من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
شعر العماد في وصف دمشق ومدح ملوكها
وقبل أن أشرع في ذكر شعراء الشام فأنا أورد مما قلته في وصف دمشق ومدح ملوكها، ما أنظم في عقود هذه الخريدة وسلوكها.
فمن ذلك قصيدةٌ نظمتها حين فارقتها أتشوقها، وما تمت حتى عدت إليها فوصلتها بمدح الملك الناصر، وهي طويلة جداً أولها:
أجِيرانَ جَيْرُونَ مالي مُجيرُسِوى عَطفُكم فاعِدلوا أو فَجُورُوا
وَمالي سِوى طيفكم زائرٌفلا تمنعوه إذا لمْ تزوروا
يَعِزّ عليَّ بأنَّ الفؤادلديْكُم أسيرٌ وَعنكم أَسيرُ
وَما كنتُ أَعلُم أَني أَعيش بَعْد التفَرّق، إني صَبورُ
ومنها:
إلى ناسَ باناس لي صَبْوَةٌلها الوجدُ داعٍ وَذِكْرى مُثيرُ
يَزيدُ اشتياقي وينمو كمايَزيدُ يزَيدُ وَثَوْرَا يَثُورُ
وَمِن بَرَدى بَرْدُ قلبي المَشُوقفها أنا مِن حَرِّه مُسْتَجيرُ
وَبالمْرَجْ مَرْجُوُّ عَيْشي الذيعلى ذكره العذب عَيْشي مَريرُ
نأَى بيَ عنكم عَدُوٌّ لَدودٌوَدَهْرٌ خَؤون وَحظٌّ عَثورُ
فَقَدْتكُم ففقدتُ الحياةوَيَوْم اللقاء يكون النُّشُورُ
أيا راكبَ النِّضْو يُنْضي الرِّكابَتَسيُر وَخطب سُراهُ يَسيرُ
يَؤُمُّ دمشقَ وَمِنْ دونِهاتُجاب سُهولُ الفَلا وَالوُعُورُ
وَجِلَّقُ مَقْصِدُه المُسْتَجارُلقد سَعِد القاصِد المُسْتجيرُ
إذا ما بَلَغْتَ فبلِّغْهُمُسلاماً تأَرَّجَ منه العبيرُ
تطاوَلْ بِسُؤْليَ عند الْقُصَيْرفَمِنْ نَيْله اليومَ باعي قَصيرُ
وَكنْ لي بريداً بباب البْريدفأَنتَ بأخبارِ شوقي خَبيرُ
أَعَنْوِنُ كُتبي بشكوى العناءِوَفيهنّ من بثّ شَجْوي سُطُورُ
ومنها أذكر المنازل من طريق الرقة إلى دمشق:
مَتَى تَجِدُ الرِيَّ ّبالقَرْيَتَيْنخَوامِسُ أثَّر فيها الهَجْيرُ
وَنحو الجُلْيَجْل أُزْجي المْطِيَّلقد جَلَّ هذا المَرامُ الخَطيرُ
تُراني أُنيخ بأَدْنى ضُمَيْرٍمَطايا بَراها الوْجَاَ وَالضمُورُ
وَعند القُطَيِّفَةِ المُشْتَهاةِقُطوفٌ بها لِلأمَاني سُفورُ
وَمنها بُكُورِيَ نَحْوَ القْصُيَرْوَمُنْيَتُه عُمْرَي ذاكَ البُكُورُ
ويا طِيبَ بُشْرايَ من جِلَّقٍإذا جاءَني بالنَّجاحِ البَشيرُ
وَيستبشرُ الأصدقاءُ الكرامُهُنالك بي وَتُوَفَّي النُّذُورُ
تُرَى بالسلامة يوما يكونبباب السلامة مني عُبُورُ
وَأَنَّ جَوازِي بباب الصَّغيرلَعَمْري من العُمْر حَظٌّّ كَبيرُ
وما جَنَّةُ الخُلْدْ إلاّ دمشقُوَفي القلب شوقاً إليها سَعيرُ
مَيادِينُها الْخُضْرُ فِيحُ الرِّحابوَسَلْساها العَذْب صافٍ نَميرُ
وَجامعها الرَّحْبُ وَالقُبَّة الْمُنيفَة وَالفلك المُستديرُ
وَفي قُبَّةِ النَّسر لي سادةٌبهم للمَكارم أُفقٌ مُنيرُ
وَالارْزَةُ فالسَّهْمُ فالنَّيْرَبانفجنّاتُ مِزَّتِها فالكُفوُر
وَبابُ الفْراديس فِرْدَوْسُهاوَسُكانُّها أحْسَنُ الخَلْق حُورُ
كأنّ الجْوَاسقَ مأْهولةًبروجٌ تَطَلَّعُ منها البدورُ
بِنَيْرَبِها تَتَبّرا الهمومبِربُوْتَها يتربّى السُّرورُ
وَما غَرَّ في الرَّبْوَة العاشقينَ بالحُسْن إلا الرَّبيبُ الْغَريرُ
وعند المُغَارة يَوْمَ الخميسأغارَ عَلَى القَلْب منّي مُغيرُ
وعند المُنَيْبعِ عَيْنُ الحيَاةمَدَى الدَّهْر نابعةٌ ما تَغُورُ
بجِسْر ابن شَواشٍ تَمَّ السُّكونلنفسي بنفسيَ تلك الْجُسورُ
وما أَنسَ لا أَنسَ أُنسَ العُبورعَلى جِسر جِسْرين إني جَسورُ
وكم بِتُّ أَلْهو بقرب الحبيبفي بيت لِهْيا وَنام الغَيُورُ
فَأَين اغتباطِيَ بالغُوطَتْيِنوتلك الليالي وتلك القُصورُ
لِمُقْرِي مَقْرى، كقُمْرِيِّهاغِناءٌ فَصيحٌ وَشْدوٌ جَهيرُ
وأَشجارُ سَطْري بَدَتْ كالسُّطور نمَّقَهُنَّ البَليغُ البَصيرُ
وأَينَ تأَمَّلْتَ فلكٌ يَدورُوعَيْنٌ تفورُ وبحرٌ يَمورُ
وأَيْنَ نظرْتَ نَسيمٌ يَرِقُّوزْهرٌ يَرُوقُ ورَوضٌ نَضيرُ
كأَنَّ كمائمَ نُوَّارِهاشُنوفٌ تركَّبُ فيها شُذورُ
ومثلُ الّلآلي سَقِيطُ النَّدىعَلَى كلَّ مَنْثُور نَوْرٍ نَثيرُ
مَدارُ الحياةِ حَياها المُدِرُّمَطارُ الثّراءِ ثراها المَطيرُ
وَمُوعِدُها رَعْدُها المستطيلُوواعِدُها بَرْقُها المستطيرُ
إلامَ القْسَاوَة يا قاسِيُونوبين السَّنَا يتجلّى سَنِيرُ
لَديك حبيبي ومنك الحُباوعندك حبّي وفيك الحبورُ
فَيَا حَسْرَتا غِبْتُ عن بلدةٍبها حَظِيتْ بالحُظوظِ الحْضورُ
وُمْنذ ثَوى نورُ دينِ الإلاهِ لم يبق للشّامِ والدّين نورُ
وَإِني لأَرجو من الله أَنْيُقَدِّر بعد الأمور الأمورُ
وللنّاسِ بالملك النّاصر الصّلاحِ صلاحٌ ونصرٌ وخِيرُ
لأجل تَلافيهِ لم يتلَفُوالأجل حيا بِرِّه لم يَبُوروا
بفَيْض أَياديه غيثُ النَّجاحلأَهلِ الرَّجاءِ سَحوحٌ دَرُورُ
مَليكٌ بَجْدواه يَقْوَى الضَّعيفُوَيَثْرَى المُقِلُّ وَيَغْنى الفَقْيرُ
أَرَى الصِّدْق في ملكهِ المُسْتقيمومَلُك سِواه ازْوِرارٌ وزُروٌ
لِعِزِّ الْوَليّ وَذُلِّ العَدُوّنَوالٌ مُبِرٌّ وبأْسٌ مُبيرُ
بِنِعمتِه للعُفاةِ الحُبورُبسَطوته للعُداةِ الثُّبُورُ
إذا ما سَطا أَو حَبا واحْتَبىفما الْلَّيْثُ؟ مَنْ حاتمٌ؟ ما ثَبيرُ؟
هُو الشمسُ أَفلاكه في البلادِومَطْلَعُه سَرْجُه والسَّريرُ
إيابُ ابْنِ أَيّوبَ نحو الشآمِعَلَى كلِّ ما نرتجيه ظُهورُ
بيوُسُفِ مصَرٍ وأَيامِهِتَقَرُّ العُيونُ وَتَشفى الصُّدوُر
مَليكٌ يُنادي رجائي نَداهُومَوْلًى جَدَاه بحمدي جَديرُ
ومنها:
وكم قد فَلَلْتَ جُموعَ الفرنجِبِحَدِّ اعتزامٍ شَباهُ طَريرُ
بضربٍ تَحذَّفُ منهُ الرُّؤوسوطَعنٍ تَخسَّفُ منهُ النُّحورُ
وغادرتَ غادرهم بالْعَراءِومن دمِه كُلُّ قَطرٍ غَديرُ
بِجُرْدٍ عليْها رجالُ الهِيْاجكأنّ صُقوراً عليها صُقُورُ
مِن التُّرِك عند دَبابيسهاصِحاحُ الطُّلى والهْوَادِي كُسورُ
سهامُ كَنائها الطّائِراتلَهُنَّ قُلوبُ الأعادي وُكورُ
وِعنَدهُم مثلُ صَيْد الصِوَّارِإذا حاوَلوا الفْتَحَ صَيْدا وُصورُ
بجيشك أَزْعجت جأْشَ العَدُوِّفما نَفَرٌ منهُ إلاّ نَفورُ
تركَتْ مَصَارع للمُشركينبُطونُ القْشَاعمِ فيها قُبورُ
تُزاحِمُ فُرسانَها الضّارِباتفتصِدمُ فيها النُّسورَ النُّسُورُ
وإِنَّ تَولُّدَ بِكْرِ الفْتُوحِإذا ضُربَتْ بالذُّكورِ الذُّكورُ
ومنها:
إلَيَّ شَكا الفَضلُ نَقصَ الزَّمانِوهل فاضِلٌ في زماني شَكورُ
حَذارك مِنْ سطوة الجْاهلينوذُو العلم من كلِّ جهلٍ حَذورُ
وهلْ يلِدُ الخْيَر أوْ يسْتَقيمُزَمانٌ عَقيمٌ وَفَضلٌ عَقيرُ
شكَتْ بِكْرُ فضْلَي تَعْنيسَهافما يجِلُبُ الودَّ كفؤٌ كُفورُ
فقلتُ لفضلي أَفاقَ الزَّمانُوَدَرَّ المُرادُ وَدارَ الأَثيرُ
وَعاش الرَّجاءُ وماتَ الإِياسُوسُرّ الحِجَا وأَنار الضَّميرُ
ووافى المَليكُ الذَّي عَدْلُهلِذي الفَضلِ من كلِّ ضَيْمٍ يُجيرُ
فلستُ أُباليِ بِعَيْث الذّئابإذا ما انتحى ليَ لَيْثٌ هَصُورُ
واقترح علي بعض الأكابر في الدولة النورية أن أعمل قصيدة في دمشق على وزن قصيدة أبي الحسين ابن منير التي أولها:
حَيّ الديار على عَلْياء جَيْرونِ
فعملت كلمة طويلة، منها:
أَهْدَي النَّسيمُ لنا رَيّا الرَّياحينِأمْ طِيبَ أخلاقِ جِيراني بجَيْرُونِ
هَبَّتْ لنا نفَحةٌ من جِلَّقٍ سَحَراًباحَتْ بسرٍّ من الفردَوْسِ مَكنونِ
وَفاحَ بالعَرْفِ من أَرجائِها أرَجٌنال المسرَّةَ منهُ كلُّ مَحْزونِ
هبَّتْ تُنبّهُ أطرافي وَتبعثهامني وتوجبُ للتوهيم تهويني
وَما دَرَيْنا أدارَيّا لنا أَرَجَتْأم دارَ في دارِنا عَطّارُ دارِينِ
نَسْري وَنْرتاحِ لاسْتنشاءِ رائحةٍهَبَّضتْ سُحيراً عَلَى وَرْدٍ وَنْسرينِ
وَرُبَّ هَمٍّ فقَدْناهُ برَبْوَتهاوَرُبَّ قَلبٍ أصَبْناه بقُلْبينِ
لولا جَسارَةُ قلبي ما ثبتُّ عَلَى الْعُبور من طربٍ في جِسْر جِسرينِ
دِمشقُ عنديّ لا تُحْصى فضائلُهاعَدّاً وَحَصْراً وَيُحْصى رَمْلُ يَبْرِينِ
وَما أَرى بلدةً أُخرَى تُماثلُهافي الحسن من مصرَ حتَّى مُنتَهَى الصِّينِ
في كلّ قُطرٍ بها وَكْرٌ لِمُنكَسِرٍوَمَسْكَنٌ غيرُ مَمْلولٍ لِمِسكينِ
وإنّ مَن باع كلَّ العمر مقتنعاًبساعةٍ في ذَراها غيرُ مَغْبونِ
لما عَلَتْ همتي صَيَّرْتُها وطنيوَليس يقنعُ غَيْرُ الدُّونِ بِالدُّونِ
يُصْيبكَ مَيطْوُرهُا طَوْراً وََنيْرَبُهاطوراً وتُوليك إحساناً بتَحْسينِ
ترى جَواسِقَها في الجوّ شاهقةًكأَنهنَّ قُصُورٌ للسّلاطينِ
دارُ النعيم وَمِنْ أَدنى محاسِنهاثمارُ تَمُّوزَ في أيامِ كانونِ
نعيمُها غيرُ مَمْنُوعٍ لساكنهاكالْخُلْدِ، وَالْمَنُّ فيها غَيْرُ ممنونِ
كأنما هي للأبرار قدْ فتحتْمن الفراديس أبواب البساتينِ
أزهارُها أبداً في الرَّوْض مُونِقَةًفحُسْنُ نَيْسان مَوْصولٌ بِتِشرينِ
وَأَيُّ عَيْنٍ إِليها غَيْرُ ناظرةٍوَأَيُّ قلبٍ عليها غَيْرُ مَفْتونِ
أَهْوَى مقرِّي بمقَرْيَ والرياضُ بهاللزَّهْرِ ما بين تَفْويف وتزيينِ
هاجتْ بَلابلَ قلبي المُستهامِ بهابلابلُ الأَيْك غَنَّتْنا بتَلْحينِ
تَتْلو بَسَطْرى أَساطير الغرام علىصوامِعِ الدَّوْح وُرْقٌ كالرّهابينِ
قُمْرِيُّها مُقريءٌ يشدو بنغمتهآياً تَعَلَّمها من غَيْرِ تَلقينِ
وَللحمائم في الأسحار أَدْعِيَةٌمرفوعةٌ شُفِعَتْ منّا بتأْمينِ
خافَتْ عَلى الرَّوْض من عَيْنٍ مُطَوَّقَةٍأَضْحَتْ تُعوِّذُه منها بِياسينِ
من كلّ مُطْرب صَوْتٍ غير مُضْطربٍوَكُلّ مُعرب لفظٍ غير مَلْحونِ
وَللبساتين أَنهارٌ جَداولُهاتَسْتَنُّ في الْجَرْي أمثالَ الثَّعابينِ
وَقد تراءَتْ بها الأَشجار تحسِبُهاصُفوفَ خَيْلٍ صُفونٍ في الميادينِ
كأَنما شَجر الرُّمّانِ ذو نَشَبٍمُثْرٍ دنانيرُه مِلْءُ الهَماييِن
وللِخْلاف لإِظهار الخْلاِف علىأَتْرابه وَرَقٌ شِبْهُ السَّكاكينِ
وكلُّ غُصْنٍ بِعَصْف الرِّيحِ مُمْتَحَنٌكأنه عاقلٌ مُبْلىً بِمَجنونِ
لِلأُقْحُوانِ ثُغورُ الغانياتِ كماللنَّرْجِسِ الغَضِّ ألحاظ المْهَا الْعِينِ
وللبَنَفْسَج خالٌ للعِذار إذاما الخْطَ بالخالِ حاكى عَطْفَةَ النُّونِ
والْوَرْدُ خَدُّ من التَّوْريد في خَجَلٍوالغُصْنُ قَدٌّ تَثَنِّيِه من اللّينِ
وللنسيمِ وَلوعٌ بالغَدير فمايَزالُ ما بين تَفْريكٍ وَتَغْضينِ
والماءُ من نَكْبَةِ النكباءِ في زَرَدٍمُضاعَفِ السَّرْدِ ضافي النَّسْجَ مَوْضُونِ
لكلّ جاريةٍ في كلّ ساقِيةٍعَلَى الْتِواءِ بها إسْراعُ تِنِّينِ
إنّ القلوبَ وَأَلحاظُ الحسِان بهالَكالْعصافير في أَيدي الشَّواهينِ
من كل خاطِفةٍ للقلْب مُخْطَفَةٍبالخْصَرْ تَمْطُلُني دَيْني وَتَلْوِيني
من شادِنٍ مُتَثَنّي العِطْفِ مُعتدِل القَوامُ مُستعذَب الأخلاق مَوْزونِ
يا صاحِبَيَّ أَفيقا فالزَّمانُ صَحَاوَلانَ من بعد تَشْديدٍ وَتَخْشينِ
حَرَسْتُما في حَرَسْتا العَيْشَ من شَظَفٍدُوما بدُوما عَلَى حِفْظِ القَوانينِ
دارُ المقامة قد أَضْحتْ مَحَّلكُماونِلْتُما العِزَّ في أَمْنٍ من الْهُونِ
وبالْمُنَيْبِع رَبْعٌ لِلْوَليِّ غَداتأْسيسُ بُنيانِه العالي عَلَى الدِّينِ
ولما وصلت إلى دمشق في مبدأ قصدي البلاد الشامية صادفت صلاح الدين وقد عاد مع عمه من الديار المصرية وهو إذ ذاك أميرٌ، وورد فضله نميرٌ فنظمت فيه مدحةٌ طويلة أولها:
كيف قُلْتُمْ بمُقْلَتَيْهِ فُتُورُواْرها بِلا فُتورٍ تَجُورُ
لَو بَصُرْتُمْ بلحْظِهِ كَيفَ يَسْبىقُلتُمُ ذاكَ كاسِرٌ لا كَسيرُ
مُوتِرٌ قَوْشَ حاجَبْيِه لِإصْماءِ فُؤادي كأَنَّه مَوْتورُ
لا تَسَلْني عن اللِّحاظِ فعَقَلْيطافحٌ منْ عقُارِهنَّ عَقيرُ
كَيف يَصْحو من سُكْره مُستهامٌمَزجَتْ كأْسَهُ العُيونُ الحْوُرُ
أَوْرَثَتْهُ سَقامَها الْحَدَقُ النَّجْلُ وَأهَدْتَ لَهُ النَّحولَ الخْصُورُ
ما تَصيدُ الأُسْدَ الْخَوادِرَ إلَّاظَبَياتٌ كِناسُهنَّ الخْدُورُ
كُلُّ غُصْنِيَّةِ المُوَشَّحِ هَيْفاءَ عَلَى البَدرِ جَيْبُها مَزْرُورُ
وبِنَفسي مُعَنْبَرُ الصُّدْغِ والعارِض فوْقَ العَبيرِ منهُ العَبيرُ
مِقْطَعٌ لِلقُلوبِ يَقطَعُ فيهابِاقْتدارٍ وخَطُّهُ المَنشورُ
مُنْثَني العِطْفِ مُنْتَشي الطَّرْفِ فِي فيهِ الحْمُيَاَّ وطرْفُهُ المَخْمُورُ
ومنها:
أَلأَمْرِ المَلامِ يَنْقادُ قَلْبيوعَليه من الغَرامِ أَميرُ
قُلْ لِحُلْوٍ حالٍ منَ الحُسْنِ في هجرِكَ حالي حَزْنٌ وَعَيْشي مَريرُ
بِفؤادي حَلَلْتَ والنّارُ فيهِفَبِهِ مِنْكَ جَنَّةٌ وَسَعيرُ
نارُ قَلْبِي لِضَيْفِ طَيْفِكَ تَبدُوكُلَّ لَيلٍ فَيَهْتَدِي وَيَزُورُ
وَأرَى الطَّيْفَ ليسَ يَشفي غَليليكَيفَ يَشْفى الغَليلَ زَوْرٌ زُوْرُ
ومنها:
ما مُدامٌ يدُيرُها ثَمِلُ العْطِفِ بِنَفْسي كُؤوسُها والْمُديرُ
بِنْتُ كَرْمٍ تُجْلى عَلَى ابنِ كَريمٍوَجْهُه مِنْ شُعاعها مُسْتَنيرُ
مِنْ سَنا كأْسها الْمَعاصيمُ والأَنْفُسُ فيها أَساوِرٌ وسُرورُ
ولها في الكؤوس في حالة الزج حباب وفي النفوس حبور
وكأَنّ الحْبَابَ في الكأْس منهاشَرَرٌ فوقَ نارِه مُسْتطيرُ
طابَ للشّاربين منها الهواءانَِ فَلَذَّ المْمَدودُ والْمَقْصورُ
مِنْ يَدَيْ ساحِر اللّواحظ قلبيبِهواهُ مُسْتَهْتَرٌ مَسْحُورُ
لِلْحُمَيّا في فِيه طَعْمٌ وفي عَيْنَيْه سُكْرٌ وَفوْقَ خَدَّيْه نُورُ
من سجايا الصَّلاحِ أبْهى وهذامَثَلٌ دون قَدْرِه مَذْكورُ
ومنها:
ما رِياضٌ بِنَوْرِها زاهِراتٌغَرَّدتْ في غُصُونهنَّ الطَّيورُ
كلُّ غُصنٍ عليهِ مِنْ خِلَعِ النَّوْرِ رِداءٌ ضافٍ ووَشْيٌ حَبيرُ
ورُقْهُا في منابر الأَيْك منهاواعِظاتٌ من شأْنها التَّذْكيرُ
وكأَنّ الرَّوْضَ الأنيقَ كتابٌوكأَنّ الأشجارَ فيه سُطورُ
أَشبَهَ الشِّرْبُ فيه شارِبَ ألْمَىأَخْضر النَّبْت والرًّضابُ نَميرُ
وكأَنّ الهْزَارَ راهبُ دَيْرٍوبأَلحانه تَحَلَّى الزَّبورُ
وكأَنّ الْقُمْرِيَّ مُقْرِيٌ آيٍقد صَفا منه صَوْتُه والضَّميرُ
كمعاني مَدْحِيكَ حُسْناً ومِنْ أَيْنَ يُبارِي الْبحرَ الخْضِمَّ الغَديرُ
ومنها في المدح:
أَنتَ مَنْ لم يَزَلْ يَحِنُّ إليْهِوَهو في الْمَهِد سَرْجُه والسَّريرُ
فَضُله في يَدِ الزمان سِوارٌمِثْلما رَايُه عَلَى المُلْك سُورُ
كرَمٌ سابِغٌ وجُودٌ عَميمٌونَدّى سائِغٌ وفضلٌ غَزيُر
راحةٌ أَمْ سَحابةٌ، وَبَنانٌأمْ غَمامٌ وأنملٌ أمْ بُحورُ
كلَّ يومٍ إلى عِداكَ من الدَّهْر عَداكَ المَخْوف والْمَحْذُورُ
وتَولَّى وَلِيَّكَ الطّالِعُ السَّعْدُ وعادَى عَدوَّك التَّقديرُ
سار بالمكرُمات ذِكُرُك في الدُّنْييا وإنّ الْيَسيرَ منها يَسيرُ
لِلْحَيا والحْياء ماءان في كفِّكَ والْوجِه سائِلٌ وعَصيرُ
لَقدِ اسْتُعْذِبَتْ لدَيْكَ الْمَراراتُ كما اسْتُسْهِلتْ إليْكَ الْوُعورُ
وأَرى خاطِري لِمَدْحك إلفاًوإنّما يأْلَفُ الخْطيرَ الخطيرُ
بِعقُودٍ مِنْ دُرِّ نَظْمِيَ في الْمَدْح تحَلَّى بها الْعُلى لا النُّحورُ
وَلَكَ المأْثُراتُ في الشَّرْق والْمَغْرب يُرْوى حديثُها المأْثورُ
ومنها أهنيه بالعود من مصر إلى والده نجم الدين أيوب ﵀:
عادَ مِنْ مصرَ يُوسُفٌ وَإلى يَعْقوبَ بالتهنِئات جاء الْبشيرُ
عادَ منها بالْحمدِ والحْمدُ لِلَّهِ تعَالَى فإنه المْشْكورُ
فِلأَيّوبَ من إيابِ صلاح الدّين يومٌ به تُوَفَّى النُّذورُ
وكذا إذْ قَمْيصُ يُوسفَ لاقىوَجْهَ يَعْقوبَ عادَ وهْوَ بَصير
ومنها:
وَلَكَمْ أَرْجَفَ الأعادي فقُلْناما لما تَذْكُرونه تَأْثيرُ
وَلَجَأْنا إلى الإلِه دُعاءًفَلِوَجْهِ الدُّعاءِ منهُ سُفُورُ
وَعلِمنا أنّ البعيدَ قريبُعنده والعسيرَ سَهْلٌ يَسيرُ
وَرقَبْنا كالْعِيدِ عَوْدَكَ فالْيَوْمَ بِه لِلأَنام عِيدٌ كبيرُ
مثلَما يَرْقُب الشَّفاء سَقيمٌأَو كما يَرْتَجى الثَّراءَ فَقيرُ
ومنها أذكر أن القصد كان له من بغداد، وأنني جعلته الملاذ، وأشكو دمشق ولصوصها، وأصف سريرتي في ولائه وخلوصها:
أَنا سَيَّرْتُ طالِعَ العَزْم منيوَإلى قَصِدكَ انتهى التَّسْييرُ
وَببغدادَ قيلَ إن دِمَشْقاًما بِها للرَّجا سِواك مُجيرُ
ما يَرى ناظِرٌ نَظيرَكَ فيهافَهْيَ رَوْضٌ بما تَجودُ نَضيرُ
لِمَطاوي الإقبال عندَكَ نَشْرٌوَلِمَيْتِ الآمال منك نُشُورُ
وَمن النّائباتِ أنّي مُقيمٌبدِمشقٍ ولِلْمَقُام شُهورُ
لا خَليلٌ يقولُ هذا نَزيلٌُلا أَميرٌ يقول هذا سَميرُ
لَسْتُ أَلقَى سوَى وُجوهٍ وَأَيْدٍوَقُلوبٍ كأنَّهنَّ صُخورُ
سُرِقَتْ كِسُوْتَي وَبان من الكلِّتَوانٍ في رَدِّها وقُصورُ
وَاعتِذارُ الجْميِع أنّ الذي تَمَّقضاءٌ في لَوْحِه مَسْطورُ
وَلَعَمْري هذا صحيحٌ كما قالوا ولكنْ قلبي به مكسورُ
ولو سطرت مدائحي فيه ثقلت الخريدة بحليها، ولم تنهض بأعباء وشيها.
وسنورد في القسم الرابع طرفاً من طرفها، ونعلي لحصن حسنه شرفاً من شرفها، ففي أهمال ذلك تقصيرٌ وتفريط، وفي تقريظ إحسانه للحسناء تقريط.
ولما سار إلى مصر وملكها، وأدار على مراده فلكها، أقمت ونور الدين ﵀ لي مرتبط، وبي مغبوطٌ مغتبط، وأنا عطارد دواوينه، وعطار دارينه، ومشتري آفاقه، ومشتري وفاقه، وبرجيس برج سعده، وإدريس درس حمده وكيوان إيوانه، وسلمان بيته وديوانه، وأمين ملكه، وثمين سلكه، وخازن سره، ووازن أمره، وناظر ممالكه، وحاظر مسالكه، لا يراعي إلا بيراعي، ولا يذرع إلا بذراعي، ولا يقلع إلا في شراعي، ولا يتبع إلا أوضاعي لا سيما في المكاتبات، فإنه جعل الأجوبة إلى رايي، ورضي في مباديها وغاياتها بإنشائي فإذا تأملها وأعارها منه طرفا، لم يغير منها حرفا، وقال: رميت عن قوسي، وأعربت عما في نفسي، فلله درك ودرك، وكيف وافق سري سرك، ويقول: مافي خطٌ فلان خطأ ولا في قوله خطل، وما في داخله دخل، ولا في خلاله خلل، وكان يحلني في الذرى، ويجلني على الورى، ويكبرني عن الشعر، ويشتري مدحي بغالي السعر، فقيدني بهذا الإحسان عن اتباع الملك الناصر إلى مصر، فوفيت له إلى أن وفى مدته، وأبلى جدته، وأنجز الله من دار النعيم عدته، وكنت كموسى لازم شعيباً ﵉ حتى قضى الأجل ثماني حجج، ثم سار في أوضح نهجٍ بأضوإ حجج.
ومما قلته في نور الدين ﵀ أنني في مبدإ وصولي إلى جنابه، تعذر لقائي له لشدة حجابه، فكتبت إليه:
ما أَعْلَمُ والحظُّ عَزيزُ الدَّرَكِلِمْ أُحْرَمُ تَقبيلَ يَمينِ المَلِكِ
يا مَنْ بمُرادِه مَدارُ الفَلَكِأَبْشِرْ بوقوع شاكرٍ في الشَّرَك
وسألني قدس الله روحه إن أعمل على لسانه دوبيتيات في الغزو والجهاد، فقلت:
أَقْسَمْتُ سِوى الجْهادِ مالي أَرَبُوالرّاحةُ في سِواهُ عِندي تَعَبُ
إلاّ بالجْدّّ لا يُنالُ الطَّلَبُوالعيشُ بلا جِدّ جهادٍ لَعِبُ
وقلت في المعنى:
لا راحةَ في الْعَيْش سِوى أَن أَغْزُوسَيْفي طَرَباً إلى الطُّلى يَهْتَزُ
في ذُلِّ ذوي الكُفْر يكونُ الْعِزُّوالقُدرةُ في غيرِ جهادٍ عَجْزُ
وقلت في المعنى على لسانه:
أَذْلَلْتُ ذَوِي الشِّرْكِ يِعزِّ الْعَزْمِوالكُفْر بهزِّ صارمي في عَزْمِ
شَيّدْتُ بِنُيَ المْلُك بأَمِري الجْزَمْوالنَّصْر رَأَيْتُهُ قرينَ الحزمِ
وقلت أيضاً:
لِلْغَزْوِ نَشاطي وَإليه طَرَبيمالي في العيشِ غَيْرَه من أَرَبِ
بالْجِدِّ وَبالجْهادِ نُجْحُ الطَّلَبِوالرَّاحَةُ مُسْتَوْدَعةٌ في التَّعب
وقلت فيه بعد التباسي بديوانه، واستئناسي بإحسانه، من كلمةٍ:
بالْمَلِكِ العادلِ مَحْمودِأَنْجَزتِ الأيّامُ مَوْعودي
أَسْكَنني الإِقبالُ في ظِلِّهوَعاد حَظِّي مُورِقَ الْعودِ
مَنْ لم يَكنْ في ظِلِّهِ ساكناًفإِنه ليس بِمَسْعودِ
وَكيف لا يَسْعَدُ عَبدٌ لهأَقامَ بينَ الْعَدْل والجْودِ
سَفائنُ الآمالِ من جُودِهقد اسْتَوَتْ مِنّا عَلَى الْجُودي
آلاؤُه الْبِيضُ بِلأَلائهاتُشْرِقُ في لَيْلاتِنا السُّودِ
عَزْمَتُهُ مَشهورةٌ في الْوَرىوَسَيْفُه ليس بِمَغْمُودِ
وَثَلْمُ ثَغْرِ الكفرِ عاداتُهُلا لَثْمُ ثَغْرِ الغادَةِ الرُّودِ
تَثْني مَثاني الذِّكر عِطْفَيْهِ لالحنُ الْمَثاني والأغاريد
وَفي مَطا الْجُرْدِ له راحةٌتُنْسي وِصالَ الخْرُدَّ الْغِيدِ
غَدَوْتَ لِلْإسلام رُكْناً وكمرُكْنِ ضلالٍ بِكَ مَهدودِ
وَذُلّ لأَواءِ بَنِي الشِّرْك فيلواءِ نَصرٍ لك مَعْقودِ
شَيَّدتَ بالشّام بِناءَ الهْدُىعَزْماً وَحَزْماً أيَّ تَشْييدِ
لَوْلاك لم تَعْلُ بأَطرافِهراياتُ إِيمانٍ وتوحيدِ
فلم تَدَعْ في أَرضه كافراًأَوْ مُلْحداً ليس بمَلحودِ
وَلم تُغادِرْ منهمُ سَيِّداًيَغِدُرُ إلا طُعْمَةَ السِّيدِ
وَلم تَزَلْ تُرْدي صنادِيدَهمبجُندِكَ الغُرِّ الصَّناديدِ
ومنها:
يا مُغْزِياً شَمْلَ العِدى واللُّهىفي جَمعِه الحْمدَ بِتَبْديدِ
أَجَدْتُ لما جُدْتَ لي فاغْتَدَىبِمُقْتضَى جُودِك تَجْويدي
هُنِّي بكَ العْيِدُ وَقَوْلُ الْورَىهُنِّيتَ نورَ الدين بالْعيدِ
ومما قلته بالرها، هائيةٌ موسومةٌ بها، في مدحه أولها:
أَدْرَكتَ من كلِّ المعالي المُشْتَهىوَبَلَغْتَ مِنْ نَيْل الأماني المُنْتَهى
وهي طويلة جليلة، والهاء في روي أبياتها أصيلة.
ووصلت إلى الموصل فسام قطب الدين صاحبها، أخو نور الدين، كل شاعر هناك أن يعمل على وزنها ورويها، فما لحقوا غبارها، ولا كشفوا أسرارها.
وحدثت بالشام زلزلةٌ عامةً بكرة يوم الاثنين ثاني عشر شوال سنة خمسٍ وستين وخمسمائة عم بلاؤها البلاد وساوى تلاعها الوهاد، فمدحته بكلمةٍ أولها:
هَلْ لعاني الهْوى مِنَ الأسْرِ فادِأوْ لِساري لَيْلِ الصَّبابِة هادِ
قَوِيَ الشَّوْقُ فاسْتقادَ دُمُوعيوَوَهى الصِّبْرُ فاسْتقال فؤادي
جَنِّبُوني خَطْبَ الْبِعاد فسَهْلٌكلُّ خَطْب سِوَى النَّوَى والبعادِ
كنتُ في غَفلةٍ من البَيْنِ حتىصاح يومَ الأَثيلِ بالبَيْن حادِ
نابَ عنهمْ غَداةَ بانوا بقلبيرائحٌ من لواعج الوَجْد غادِ
أيُّها الصّادِرون ريّاً عن الْوِرْدِ أما تَنْقَعون غُلَّةَ صادِ
لم يكن طَيْفُكُمْ يَضِنُّ بِوَصْليلو سَمحتُمْ لنِاظري بالرُّقاد
قد حَلَلْتُمِ مِنْ مُهْجَتي في السُّوَيْداءِ وَمِنْ مُقْلَتي مَحَلَّ السَّوادِ
وَبَخِلْتُمْ من الْوِصالِ بإِسعافي أما كنتُمُ مِنَ الأجْوادِ
وبَعَثْتُمْ نَسيمَكُمْ يتلَقّاني فعادَ النَّسيمُ مِنْ عُوّادي
أَبقاءً بعدَ الأحبَّة يا قَلْبي ما هِذِه شُرُوطُ الْوِدادِ
ذابَ قَلْبي وسال في الدَّمعِ لمّادامَ مِنْ نارِ وَجْدِه في اتِّقادِ
ما الدّموعُ التي تُحَدِّرُها الأَشْواقُ إلاَّ فَتائتُ الأَكبادِ
أَيْنَ أَحبابيَ الكرامُ سَقى اللَّهُ عُهودَالأحباب صَوْبَ الْعِهادِ
حَبَّذا ساكنوا فؤادي وعَهْديبِهِمْ يَسْكُنون سَفْحَ الْوادي
أَتمنَّى في الشّامِ أهْلي ببغَدْادَ وأَيْنَ الشّآمُ مِنْ بَغْدادِ
ما اعْتِياضي عن حُبِّهمْ يَعْلَمُ اللَّهُتَعالى إلاّ بحُبِّ الْجهادِ
واشْتغالي بِخدْمَةِ المَلِكِ العادِلِ محمودٍ الكَريمِ الجْوَادِ
أنا منهُ عَلَى سَريرٍ سُرُوريراتع العَيْش في مَرادِ مُرادي
قَيَّدتنْي منه بالشّآمِ منه الأياديوالأيادي للحُرِّ كالأَقْيادِ
قد وَرَدْتُ البَحرَ الخِضَمَّ وَخَلَّفْتُ مُلوكَ الدّنْيا به كالثِّمادِ
هُو نِعْمَ الْمَلاذُ من نائب الدَّهْرِ وَنِعْمَ المَعاذُ عِنْدَ المَعادِ
الَغْزير الإِفضالِ وَالفَضْلِ والنائلِ والْعِلمِ والتُّقى والسَّدادِ
باذلٌ في مَصالح الدّينِ طَوْعاًما حَواهُ مِنْ طارفٍ وَتِلادِ
وَتَراهُ صَعْبَ الْمَقالَة في الشرّوَلكنْ في الخير سَهْل القِيادِ
جَلَّ رُزْءُ الفِرْنْج فاسْتَبدلوا مْنهـ بِلُبْس الحْديدِ لُبْسَ الحْدِادِ
فَرَّقَ الرُّعبَ منهُ في أَنْفُس الكُفّارِ بَيْنَ الأرواحِ والأجسادِ
سَطوةٌ زَلْزلتْ بسُكّانها الأرْضَ وَهَدَّتْ قواعد الأطوادِ
أَخَذَتْهُمْ بالحقِّ رَجْفةُ بأْسٍتَركتْهُمْ صَرْعى صُروفِ العَوادي
آيةٌ آثَرَتْ ذَوي الشِّرْك بالهُلْكِ وَأَِهلِ الإيمانِ بالإرشادِ
ومنها:
أَنْتَ قُطْبُ الدُّنيا وَأَصحابُك الغُرُّمَقام الأَبدالِ والأوتادِ
لم يَجِدْ عندَك النِّفاقُ نَفاقاًفَلِسُوق الفَساد سُوءُ الْكَسادِ
والْعَنُودُ الكَنُود ذو الغِشِّ غَشّاهُ رِداءَ الرَّدى عَناءُ الْعِنادِ
ومنها معنى ابتدعته في الزلزلة غريب:
وَبِحَقٍّ أُصيبتِ الأَرْضُ لمّامَكَّنَتْ من مَقامِ أهْل الفسادِ
عَلِمتْ أنّها جَنَتْ فَعَراهاحَذَراً من سُطاك شِبْهُ ارْتِعادِ
وقصد الموصل بعد موت أخيه قطب الدين مودود وأضافها إلى مملكته ثم سلمها إلى ابن أخيه سيف الدين غازي وعاد عنها منصوراً محبوراً إلى ولايته، فقلت ونحن في العود قد خيمنا على حلب، وفزنا بكل طلب، خامس عشر رجب، سنة ستٍ وستين:
الْحَمدُ لِلِه فُزْناوَللمَطالبِ حُزْنا
حُزْنا السُّرورَ وَمات الحَسُود غَماً وَحُزْنا
وَعاد سَهلاً من الأمْرِ كلُّ ما كانَ حَزْنا
وَأَذْعَنَتْ وَاستقادتْمُنًى لنا قد نَشَزْنا
مَواعِدُ الله في كلّسُؤْلِ نَفْسٍ يَجَزْنا
إنّ الأعاديَ ذَلّوابنَصْرِنا وَعزَزْنا
كم ظَهْرِ شِرْكٍ قَصَمْناوَعْطْفِ عِزٍّ هَزَزْنا
وَجيشِ باغٍ هَزمْناوَرأْسِ عاتٍ هَمَزْنا
وَفُرْصَةٍ للأَمانيمع النَّجاحِ انْتَهَزْنا
وَكم مراكزِ ملكٍفيها الرِّماحَ رَكَزْنا
وَكم عَدّوٍ سَلبناهُ ملكَه وَابْتَزَزْنا
نِلْنا الذي قد رَجَوْنابِالْحَوْطِ ممّا احترَزْنا
وَلم يُجزْ من أُمورِ الدُّنْيا سِوى ما أَجَزْنا
ببأْسِ محمودٍ المَلْك لِلْخطوب بَرَزْنا
وَبَيْنَ صَرْفِ الْعَواديوَبيْننا قد حَجَزْنا
لِلّه جَمُّ أَيادٍعن شُكرها قد عَجزنا
بكلِّ كنْزٍ سَمَحْناوالحمدُ مما كَنَزْنا
إنّا لَأَصْفى وَأجَدْىفي الخير وِرْداً وَمُزْنا
ما ساجَلَ الناسُ إلاّفُتْنا مَداهُمْ وَجُزْنا
لنا خلائِقُ غُرٌّعَلَى الوفاءِ غُرزْنا
نُزِّهْن عن كلِّ سوءٍوَبالْخَنا ما غُمْزنا
نَضيقُ بالحال ذَرْعاًوَنُوسِعُ الْعِرْضَ خَزْنا
وَلم نَدعْ للأَعاديفي مَوْقِفِ الفَخْرِ وَزْنا
وخرج عظيم الفرنج في غرة ربيع الأول سنة ثمان وستين لقصد حوران في خيله ورجله، وبات ِبقريةٍ يقال لها سمسكين، وسار للقائه نور الدين، وكنت معه، فلما عرفوا رحلوا راجعين، ونزلوا بالفوار، ثم توجهوا إلى السواد لائذين بالفرار، فقال لي نور الدين: أما تصف ما نحن فيه بقصيدةٍ، فارتجلت عند النزول بالمخيم مدحةً مشتملةً على وصف الحال، وسميت فيها كل من كان حاضراً من الرجال، الأكابر الأبطال، وسأورد منها قطعةً، وأذكر من معاني أبياتها لمعةً، وأولها:
عُقِدَتْ بِنَصِركَ رايَةُ الإْيمانِوَبَدَتْ لِعَصرِكَ آيَةُ الإحْسانِ
يا غالِبَ الغُلْبِش المُلوكِ وَصائِدَ الصِّيدِ اللُّيوثِ، وَفارِسَ الفُرْسانِ
يا سالِبَ التِّيجانِ من أَرْبابِهاحُزْتَ الْفَخارَ على ذَوِي التّيجانِ
مَحْمودٌ المْحَمْودُ ما بَيْنَ الْوَرىفي كُلِّ إقْليمٍ بِكُلِّ لِسانِ
يا واحِداً في الْفَضْلِ غَيْرَ مُشارَكٍأَقْسَمْتُ مالَكَ في البْسَيطَةِ ثانِ
أَحْلَى أَمانِيكَ الجْهادُ وإنَّهُلَكَ مُؤْذِنٌ أَبَداً بِكُلِّ أمانِ
كَمْ بِكْرِ فَتْحٍ وَلَّدَتْه ظُبَاكَ مِنْحَرْبٍ لِقَمْعِ المُشْرِكينَ عَوانِ
كَمْ وَقْعَةٍ لَكَ في الْفِرَنْج حَديثُهاقَدْ سارَ في الآفاقِ، والْبُلْدانِ
كَمْ مُصْعَبٍ عَسِرِ الْمَقَادةِ قُدْتَهُنَحْوَ الرَّدى بِخَزائم الخْذُلانِ
قَمَّصْتَ قَوْمَصَهُمْ رِداءً من رَدىًوَقَرَنْتَ رَأسَ بِرَنْسِهمْ بِسِنانِ
وَمَلَكْتَ رِقَّ مُلوكِهمْ وَتَرَكْتَهُمْبالْذُُّلِّ في الأقَيْاد والأسْجان
وَجَعَلْتَ في أَعْناقِهمْ أَغْلالَهُمْوَسَحْبَتهْم هوْناً على الأَذْقانِ
إذْ في السَّوابِغِ تُحْطَمُ السُّمْرُ القْنَاوالْبيضُ تُخْضَبُ بالنَّجيعِ الْقاني
وعَلى غِناءِ الْمَشْرَفِيَةِ في الطُّلَىوالْهامِ رَقْصُ عَوامِلِ المُرَّانِ
وَكأَنَّ بَيْنَ النَّقْعِ لَمْعَ حَديدهانارٌ تَأَلَّقُ مِنْ خِلالِ دُخانِ
غَطَّى العَجاجُ بِهِ نُجومَ سَمائِهِلِتَنُوبَ عَنها أنْجُمُ الخْرِصانِ
ومنها:
يا خَيْبَةَ الإفْرَنْجِ حينَ تَجَمَّعوافي حَيْرَةٍ وأَتَوا إلى حَوْرانِ
جاؤوا وَظَنُّهُمُ يُعَجِّلُ رِبْحَهمفأَعَدْتَهُمْ بالِخْزَي والْخُسْرانِ
وَظُنونُهُمْ وَقُلوبُهُمْ قد أَيْقَنَتْلِلرُّعْبِ بالإِخْفاقِ والْخَفَقانِ
وَجَلَوْتَ نورَ الدِّينِ ظُلْمَةَ كُفْرهملمّا صَدَعْتَ بِواضِحِ الْبُرهِانِ
وَهَزمَتْهَمُ بالْرَّأْي قبلَ لقائِهمْوالرّأْيُ قَبْلَ شَجاعَةِ الشُّجْعانِ
راحوا فباتوا تَحْتَ كل مَذَلَّةٍوَضَرَبْتَ مِنهْم فَوْقَ كلِّ بَنانِ
ما في النَّصارى الْغُتْمِ إلاّ مَنْ لَهُفي الصُّلْبِ، بانَ الكَسْرُ وَالصُّلْبانِ
وَلَّوْا وَقَلْبُ شُجاعِهِمْ في صَدْرهِكالسَّيْفِ يُرْعِدُ في يَمينِ جَبانِ
فَارُوا مِنَ الفَوَّارِ عِنْدَ فِرارِهِمْبِالْفَوْرِ وَامْتَدّوا إلَى المْدّانِ
وَأَزارها الشَّلاّلَةَ الشَّلُّ الّذيأَهْدى لَهُمْ شَلَلاً إلَى الأَيْمانِ
وَلّى وُجُوهَهُمُ سَوادُ وُجُوهِهْمنَحْوَ السَّوادِ، وَآذَنُوا بِهَوانِ
ومنها:
حَمَلَتْ عَلَيهِمْ مِنْ جُنودِكَ فِتْيَةٌلمْ تَدْرِ غَيْرَ حَمِيَّةِ الفِتْيانِ
زَخَرَتْ بهمْ أمْواجُ آجكَ في الوَغىغُزُراً وَطَمَّ بِهمْ عُبابُ طُمانِ
وَتَذَمَّموا مِنْ حَرِّ بَأْسِ مُحَمَّدٍوَتَهَيَّبوا الْحَمَلاتِ مِنْ عُثمانِ
وَبِسَيْفِ جُرْديكَ الْمُجَرَّدِ غُودِرُوابِدِماء أَهْلِ الْنَدْرِ في غُدْرانِ
وَبِعَيْنِ دَوْلَتِكَ الّذي قَدَّمْتَهُفُقِئَتْ عُيونُ الْكُفْرِ وَالْكُفْرانِ
وَاليارُقِيَّةُ أَرَّقَتْهُمْ في الدُّجىبِسِهامِ كُلِّ حَنِيَّةٍ مِرْنانِ
أَجْفانُهُمْ نَفَتِ الغِرارَ كما انتْفَىماضي الْغِرارِ بِهِمْ مِنَ الأجْفانِ
بَعَلُوا مُعْسكَرَ بَعْلَبَكَّ وأَبْصَروامِنْ جُنْدِ بُصْرى بَرْكَ كُلِّ جِرانِ
وَكأَنَّما الأَكْرادُ فَوْقَ جِيادِهاعِقْبانُ مُلْحَمَةٍ عَلَى عِقْبانِ
وَلَطاَلما مَهَرَتْ عَلَى نَصْرِ الهُدىأَنْصارُكَ الأَبْطالُ مِنْ مهْرانِ
لم يَتْرُكِ الأَتْراكُ فيهِمْ غايَةًبِالْفَتْكِ وَالْإْرهاقِ وَالإثْخانِ
مِنْ كُلِّ رامٍ سَهْمُهُ مِنْ وَهْمِهِأَهْدى إلى إنْسانِ عَيْنِ الرّاني
وَلَكَ المْمَاليكُ الّذينَ بهِمْ عَنَتْأَمْلاكُ مِصْرَ لِمالِكي بَغْدانِ
هُمْ كَالصَّحابَةِ يَوْمَ بَدْرٍ حاوَلوانَصْرَ النَّبِيِّ وَنُبْتُ عَنْ حُسّانِ
الحائِزُونَ مِنَ السِّباقِ خِصالَهُفي مُلْتَقى حَرْبٍ وفي مَيْدانِ
مِنْ كُلِّ مَبْسوطِ الْيَدَيْنِ يَمينُهُما تَمْتَلي إلاَّ بِقَبْضِ يَمانِ
ومنها في تسمية من حضر من الفرنج الملاعين خذلهم الله تعالى:
لَمّا رَأَى الدّاويُّ رَاوُنْداءَهُوَلّى بِطاعونٍ بِغَيْرِ طِعانِ
طَلَبَ الفَريرِيُّ الْفِرارَ بِطلْبِهِمُتَباعِداً مِنْ هُلْكِهِ المُتَداني
وَالهَنْفَري مُذْ هانَ فَرَّ مُؤَمِّلاًلِسَلامَةٍ، وَالهْوُن شَأْنُ الشّاني
بارُوا فَبارُونِيُّهُمْ بِفِنائِهِمُودٍ، وَسِيرُهُمُ أَسيرٌ عانِ
ومنها وصف ما اعتمده نور الدين في ذلك اليوم، حيث أنفذ سريةً إلى بلاد القوم، فأحرقت ونهبت، وكبست أهلها وكسبت؛ وذلك من طريق مخاضة الأحزان:
أَخْلَوْا بِلادَهُمُ فَحَلَّ بِأَهْلِهامِنْكَ الغَداةَ طَوارِقُ الْحِدثانِ
أَنْهَضْتَ حينَ خَلَتْ إليها عَسْكَراًأَخْلى قَواعِدَها منَ البْنُيْانِ
وَشَغَلْتَ جَأْشَهُمُ بِجَيْشٍ هَدَّهُمْفَجَنى ثِمارَ النُّصْرَةِ الجَيْشانِ
وَمَلَأتَ بالنّيرانِ أَرْبُعَ أَهْلِهافَتَعَجَّلوا الإحْراقَ بالنّيرانِ
عادُوا حينَ رَأَوْا خَرابَ بُيوتِهِمْيَئِسُوا مِنَ الأوْطارِ وَالأوْطانِ
باؤوا بِأَحْزانٍ وخاضوا هَوْلهَامِمَّا لَقُوا بِمَخاضَةِ الأحْزانِ
وَقَدِ اسْتَفادَ المُشْرِكونَ تَعازيِاًوَالْمُسِلُمونَ تَهادِياً بِتَهانِ
لمَ تَلْقَهُمْ ثِقَةً بِقُوَّةٍ شَوْكَةٍلكِنْ وَثِقْتَ بِنُصْرَةِ الرَّحْمانِ
ومنها:
دانَتْ لَكَ الدُّنْيا فَقاصيها إذاحَقَّقْتَهُ لِنَفاذِ أَمْرِكَ دانِ
فَمِنَ العِراقِ إلى الشَّامِ إلى ذرىمِصْرٍ إلى قُوصٍ إلى أُسْوانِ
لَم تَلْهُ عَنْ باقي الْبِلادِ وَإَّنماأَلْهاكَ فَرْضُ الغَزْوِ عَنْ هَمَذانِ
إعْزازُكَ الدّينَ الحْنَيفَ وَحِزْبَهُقَدْ خَصَّ أَهْلَ الشِّركْ بالْإهْوانِ
أَذْعَنْتَ لِلهِ المْهُيَمْنِ إذْ عَنَتْلَكَ أَوْجُهُ الأَمْلاكِ بِالإْذعانِ
أَنْتَ الّذي دُونَ المُلوكِ وَجَدْتُهُمَلْآنَ مِنْ عُرْفٍ ومِنْ عِرْفانِ
عُمْرانُ عَدْلِكَ لِلْبِلادِ كأَنَّماقَدْ عاشَ في أيَّاِمَك العُمَرانِ
خَلَّدْتَ في الآفاقِ ذِكْراً باقِياًأَبَدَ الزَّمانِ بِبِذْلِ مالٍ فانِ
وسار إلى مرعش، وفارق دمشق في أطيب فصولها أيام المشمش فكتبت إلى بعض أصدقائي بها:
كِتابي فَدَيْتُكَ منْ مَرْعَشِوخَوْفُ نَوائِبِها مُرْعِشي
وما مَرَّ في طُرْقِها مُبْصِرٌصَحيح النَّواظِرِ إلاّ عَشِي
وَما حَلَّض في أَرْضِها آمِنٌمِنَ الضَّيْمِ وَالضُّرِّ إلاّ خَشِي
تُرَنِّحُني نَشَواتُ الْغَرامِكأَنَّيَ مِنْ كَأْسِهِ مُنْتَشِ
أَبِيتُ وَنارُ الأَسى مَضْجَعيوَأُمْسي وَجَمْرُ الغَضا مَفْرَشي
وَأُصْبِحُ وَلْهانَ وَجْداً بِكُمْكَأَنَّي مُصابٌ عَلَيْهِ غُشِي
أُسِرُّ وَأُعْلِنُ بَرْحَ الْجَوىفَقَلْبي يُسِرُّ وَدَمْعي يَشِي
وَلَيْلِيَ مِنْ طُولِ من أُشْتَكيكَلَيْلِ اللَّديغِ منَ الْحِرْبِشِ
وَلْيسَ سِوى ذِكْرِكُمْ مُؤْنِسيوَلكِنَّ بُعْدَكُمُ مُوحِشي
بَذَلْتُ لَكُمْ مُهْجَتي رشْوَةًفحاكِمُ حُبِّكُمُ مُرْتَشِ
وكَيْفَ إلى وَصْلِكُمْ أَهْتَديوَخَطْبُ فِرِاقِكُمُ مُدْهِشي
وَكَيْفَ يَلَذُّ الْكَرى مُغْرَمٌبِنارِ الْغَرامِ حَشاهُ حُشِي
بِمَرْعَشَ أَبْغي وَبَلُّوطِهامُضاهاةَ جِلِّقَ والْمِشْمِشِ
فسارت هذه القصيدة؛ بل القطعة، ونمي إليه ثمر حديثها، فاستنشدنيها ونحن سائرون في وادٍ كثير الأشجار أثيثها، فقلت له: إنما قلتها في مدحك شكراً لصحبتك لا شكاية، وأنشدتها مع بيتين بدهت بهما في الحال وهما:
وَبالْمَلِكِ الْعادِلِ اسْتَأْنَسَتْنَجاحاً مُني كُلِّ مُسْتَوِحشِ
وَمافي الأَنامِ كَريمٌ سِواهُفَإنْ كُنْتَ تُنْكِرُني فَتِّشِ
وعرفته أن وحشة الغربة بخدمته أنسٌ، وأن الفصحاء عن شكر معاليه خرسٌ.
ولما شرع في ختان ولده الملك الصالح، ووافق ذلك عيد الفطر سنة تسعٍ وستين، وتوفي بعده بعشرة أيام، قلت فيه من قصيدةٍ أولها:
عِيدانِ: فِطْرٌ وَطُهْرُفَتْحٌ قَريبٌ، وَنَصْرُ
ذا مَوْسِمٌ لِلأَمانيبِالنُّجْحِ مُوفٍ مُبرُّ
وَذاكَ مَوْسِمٌ نُعْمىأَخْلافُها تسْتدرُّ
هذا مِنَ الصَّوْمِ فِطْرٌوَذاكَ لِلصَّوْمِ تَدْرُ
نَجْلٌ عَلى الطُّهْرِ نامٍزَكا لَهُ مِنْكَ نَجْرُ
وَكيْفَ يُعْمَلُ لِلطّاهِرِ المُطَهَّرِ طُهْرُ؟
ونطقت فيه بما كان في سر القدر حيث قلت:
هذا الْخِتانُ خِتامٌبِمِسْكِهِ طابَ نَشرُ
وَذا الطّهورُ ظُهورٌعَلَى الزَّمانِ وَأَمْرُ
فالولد بكرة الخميس ختن، والوالد ضحوة الخميس الآخر دفن، وبالخير لهذا ابتدي ولذاك ختم، لكن بنيان ملكه هد وهدم.
وكتبت عقيب وفاته إلى أصدقائي ببغداد قصيدةً أتشوقهم فيها، وأرثي نور الدين، أولها:
تُرى يَجْتَمِعُ الشَّمْلُ؟تُرى يَتَّفِقُ الوَصْلُ؟
تُرى الْعَيْش الّذي مَرَّمَريراً بَعْدَهُمْ يَحْلو؟
تُرى مِنْ شاغِلِ الهَمِّفُؤادي الْمُبْتَلي يَخْلو؟
بَغْيري شُغِلوا عَنّيوَعِنْدي بِهِمْ شُغْلُ
وَكانوا لا يَمَلُّونَفما باُلُهمُ مَلُّوا؟
وَراموا سَلْوَةَ الْمُغْرَمِ والْمُغْرَمُ لا يَسْلُو
إذا ما كُنْتُ لا أَسْلُوافماذا يَنْفَعُ الْعَذْلُ؟
أَلاَ يا قَلْبُ إنَّ الْعِزَّفي شَرْعِ الهَوى ذُلُّ
وَما دَلَّ عَلَى ذلكَإلاّ ذلِكَ الدَّلُّ
أَلاَ يا حَبَّذا بِالِجْزْعِ ذاكَ الْبانُ وَالأَثْلُ
ومنها:
إذِ الأَبْكارُ لِلآْصالِ في بَهْجَتِها تَتْلُو
وَأَنْفاسُ صَبا الأَسْحارِ بِالصِّحَّةِ تَعْتَلُّ
هَديلُ الوُرْقِ في مُورِقَةٍ أَفْنانُها هُدْلُ
وَأَكْنافُ الصِّبا خُضْرٌوَأفْناءُ الْحِمى خُضْلُ
وَلِلَّذّاتِ أَبْوابٌوَما مِنْ دُونِها قُفْلُ
تُرى يَرْجِعُ مِنْ طِيبِزَماني ذلِكَ الفَصْلُ
تَغَرَّبْتُ فَلا دارٌولا جارٌ ولا أَهْلُ
أَخِلّايَ بِبَغدادَوَهَلْ لي غَيْركمْ خِلُّ؟
سَقى مَغْناكُمُ دَمْعيإذا ما احْتَبَسَ الْوَبْلُ
عَذابي فيكُمُ عَذْبٌوقَتْلي لَكُمُ حِلُّ
وَهذا الدَّمْعُ قَدْ أَعْرَبَ عَنْ شَوْقَيِ فَاسْتَمَلُوا
وَهذا الدَّيْنُ قَدْ حَلَّفَلِمْ ذا الوَعْدُ وَالمَطْلُ
أَعِيذُوني مِنَ الهَجْرِفَهِجْرانُكُمُ قَتْلُ
هَبُوا لي لِقُيْةَ مِنْكُمْفَبِالْأَرْواحِ ما تَغْلو
وإنْ شِئْتُمْ عَلى قَلْبيوَسُلْوانِكُمُ دُلُّوا
ومنها في مرثية نور الدين:
لِفَقْدِ الْمَلِكِ الْعادِلِ يَبْكي الْمُلْكُ وَالْعَدْلُ
وَقدْ أَظْلَمتِ الآفاقُ لا شَمْسٌ وَلا ظِلٌّ
وَلمّا غابَ نُورُ الدّينِ عَنّا أَظْلَمَ الْحَفْلُ
وَزالَ الْخَصْبُ وَالْخَيْرُوَزادَ الشَّرُّ وَالْمَحْلُ
وَماتَ الْبَأْسُ وَالْجودُوَعاشَ الْيَأْسُ وَالْبُخْلُ
وَعَزَّ النَّقْصُ لَمّا هانِ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْفَضْلُ
وَهَلْ يَنْفُقُ ذُو الْعِلْمِإذا ما نَفَقَ الْجَهْلُ
وَإنَّ الْجِدَّ لا يُسْمِنُ حَتّى يُسْمِنَ الْهَزْلُ
وَمُذْ فارَقَ أَهْلَ الْخَيرِ ما ضُمَّ لَهُ شَمْلُ
وَكادَ الدّينُ يَنْحَطُّوَكادَ الْكُفْرُ أَنْ يَعْلو
ومنها أصف تضعضع حالي بعده، وأذكر لفقده عدم سروري وفقده:
عَلَى قَلْبي مِنَ الأيّامِ في خِفَّتِها ثِقْلُ
وَقَدْ حَطَّ عَلَى الْكُرْهِمِنَ الْهَمِّ بِهِ رَحْلُ
وَمنْ صُلْتُ بِهِ في الدَّهْرِ أَضْحى وَهْوَ لي صِلُّ
تَوَلّى دُونِيَ الدُّونُوأَبْقى الْعِزَّ لي عَزْلُ
وَأَوْلى بي مِنَ الِحْلَيةِ ما بَيْنَهُمُ الْعَطْلُ
وَماذا يَنْفَع الأَعْيُنَ مِنْ بَعْدِ الْعَمى كُحْلُ
ثم أردت أن أستدرك، وأداري الملك، فقلت:
وَلوْلا الْمَلِكُ الصَّالِحُ ما شَدُّو وَلا حَلُّوا
وَلَمّا أَنْ زَكا النَّجْرُزَكا في الْكَرَمِ النَّجْلُ
وجاءَ الْفَرْعُ بِالْمَقْصودِ لَمّا ذَهَبَ الأَصْلُ
وَجُودُ الْبَعْضِ كَالْكُلِّإذا ما فُقِدَ الْكُلُّ
وَلَيْثُ الْغابِ إنْ غابَحَمى مَوْضِعَهُ الشِّبْلُ
وَما كانَ لِنُورِ الدِّينِ لَوْلا نَجْلُهُ مِثْلُ
تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِإذا ضاقَتْ بِيَ السُّبْلُ
وَعَلَّقْتُ بِحَبْلِ اللّهِ كَفّي فَهُوَ الْحَبْلُ
ولي في مرثيته قصيدةٌ أخرى طويلةٌ تقارب مائةً وعشرة أبياتٍ أولها:
الدِّينُ في ظُلَمٍ لِغَيْبَةِ نُورِهِوَالدَّهْرُ في غُمَمٍ لِفَقْدِ أَميرِهِ
وفي إيرادها تطويلٌ، ومالي على الإطالة تعويلٌ، وحيث عرفت حق إنعامه. قضيت قروضه، وأديت فروضه، بتخليد ذكره، وتجويد شكره، والتنبيه على قدره، والتنويه بأمره، فما أجزيه بغير الدعاء، وإثباته في أحياء الأموات السعداء الأحياء، وما وجدت بعده من أصحابه إلا من سعى في محو آثاره، وقابل معروفه بجحده وإنكاره، وتلاعبوا بملكه بعد هلكه، وتواثبوا على تركته بعد تركه، وكان قصده، ﵀، إعزاز الإسلام وإذلال الكفر، فعملوا بالضد، وانفرد كل واحدٍ برأيه المستبد، وطرت من بينهم بخافية الخوف من أهوال أهوائهم، وحيث لم ينجع طبي في مرضهم تركتهم بأدوائهم، وأقمت بالموصل ثلاثة أشهرٍ ملازماً للبيت أنتظر فرجاً، وأرتقب لقصد العراق منهجا، وكتبت إلى الوزير جلال الدين ابن جمال الدين من جملة ما كتبت إليه:
مَوْلايَ ضَجِرْتُ من لُزوم الْبَيْتِكَالْمَيْتِ وما أَوْحَشَ بَيْتَ الْمَيْتِ
لا تَلْفِتُ من حَظّي لِيتاً لَيْتنْيهَلْ يَمْلأُ قِنْديلي يوماً زَيْتي
حتى ورد الخبر بوصول الملك الناصر إلى دمشق ونزوله بالكسوة، وحلوله من الملك في الذروة، فكتبت إلى جلال الدين:
قدْ صَحَّ أَنَّ صلاحَ الدِّينِ في الكُسْوهومِنْ سُطاه رِجالُ الرَّوْعِ كالنِسُّوَه
وَلي بِمَنْ أَمَّهُ في جِلَّقٍ أُسْوَهوالآن يَرْفُل عاري الَحظِّ في كُسْوَه
ثم سرت وسريت، وإلى منتهى الأمل انتهيت، وأقبل الإقبال وأدبر الإدبار، وانتعش العثار، واستوحش الأغمار وكبت العدو، وكتب السمو والحمد لله على البرء من ذلك السقم، والتبرؤ من تلك الأمم، والسلامة من العلل، والاستقامة بعد الميل، والتحلي بعد العطل، والتملي بنجح الأمل، فليخسإ الحاسد وليخسر، وليحسر عن تبابه وليتحسر، وليبشر المولى بما تسنى من الولاية وتيسر.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع