُمُ الزَّماعُ وَأَخْلَقَا
عاطَيْتُهُمْ كَأْسَ السُّرى في لَيْلَةٍأَمِنَ الظَّلامُ بِفَجْرِها أَنْ يُشْرِقَا
حَتّى إذا حَسَرَ الصَّباحُ كَأَنَّهُوَجْهُ الْوَجيهِ تَبَلُّجاً وَتَأَلُّقَا
حَطُّوا رِحالَ الْعِيسِ مِنْهُ بِخَيْرِ مَنْهَزُّوا إِلَيْهِ رِقابَهَا وَالَأْسؤُقَا
بِأَغَرَّ يَجْلو لِلْوُفودِ جَبينُهُشَمْساً تَكونُ لهَا المَعالي مَشْرِقَا
نَزَلُوا فما وَصَلوهُ مَهْجُوراً وَلافَتحُوا إلى نُعماهُ باباً مُغْلَقَا
إِنْ زُرْتَهُ فَتَوَقَّ فَيْضَ بَنانِهِإنَّ الْبِحارَ مَلِيَّةٌ أنْ تُغْرِقَا
وَإذا أَبُو الذَّوّادِ حاطَكَ ذائِداًفَلَقَدْ أَخَذْتَ مِنَ الليَّالي مَوْثِقاً
يَشْتَدُّ مَمْنُوعاً وَيُكْرِمُ قادِراًوَيَطولُ مَحْقُوقاً وَيَصْفَحُ مُحْنَقا
لَوْ أَنَّ مَنْ يَرْوي حَديثَ سَماحِهِيَرْويهِ عن صَوْبِ الْحَيا ما صُدِّقا
صَحِبَ الزَّمانَ وَكانَ يَبْساً ذاوِياًفسَقاهُ بالْمَعْروفِ حتّى أَوْرَقا
لا تَذْكُرَنَّ له الْمَكارِمَ وَالْعُلىفتَهيجَ صَبّاً أَوْ تَشُوقَ مُشَوَّقاً
عَشِقَ الْمحامِدَ وَهْيَ عاشِقَةٌ لهوَكَذاكَ ما بَرِحَ الْجَمالُ مُعَشَّقاً
يَجْري على سَنَنِ المَكارِمِ فِعُلهُخُلُقاً إذا كانَ الْفَعالُ تَخلُّقا
لا يَمْنَحُ الإحْسانَ إلّا كامِلاًخَيْرُ الْحَيا ما عَمَّ منهُ وَطَبَّقا
كَتَمَ الصَّنائعَ فاسْتَشاعَ ثَناؤهامَنْ ذا يَصُدُّ الصُّبْحَ عَنْ أَنْ يُشْرِقا
قَدْ حالَفَ الْعَزْمَ الْحَميدَ فَلَمْ يَخَفْخَطْباً يُحاوِل فَتْقَهُ أَنْ يَرْتُقا
وَرَمى إلى الْغَرَضِ البَعيدِ فلمْ يَبِتْأَبَداً بِغَيْرِ المَكْرُماتِ مُؤَرَّقا
سامي الْمَرامِ شَريفُهُ إِنْ تَدْعُهُلا تَدْعُهُ لِلْخَطْبِ إلاَّ مُقْلِقا
إِنْ جادَ في بِشْرٍ تُوُِّمَ عارِضاًأَوْ حَلَّ في نَفَرٍ تَرَاءَى فَيْلَقا
تَلْقاهُ في هَيْجاءِ كُلِّ مُلِمَّةٍبَطَلاً إذا شَهِدَ الْكَريهَةَ حَقَّقا
كالْمَشْرِفَيِّ الْعَضْبِ إلاَّ أَنَّهُأَمْضى شَباً مِنْهُ وَأَبْهى رَوْنَقا
جارى عِنانَ الْفضلِ في أَمَدِ الْعُلىأَدْنى وَأَقْرَبُ شَأْوِهِ أَنْ يَسْبُقِاَ
لا يُدْرِكُ الْجارونَ غايَةَ مَجْدِهِمَنْ يَسَتطيعُ إلى السَّماءِ تَسَلُّقا
هَيْهاتَ يَمْنَعُ ذاكَ حَقٌّ أَخْلَقٌلا يُحْسِنُ الْعَيُّوقُ فيهِ تَحَلُّقا
وَمِنَ التَّأَخُّرِ أَنْ يُقَدِّمَ وَاطِيٌقَدَماً عَلَى دَحْضٍ أَزَلَّ وَأَزْلَقا
ما كُلُّ مَنْقَبَةٍ يُحاوَلُ نَيْلُهاتُحْوى ولا كُلُّ الْمَنازِلِ تُرْتَقى
يَا سَيِّدَ الرُّؤَساءِ أَيُّ مُطاوِلٍأَنْ يَسْتَطيعَ بكَ الَّلحاقَ فَيَلْحَقا
ماذا يُحاوِله المُغامِرُ بعدَماوَجَدَ المَجالَ إلى قِراعِكَ ضَيِّقا
إنَّ الرِّياسَةَ لا تَليقُ بِغَيْرِ مَنْمُذْ كانَ كانَ بِثَدْيِها مُتَمَطِّقا
بِغَنائِها مُتَكِّفلاً وَبِفَضْلِهامُتوَحِّداً وَبِمُلْكِها مُتَحَقِّقا
كَمْ فيكَ مُجْتَمِعاً منَ الْحَسناتِش مايُعْي ويُعْجِزُ في الوَرى مُتَفَرِّقا
وَلِبَيْتِكَ الْفَخْرُ الذي لَوْ أَنَّهُسامى السِّماكَ لَكانَ مِنهُ أَسْمَقا
مَن كان يَفْخَرُ أَنَّهُ مِنْ أُسْرةٍكَرُمَتْ وَيَضْرِبُ في الْكِرامُ مُعْرّقا
فلَيْأَتْنِا بأَبٍ كَمِثْلِ أَبيكَ في الْعَلْياءِ أَوْ جَدٍّ كَجَدِّكَ في التُّقى
أَمّا دِمَشْقُ فَقَدْ حَوَتْ بكَ عزَّةًكَرُمَتْ بِها عْن أَنْ تكونَ الأبْلَقا
حَصَّنْتَها بِسَدادِ رَأْيِكَ ضارِباًسُوراً عَلَيْها مِنْ عُلاكَ وَخَنْدَقا
وَحَمَيْتَ حَوْزَتَها بِهِمَّةِ أَوْحَدٍما زالَ مَيْمونَ الفَعالِ مُوَفَّقا
أَمْطَرْتَها مِنْ فَيْضِ كَفِّكَ أَنْعُماًلا تُعْدِمُ الرُّوَّادَ رَوْضاً مُونقِا
إنْ أَظْلَمَتْ كُنْتَ الضَّحاءَ المْجْتَلىأَوْ أَجْدَبَتْ كُنْتَ الرَّبيعَ الُمْغِدقا
وَأَنا الذي أَضْحى أَسيرَ عَوارِفٍلكَ لا يَوَدُّ أَسيرُها أَنْ يُطْلَقا
أَوْفى وَأَشَرفُ ما يُؤَمِّلُ آمِلٌأنْ لا يُرى مِنْ رِقِّ جودِكَ مُعْتَقا
أَجْمَمْتُ جُودَكَ فَاسْتَفاضَ سَماحَةًوَإذا حَبَسْتَ السَّيْلَ زادَ تَدَفُّقا
وَحَمَيْتُ آمالي سِواكَ وَعاطِلٌمَنْ كانَ مِنْ مَنِّ اللِّئامِ مُطَوَّقا
لم يُبْقِ سَيْلُ ندَاكَ مَوْضِعَ نائِلٍفَهَقَ الغَديرُ وَحَقُّهُ أَنْ يَفْهَقا
وَلَئِنْ مَنَنْتَ فَواجِبٌ لكَ في النَّدىإمْا نَزَعْتَ بِسَهْمِهِ أَنْ يُغْرَقا
أَثْني عَلَيْكَ بِحقِّ حَمْدِكَ صادِقاًحَسْبُ الْمَعالي أَنْ تَقولَ فَتَصْدُقا
وَلَكَم يَدٍ لَكَ لايُؤَدَّي حَقُّهاما خَبَّ رَكْبٌ في الْفِجاج وَأَعْنَقا
أَعْيَتْ بِياني في الثَّناءِ وَأَوْجَبَتْشُكْري فأَفْحَمَني نَداكَ وَأَنْطَقا
خُذْها كما حَيّاكَ نَوْرُ خَميلَةٍخَطَرَ النَّسيمُ بها ضُحىً فَتَفَتَقَّا
تَأْبى عَلَى الْكِتمانِ غَيْرَ تَضَوُّعٍمَنْ ذا يَصُدُّ الْمِسْكَ عَنْ أَنْ يَعْبَقا
عَذْراءَ لا تَجُلو الثَّناءَ عَليْكَ إِطْراءً وَلا تَصِفُ الْوَلاءَ تَمَلُّقا
تَحْيي حَبيباً الْوَليدَ وَتَجْتَبيلِخُلودِ فَخْرِكَ أَخْطَلاً وَفَرَزْدَقا
وَكَأَنَّ تَغريدَ اْلغَريضِ مُرَجَّعاًفيها وَعانِيَّ الرَّحيقِ مُعَتَّقا
وَكَأَنَّ أَيّامَ الصَّبابَةِ رِقَّةًفيها وَمُفْتَرَقَ النَّوى واَلمُلْتَقى
وَقَدِ اسْتَشادَ لَكَ الثَّناءَ فما تَرىإلاَّ بَليغاً بامْتِداحِكَ مُفْلِقا
فَمَتى تَغَنَّى الرَّكْبُ يَوْماً أَوْ حَدالم يَعْدُ مَدْحَكَ مُشْئِماً أو مُعْرِقا
وَالدُّرُّ يَشْرُفُ قِيمَةً وَيَزيدُهُشَرَفاً إذا ما كَانَ دُرّاً مُنْتَقى
مَنْ باتَ يَسْأَلُ رَبَّهُ أُمْنِيَّةًفَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُطيلَ لَكَ الْبَقا
وقصيدته في الأمير أبي الحسن علي بن مقلد بن منقذٍ كلمةٌ غراء شاعرةٌ، وروضةٌ غناء ناضرةٌ، فاق بالمجانسة فيها الصوري، وشأي بمعانيها المبتكرة المعري، وتيم برقتها التهامي. وما أحسن إيراده قراع الليالي والحوادث، والمعنى الذي ذكره في البيت الثالث. وهي:
يَقِيني يَقنين حادِثاتِ النَّوائِبِوحَزْميَ حَزْمي في ظُهور النَّجائِبِ
سُيْنِجُدني جَيشٌ من الْعَزْم طالَماغَلَبْتُ بِه الْخْطبَ الذّي هو غالبي
وَمنْ جَرَّبَ الأيّامَ عوَّد نفَسُهقِراعَ اللَّيالي لا قِراع الكتائِبِ
عَلى أَنّ لي في مَذْهَبِ الصَّبْرِ مَذْهباًيَزيدُ اتّساعاً عندَ ضِيقِ الْمَذاهبِ
وما وَضَعَتْ منّي الْخُطوبُ بقدَرِ مارَفْعَنْ وقد هَذَّبْنني بالتَّجارِب
أَخَذْنَ ثَراءً غَيْرَ باقٍ عَلَى النَّدىوأَعْطَيْنَ فَضْلاً في النُّهَى غيرَ ذاهِب
فَمالِيَ لا رَوْضُ الْمَساعي بِمُمْرِعٍلَدَيّ وَلا ماءُ الأَماني بساكبِ
كأَنْ لم يكنْ وَعْدي لَدَيْها بحائِنٍزَماناً وَلا دَيْني عليها بِواجِبِ
وَحَاجَةِ نَفْسٍ تَقْتَضِيها مخَايِليوَتَقْضي بها لي عادلاتٍ مَناصِبي
عَدَدْتُ لهَا بَرْقَ الغَمامِ هُنَيْدَةًوأُخْرى وما مِن قَطْرَةٍ في المَذانِبِ
وَهلْ نافِعي شَيْمٌ منِ العَزم صادِقٌإذا كنتُ ذا بَرْقٍ من الحظِّ كاذِبِ
وَإِني لأَغْنَى بالْحَديثِ عَن الْقِرَىوَبالبَرْق عن صَوْبِ الْغُيوث السَّواكبِ
قَناعَةُ عِزٍّ لا قَناعةُ ذِلَّةتزُهَدَّ في نَيْلِ الغِنَى خَيْرَ راغِب
إذا ما امْتطى الأَقوامُ مَرْكَبَ ثَرْوَةٍخُضوعاً رَأَيْتُ الُعْدمَ خَيْرَ مَراكبي
وَلوْ رِكبَ النّاسُ الْغِنَى بِبَراعةٍوفَضْلٍ مُبينٍ كُنتُ أَوَّلَ راكِبٍ
وَقَدْ أَبْلُغُ الْغاياتِ لستُ بِسائرٍوَأَظْفَرُ بالحاجاتِ لَستُ بِطالِبِ
وَما كُلُّ دانٍ من مَرامٍ بظافرٍوَلا كُلُّ ناءِ عن رَجاءٍ بخائِبِ
وإنّ الْغِنَى مِنّي لأَدْنى مَسافةًوأَقَربُ ممّا بَيْنَ عَيْني وَحاجبي
سأَصْحَبُ آمالي إلى ابنِ مُقَلَّدٍفَتُنْجحُ ما أَلْوَى الزَّمانُ بصاحِبِ
فما اشْتَطَّتِ الآمالُ إلاّ أَباحَهاسَماحُ عَليٍّ حُكْمَها في الْمَواهِبِ
إذا كُنتَ يَوْماً آمِلاً آمِلاً لهُفَكُنْ واهِباً كلَّ المُنَى كُلَّ واهِبِ
وَإنّ امْرَءاً أَفْضى إِليهِ رَجاؤُهُفَلمْ تَرْجُهُ الأَمْلاكُ إِحْدَى الْعَجائِبِ
مِنَ الْقَوْمِ لَوْ أَنَّ اللَّيالي تَقَلَّدَتْبِأَحْسابِهِمْ لمْ تَحْتَفِلْ بالْكَواكِبِ
من أحسن البيتين، وأبلغ المعنيين، فهما كدرتين توأمين.
إذا أَظْلَمَتْ سبُلُ السُّراةِ إلى الْعُلاسَرَوْا فَاسْتَضاؤوا بَيْنَها بالْمَناسِبِ
هُمُ غادَرُوا بالْعِزِّ حَصْباءَ أَرْضِهِمْأَعَزَّ مَنالاً مِنْ نُجومِ الْغَياهِبِ
تَرى الدَّهْرَ ما أَفْضى إلى مُنْتَواهُمُيُنَكِّبُ عَنْهُمْ بالْخُطوبِ النَّواكِبِ
إذا المُنْقِذِيُّونَ اعْتَصَمْتَ بِعِزِّهِمْخَضَبْتَ الْحُسامَ الْعَضْبَ مِنْ كُلِّ خاضِبِ
أُولِئكَ لمْ يَرْضَوْا مِنَ الْعِزِّ وَالْغِنىسِوى ما اسْتَباحُوا بالْقَنا وَالْقَواضِبِ
كَأَنْ لمْ يُحَلِّلْ رِزْقَهُمْ دِينُ مَجْدِهِمْبِغَيْرِالْعَوالي وَالْعِتاقِ الشَّوازِبِ
إذا قَرَّبوها لِلِّقاءِ تَباعَدَتْمَسافَةٌ ما بَيْنَ الطُّلى وَالتَّرائِبِ
إذا نزلَوا أَرْضاً بها الْمَحْلُ رُوِّضَتْوَما سُحِبَتْ فيها ذُيولُ السَّحائِبِ
بِأَنْدِيَةٍ خُضْرٍ فِساحٍ رِباعُهاوَأَوْدِيَةٍ غُزْرٍ عِذابِ المَشارِبِ
أَرى الدَّهْرَ حَرْباً لِلْمُسالِمِ بَعْدَماصَحِبْناهُ دَهْراً وَهْوَ سِلْمُ المُحارِبِ
فَعُذْ بِنَهارِيِّ الْعَداوَةِ أَوْحَدٍمِنَ الْقَوْمِ لَيْليِّ النَّدى وَالرَّغائِبِ
تَنَلْ بِسَديدِ الُمْلِك ثَرْوَةَ مُعْدِمٍوَفَرْجَةَ مَلْهوفٍ وَعِصْمَةَ هارِبِ
سَعى وارِثُ الَمْجدِ التَّليدِ فَلمْ يَدَعْبِأَفْعالِهِ مَجْداً طَريفاً لِكاسِبِ
يُغَطّي عَلَيْهِ الْحَزْمُ بالْفِكَرِ التَّيكَشَفْنَ لَهُ عَمّا وَراءَ العَواقِبِ
وَرَأْيٍ يُري خَلْفَ الرَّدى مَنْ أَمامَهفما غَيْبُهُ الْمَكُنونُ عَنْهُ بِغائِبِ
بَقِيتَ بَقاءَ النَّيِّراتِ وَمِثْلَهاعُلُوّاً وَصَرْفاً عَنْ صُروفِ النَّوائِبِ
وَدامَ بِنُوكَ السِّتَّةُ الزُّهْرُ إنَّهُمْنُجومُ الْمَعالي في سَماءِ الْمَناقِبِ
سَلَلْتَ سهِاماً مِنْ كِنانَة لمْ يَزَلْيُقَرْطِسُ مِنْها في الْمُنى كلُّ صائِبِ
فَأَدْرَكْتَ ما فاتَ الْمُلوكَ بِعَزْمَةٍتَقومُ مَقامَ الْحَظِّ عِنْدَ الْمَطالِبِ
وَما فُتْقَهُمْ حَتّى تَفَرَّدْتَ دُونَهُمْبِرَأْيِكَ في صَرْفِ الْخُطوبِ اللَّوازِبِ
وَما شَرُفَتْ عَنْ قِيمَة الزُّبَرِ الظبَّيإذا لمْ يُشَرِّفْها مَضاءُ الْمَضارِبِ
تَجافَيْتُ عَنْ قَصْدِ المُلوكِ وَعِنْدَهُمْرَغائِبُ لمْ تَجْنَحْ إليْها غَرائِبي
تَناقَلُ بي أَيْدي الْمَهاري حَثيثَةًكما اخْتَلفَتْ في الْعَقْدِ أَنْمُلُ حاسِبِ
إذا الشَّوْقُ أَغْراني بِذِكْرِكَ مادِحاًتَرَنَّمْتُ مُرْتاحاً فَحَنَّتْ رَكائبِي
بِمَنْظومَةٍ مِنْ خالِصِ الدُّرِّ سِلْكُهاعُروضٌ وَلِكْن دُرًّها مِنْ مَناقِبِ
تُعَمَّرُ عُمْرَ الدَّهْرِ حَتّى إذا مَضىأَقامَتْ وَما أَرْبَتْ عَلَى سِنِّ كاعِبِ
شَعَرْتُ وَحَظُّ الشِّعْرِ عِنْدَ ذَوي الْغِنىشَبيهٌ بِحَظِّ الشَّيبِ عِنْدَ الْكَواعِبِ
وَما بيَ تَقْصيرٌ عَنِ الْمَجْدِ وَالْعُلىسِوى أَنَّني صَيَّرْتُهُ مِنْ مَكاسِبي
يُعَدُّ مَعَ الأَكْفاءِ مَنْ كانَ عَنْهُمُغَنِيّاً وَإِنْ لمْ يَشْأَهُمْ في الْمَراتِبِ
وَلوْ خَطَرَتْ بي في ضَميرِكَ خَطْرَةٌلَعادَتْ بِتَصْديقِ الظُّنونِ الْكَواذِبِ
وَأَصْبَحَ مُخْضَرّاً بِسَيْبِكَ مُمْرِعاًجَنابي وَمَمْنوعاً بِسَيْفِكَ جانبي
وكلمته القافية في مدح أبق، التي عبارتها من عبرة الصب وأيام الصبا أرقٌ، ومعناها من سحر لحظ المحبوب أدق. قال مجد العرب العامري: قلت للرواية إذ أنشد البيت الأول: أين الشعر منه؟ فقال: هكذا سألني ابن الخياط عند إنشاده إياي، فقلت له: أنت أعرف. فقال: هو في العجز، قوله:
أعند القلوب دمٌ للحدق؟
وصدر البيت دخل في شفاعة هذا العجز المعجز، المعلم بالسحر المطرز، المفدي بالقلوب والأحداق، الشهي ولا تشهي المحب لذيذ العناق، ولشغفي بها نظمت على وزنها ورويها قصيدةً في المولى الوزير عون الدين - ضاعف الله اقتداره على إسداء الأيادي، وإرداء الأعادي - وما قصرت عن شأوها؛ لكن الفضل للمتقدم. وقد أوردتها في الموضع الذي أوردت شعري فيه وما سبق إلى بيتي مدحه في أبق في إعطاء صناعة التجنيس حقها، لما ملك رقها، واختراع معناهما البكر الذي لم يقرع شأوه بالافتراع، ولهذه القطعة قبولٌ من القلوب والأسماع، وهي:
سَلُوا سَيْفَ أَلْحاظِهِ الْمُمْتَشَقْأَعِنْدَ الْقُلوبِ دَمٌ لِلْحَدَقْ؟
أَمَا مِنْ مُعينٍ وَلا عاذِرٍإذا عَنُفَ الشَّوْقُ يَوْماً رَفَقْ!
تَجَلّى لَنا صارِمُ المُقْلَتَيْنِ ماضي المُوَشَّحِ وَالمُنْتَطَقْ
مِنَ التُّرْكِ ما سَهْمُهُ إذْ رَمىبِأَفْتَكَ مِنْ طَرْفِهِ إذْ رَمَقْ
تَعَلَّقْتُهُ وَكَأَنَّ الْجَمالَيُضاهي غَرامي بِه وَالْعَلَقْ
وَلَيَلَة وافَيْتُهُ زائِراًسَميرَ السُّهادِ ضَجيعَ الْقَلَقْ
كَأَنّي لِرِقْبَتِهِ حابِلٌدَنَتْ أُمُّ خِشْفٍ لَهُ مِنْ وَهَقْ
دَعَتْني الْمَخافَةُ مِنْ فَتْكِهِإلَيهِ وَكَمْ مُقْدِمٍ مِنْ فَرَقْ
وَقَدْ راضَتِ الْكأْسُ أَخْلاقَهُوَوُقِّرَ بالسُّكْرِ مِنْهُ النَّزَقْ
وَحُقَّ الْعِناقُ فَقَبَّلْتُهُشَهِيَّ الْمُقَبَّلِ وَالْمُعْتَنَقْ
وَباتَتْ ثَناياهُ عانِيَّةَ الْمَراشِفِ دَارِيَّضةَ الُمْنَتَشَقْ
وَبِتُّ أُخالجُ شَكّي بِهِأَزَوْرٌ طَرَا أَمْ خَيالٌ طَرَقْ
أُفَكِّر في الْهَجْرِ كَيْفَ انْقَضَىوَأَعْجَبُ لِلْوَصْلِ كَيْفَ اتَّفَقْ
فَلِلْحُبِّ ما عَزَّ مِنّي وَهانَوَلِلْحُسْنِ ما جَلَّ مِنْهُ وَدَقّ
لَقَدْ أَبِقَ الْعُدْمُ مِنْ راحَتَيَّلَمّا أَحَسَّ بِنُعْمى أَبَقْ
تَطاوَحَ يَهْرُبُ مِنْ جُودِهِوَمَنْ أَمَّهُ السَّيْلُ خافَ الْغَرَقْ
وقصيدته في حسان بن مسمار بن سنانٍ، أحسن رونقاً من الإحسان، وأفتن للعقول من طرفٍ فاترٍ وسنان. ذكر الرواية أنه كان إذا قيل له: أي قصائدك تختارها؟ يقول: الرائية. وهي:
هِيَ الدِّيارُ فَعُجْ في رَسْمِها الْعاريإنْ كانَ يُغْنيكَ تَعْريجٌ عَلَى دارِ
إِنْ يَخْلُ طَرْفُكَ مِنْ سُكاّنهِا فَبِهاما يَمْلأُ الْقَلْبَ مِنْ شَوْقٍ وَتَذْكارِ
يا عَمْرُو ما وَقْفَةٌ في رَسْمِ مَنْزِلَةٍأَثارَ شَوْقَكَ فيها مَحْوُ آثارِ
أَنْكَرْتَ فيها الْهَوى ثُمَّ اعْتَرَفْتَ بهِوَما اعْتِرافُكَ إلاّ دَمْعُكَ الْجاري
تَشْجُو الدِّيارُ وَما يَشْجُو أَخا كَمَدٍمِنَ الْهَوى مِثْلُ دارٍ ذاتِ إِقْفارِ
يا حَبَّذا مَنْزِلٌ بالسَّفْحِ مِنْ إضَمٍوَدِمْنَةٌ بِلِوى خَبْتٍ وَتِعْشارِ
وَحَبَّذا أُصُلٌ يُمْسي يُجَرُّ بهاذَيْلُ النَّسيمِ عَلى مَيْثاءَ مِعْطارِ
لَوْ كُنْتُ ناسِيَ عَهْدٍ مِنْ تَقادُمِهِنَسِيتُ فيها لُباناتي وَأَوْطاري
أَيّامَ يَفْتُكُ فيها غَيْرَ مُرْتَقَبٍظَبْيُ الْكِناسِ بِلَيْثِ الْغابَةِ الضّاري
يَصْبُو إلَيَّ وَيُصْبي كلَّ مُنْفِردٍبالدَّلِّ والْحُسْنِ مِنْ بادٍ وَمِنْ قارِ
لا أُرْسِلُ اللَّحْظَ إلاّ كانَ مُؤْقِعُهُعَلَى شُموسٍ مُنيراتٍ وَأَقمارِ
ما أَطْيَبَ الْعَيْشَ لَوْ أَنّي وَفَدْتُ بهِعَلَى شَبابٍ وَدَهْرٍ غَيْرِ غَدّارِ
آْلانْ قَدْ هَجَرَتْ نَفْسي غَوايَتَهاوَحانَ بَعْدَ حُلولِ الشَّيْبِ إِقْصاري
وَالْعَيْشُ ما صَحِبَ الْفِتيْانُ دَهْرَهُمُمُقَسَّمٌ بَيْنَ إِحْلاءٍ وَإِمرارِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع