تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

كاتب الأمير ناصر الدولة

دخلت على القاضي الأجل مستهل المحرم سنة إحدى وسبعين في المخيم بمرج الصفر أهنيه بجديد العام العام الجدوى، وأستهديه الفوائد التي بها أحيا وأقوى، فوجدت بيده كتاباً لأبي القاسم المذكور إليه، والقاضي الفاضل يقضي بفضله ويثني عليه، فوقفت على رسالته وطالبته بكلمته، فأراني قصيدته، وأقراني فقرته، وقال إنه أفضل من بمصر نظماً ونثيراً. هذا وقد جمع من رسائله عشر مجلدات. فأما الرسالة فهي: قد جعل الله المجلس العالي الفاضلي الأسعدي زاده الله من اصطفائه أبكار المناقب وعونها، وواصل إلى جنابه حمولات المثوبات وظعونها، واستجاب من أوليائه في طول بقائه وهلاك أعدائه صالح الدعوات التي يدعونها خير ما ينادى قريباً ويناجى بعيداً، وأفضل منعمٍ يحقق وعداً ويخلف وعيداً، وعم الخلق جميعاً بنعمته، وشرف القلب بصواب حكمه وصوب حكمته، وألهج أقلامه بتوزيع إفضال المال والجاه، وقسمته، وخصه في إهداء الهدى بهديٍ أقربه على الساعين أبعده، وأثل له مجداً لا يتناهى مصعده، أو يكون فوق النجم مقعده. ولم يزل إقباله على المملوك يريه وجه الإقبال وسيماًن ويعيد عنده سموم اليأس بأرواح النجاح نسيماً، ولا يضيع جريه في ميدان اعتناق تنفيذ مرامه عنقاً ورسيما. وقد كان أكبر مولاه عن مكاتبة تليق بالأكابر، وتنحط أصاغر الخدام عن درجة المحافظ عليها المثابر، وسأل ابن حيون إحساناً إليه بذكر هذه الجملة في كتبه وإجمالاً، وأن يقلده بالإعراب عنه منة لا يسأم لها على مر الزمان احتمالاً. وحين أكدت مطالبه، وأحاطت بجوانبه دواعي الندم وجوالبه، وصار الإجلال وجلا، وعاد الإخلال خجلا، ثاب إليه من علم شرف خلق المولى وكرم طبعه، وتواضعه إقداراً للمعالي بحسن وضعه، ما حمله على نظم قصيد خدم بها مجلسه الكريم، مع تحققه أن لمدحه جادة جدٍ تعجز جلة الشعراء عن سلوكها، وتيقنه أن مناقبه لا تحتاج إلى المدائح إلا كحاجة عقود الجواهر إلى سلوكها، وضراعته في إجرائه في تقبلها على مألوف عادة الإحسان ومعروفها، واغتفار خطلها الذي كفارته ما يواصله هو وعائلته من أدعية صالحة للمولى بعدد حروفها. والمملوك مستمرٌ على عادته في ملازمة الخدمة والمواظبة عليها، وإدامة البكور إليها، مع ما يلحقه من النزلات التي تظلم مطالع محياه وغيرها من أمراض شاهدها اصفراراً محياه. والله تعالى يزيد في علو محل المولى المؤسس على التقى، ويجمل الدنيا بمفاخره الموفية على ناصع الجوهر المنتقى، ولا زال أفواج الرفاق لاقيةً إذا حطت بجنابه أفضل ملتقى.

وأما القصيدة فإنها تنيف على مائة بيت فأثبت منها ما عقدت خنصر الاختيار عليه، ومطلعها:

تالله ما عاشق الدُّمَى عاقلْكلاَّ ولا عاذلٌ له عادِلْ
ذا مُغْرَمٌ مُرْغَمٌ أخو حُرَقٍوذا مطيلٌ ما عنده طائل
لم يخشَ من ناقدٍ وقد جاء بالنُّكْسِإلى ناقِهِ الهوى ناقل

ومنها:

غانيةٌ عن حليِّ غانيةٍبحسنِ عاطٍ من جيدها عاطل
وأسمرٍ غادرتْ لدونَتُهُماءً لها فيه جارياً جائل
سنانُه طَرْفُهُ ومن عَجَبٍسيفٌ علا لهذماً على ذابل!
أهلَّه ضارباً وأَعملَ للطعنسواهُ من نهده عامل

ومنها:

وحالةُ المستهانِ أَنفعُ ماعاذَ به المستهامُ مِن عاذل
خبا سناهُ وخابَ مقصدهأَيَّةُ حالٍ لخامدٍ خامل

ومنها في ذم الدنيا:

وزاد حُبُّ الهوى عليه فماينفكُّ في هُوَّة الهوى نازل
يريد منها خفضاً فيرفعهمِن نَصْبِه للعَنَا بها فاعل
أَين من الدَّرِّ كف حالبهاالمكفوف منها بكُفَّةِ الحابل
يُظْهِرُ تكذيبُ سلْمِ باطِنِهاعنوانَ عدوانِ خاثرٍ خاتل
أنصارُها عصبةُ التتابع في الجهلِوأحزابُ طالبي الباطل
وما يَنِي مُذْكِراً بخطبتهاحُكْمُ التناسي لحكمها الحائل
يكونُ منها أمرُ الولاءِ وماثَمَّ لها عاضلٌ سوى الفاضِل
عبد الرحيم الذي لرَحمتهظلٌّ على الخلق وارفٌ شامل
القابلُ القصدَ والمعيذُ من المنِّأُلوفاً في العامِ والقابل
وجاعل الرسمِ في سماحتهتحبيسَ مِلْكِ الغِنَى على السائل

ومنها:

وما الغنيُّ المعزُّ للوفْرِ بالْمنعِولكن مُذِلُّهُ الباذل
بديهةُ البِرِّ منه مُوفِيَةٌأيدٍ عوادي الردى بها زائل
لعروةِ الجهل والقَضيَّةِ إِذْتُعْي ذوي العلمِ فاصمٌ فاصل
إِن يظهرِ المدحُ فيكَ مُنْتَقَصاًفمنه في النفسِ كامنٌ كامل
لأَنَّه في فَعَالِ همتهلغايةِ العجز قائدُ القائل

ومنها:

ومعجزُ السيفِ فضلُ جوهرهومائِهِ لا عنايةُ الصاقل

ومنها:

وكم حبا السامعين فائدةًإِذا احتبى من نديِّه الحافل
وكم أَقام القسطاسَ حتى رأىالإِقساط عادٍ عن عدله عادل
وكم له من وساطةٍ مَنَعَتْصائبَ سهمٍ من حادثٍ صائل
يشبُّ منه الوليدَ أو يُعجز الكهلَاحتمالٌ منه على الكاهل
وسادرٍ في الضلال غادرَهُلثوبِ إِيناس رشده سائل

ومنها في وصف كتابته ومنطقه:

يعرب عن حكمة يظلُّ لهايُعْرِبُ عن لُكْنَةٍ به باقل
ما حاقَ مذ حَقَّ كُلَّ منطقهِحرامُ سحرٍ يُعْزَى إلى بابل
يرسلُ من نثره لآلئَهُنَبْلاً فأَعْظِمْ بناثرٍ نابل
فيقذف الدرَّ بحرُ حكمتهالخضمُّ من طِرْسِهِ إلى الساحل
كم ظلَّ أَعلى الكُتَّابِ منزلةًلديه عنها في حالة النازل
يعجز عن نقلهِ المثالُ مع الْإعجاز ما دام عنده ماثل
والخاطرُ الأسعديُّ يخطر فيبلاغةٍ ذيلُ فضلها ذائل
يَحْصُرُ إِنشاؤه غرائبَ أَقوالٍبها ربعُ ذكره آهل
أَوجدهُ الدهرُ عالماً فَضَلَالعالِمَ فضلَ العالي على السافل

ومنها:

صنعاً من الله للأجلِّ غدابكفِّ عَدْوَى أَعدائِهِ كافِلْ
ما فاءَ يوماً إِلى استشارته المَلْكُ فألفى من رأيه قائل
لكنْ بَلاَ منه خيرَ ذي قلمٍمُؤَازِراً خيرَ مالكٍ دائل
حتى توافَتْ منائحُ النصرللدولةِ تسري في منهجٍ سابل
لهنَّ من عدله ورحمتهأَمٌّ ولودٌ ووالدٌ ناجل
وضوعفت للجنود قوة إضعافِ الأَعادي فبأسُهُمْ باسل
أَقْصَرُ سهمٍ حوت كنانتهممزرٍ بطول المثقَّفِ العاسل

ومنها:

يا سيداً قُيِّدَتْ عقائلُ نُعْمَاهُبشكرٍ منه لها عاقل
إِذا أَخو الحاج ضلَّ عن سَنَنِالحجِّ إِليه ضلالةَ الذاهل
أَرَتْهُ أَنْوَارُهُ الطريقَ لهكأَنما مِيلهُ لها كَاحِل

ومنها:

ينحلنا شهدَه بلا إبرٍللنحل مِنْ مَنِّ باجلٍ ناحل
والبُسْر لولا لونٌ يباشرهالليلَ لما كان صِبْغُهُ حائل
يا صادراً نحو صدرِ بغيتنامرآكَ من صوبِ أَيْلَةٍ آيل
وكلهمْ فيكَ لازمٌ شرعةَ القافي لآثارِ رجعة القافل
مَطَرْتَ جُوداً محلَّ مَحْلِهِمُعهادَ رزقٍ ما عهدُهُ حائل

ومنها:

أَقسمت أنِّي ما لم أُمَجِّدْكَ تَعْلُونيمن الهمِّ خبلةُ الخابل
فأغتدي في الدَّنِيْ من القولِ أَختارُ كما اشتار أَرْيَهُ العاسل
مجتنياً تافهاً من المدح جمُّالمَنْحِ في وجهِ نقصه تافل

وذكر القاضي الفاضل أن له شعراً حسناً وأنشد منه أبياتاً من قصيدة طويلة في وصف القلم، هي قوله:

لعادة كفٍ إِنْ أَلَمََّتء بجلمدٍعدا مورقاً أو معشباً حلَّهُ الخصبُ
عجبتُ له أَنْ ظلَّ جاراً لسُحْبهاوما فعلتْ فيه كما تفعل السحب
وأَحْسبهُ حيَّا الطروسَ بنَبْعهوأَصبحَ مسلوباً وأَثمرتِ الكُتْب

قال ابن كاسيبويه الكاتب، وكان حاضراً عند القاضي الفاضل: وله أبيات في القطائف المقلوة وهي قوله:

أَهلاً بشهرٍ غدا فيه لنا خَلَفٌأكلُ القطائف عن شربِ ابنةِ العنب
من كل ملفوفةٍ بيضٍ إلى أُخَرٍحُمْرٍ من القَلْي تَشْفِي جِنَّة السَّغَب
كأنهنَّ حُروزٌ ذاتُ أَغشيةٍمن فضةٍ وتعاويذٌ من الذهب

وله بيتان أنشدتهما:

الصمتُ سَمْتُ سلامةٍطوبى لندبٍ يقتفيه
عرفَ المُنَكَّر للزمانِ فِدامَ فيه فَدَام فيه

وله في القطائف المقلوة:

وافى الصيامُ فوافتنا قطائفُهُكما تَسَنَّمتِ الكُثْبانُ من كَثَبِ

والبيتان الآخران هما المذكوران.

وله في شمعة مذهبة:

كأنها من بناتِ الهند مُثْقَلَةٌبالحَلْي تُجْلَى لكي تُهْدَى إِلى النار

ولما دخلت القاهرة في سنة اثنتين وسبعين اجتمعت به في دار السلطان ثم استنشدته شعره فأنشدني ما سبق ذكره من الأبيات وأنشدني لنفسه من قصيدة:

وذي هَيَفٍ إن راحَ للرَّاح ساقياًغدا سائقاً للصبِّ رَكْبَ حِمَامِهِ
يبيحُك إثماً من مُدار مُدامِهِويمنعُ لثماً من مُدارِ لثامهِ
فما بالُهُ في كفِّهِ عَدْلُ حُكْمِهِوفي طرفه الفتان جورُ احتكامهِ
وكيف أضاءتْ أَنجمٌ من كؤوسهِوقد أشرقتْ ما بينها شمس جامهِ

ومنها في الثغر:

وحقَّ له أنْ كان حُقَّ جواهرٍإذا صِينَ من مسك اللَّمَى بختامه

وله:

وغادةٍ غرَّني بغُرَّتِهارُوَاءٌ حسنٍ يدعو لرؤيتها
أَودُّ من وصلها نسيمَ رضاًيُبْرِدُ عني هجيرَ هجرتها
شممتُ إذ شِمْتُ برقَ مبسمهاأَطيبَ طيبٍ أمام ضَمَّتها
فقلتُ هذا دخان عنبرةٍللخالِ تَصْلَآ بنار وجنتها

وله:

نَظَرَتْ بطَرْفِي في شَخْصَها فتشكَّكتْإذ قلتُ إنّكِ في الحشا المتوهِّج
فحكى الذي في العَيْن ما في خاطريفأَرَيْتُها إِيَّاهُ في أُنمُوذَج

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.