من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
ابن البياني
صاحب القران، القديم الأقران، وواحد الزمان، العظيم الشان، رب القلم والبيان، واللسن واللسان، والقريحة الوقادة، والبصيرة النقادة، والبديهة المعجزة، والبديعة المطرزة، والفضل الذي ما سمع في الأوائل بمن لو عاش في زمانه لتعلق بغباره، أو جرى في مضماره. فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع ورسخت بها الصنائع، يخترع الأفكار، ويفترع الأبكار، ويطلع الأنوار، ويبدع الأزهار. وهو ضابط الملك بآرائه، ورابط السلك بآلائه، إن شاء أنشأ في يوم واحدٍ بل في ساعةٍ واحدة ما لو دون لكان لأهل الصناعة خير بضاعة. أين قسٌّ عند فصاحته وأين قيسٌ في مقام حصافته، ومن حاتمٌ وعمرو في سماحته وحماسته. فضله بالإفضال حالٍ، ونجم قبوله في أفق الإقبال عالٍ، لا من في فعله، ولا مين في قوله، ولا خلف في وعده ولا بطء في رفده. الصادق الشيم، السابق بالكرم، ذو الوفاء والمروة، والصفاء والفتوة، والتقى والصلاح والندى والسماح. منشر رفات العلم وناشر راياته، وجالي غيابات الفضل وتالي آياته. وهو من أولياء الله الذين خصوا بكرامته، وأخلصوا لولايته، قد وفقه الله للخير كله. وفضل هذا العصر على الأعصار السالفة بفضله ونبله؛ فهو مع ما يتولاه من أشغال المملكة الشاغلة، ومهامه المستغرقة في العاجلة، لا يغفل عن الآجلة، ولا يفتر عن المواظبة على نوافل صلاته، وحفظ أوراده ووظائفه، وبث أصفاده وعوارفه، ويختم كل يوم ختمةً من القرآن المجيد، ويضيف إليه ما شاء من المزيد. وأنا أوثر أن أفرد بنظمه ونثره كتاباً فإنني أغار من ذكره مع الذين هم كالسها في فلك شمسه وذكائه، وكالثرى عند ثريا علمه وذكائه؛ فإنما تبدو النجوم إذا لم تبد الشمس حاجبها، ولا حجب نور الغزالة عند إشراقها كواكبها؛ ولأنه لا يؤثر أيضاً إثبات ذلك، فأنا متمثلٌ لأمره المطاع ملتزم له قانون الاتباع؛ واضعٌ أذني لإذنه قابضٌ يميني على يمنه، راكنٌ بأملي إلى ركنه، قاطنٌ برجائي في ظل منه، أقترض رضاه، ولا أحكم على ما يحكم به ويراه، ولا أقوم إلا حيث يقيمني، ولا أسوم إلا ما يسومني، ولا أعرف يداً ملكتني غير يده، ولا أتصدى إلا ما جعلني بصدده، وأسأل الله التوفيق للثبات على هذا السنن وانتهاج جدده.
وهو أحق ممدوحي بمدحي، وأقضاهم لحقه، وأسماهم في أفقه، وأولاهم بصدقه، وأهداهم إلى طرقه، ولي فيه مدائح منظومةٌ ومنثورة، ومقاصد معاهدها بفضله معمورة، وقصائد قلائدها على مجده موفورة. فمن ذلك من قصيدة كتبت بها إليه عند وصوله إلى الشام في الخدمة الملكية الناصرية سنة سبعين واتصالي به:
قد أُهْدِيَ الإِثراءُ في الإِيفاضِ ليمذ فاضَ لي بالرَّحْبِ بحرُ الفاضل
قد عاضَ لي مَلْقَاهُ من فقري غنىًما زالَ صَرْفُ الدهر منه عاضِلي
كم من مُنىً ضَلَّتْ وعاودتِ الهدىبلقائه حتى غَلَبْتُ مناضلي
عاينتُ طَوْدَ سكينةٍ ورأيتُ شمسَفضيلةٍ ووردت بَحْرَ فواضل
ولقيتُ سَحْبانَ البلاغةِ ساحباًببيانه ثوبَ الفخارِ لوائل
أَبصرتُ قُسّاً في الفصاحةِ معجزاًفعرفتُ أني في فهاهةِ باقل
حلفُ الفصاحةِ والحصافةِ والسماحةِ والحماسةِ والتقى والنائل
بحرٌ من الفضلِ الغزيرِ خِضَمُّهُطامي العُبابِ وما لَهُ من ساحلِ
ومنها:
في كفِه قلمٌ يُعَجِّلُ جَزْيُهُما كان من أجلٍ ورزقٍ آجل
يجري ولا جَرْيَ الحسام إذا مَضَىحَدَّاهُ بل جَرْيَ القضاءِ النازل
نابَتْ كِتابتُهُ مَنَابَ كتيبةٍكُفِلَت بهزمِ كتائبٍ وجحافل
كم جادَ إسعافاً لعافِيهِ وكمأَمْلَى النجاجَ على رجايَ الآمل
بيراعهِ أبداً يُرَاعي عالِمٌفي سِرْبه ويُرَاعُ سِرْبُ الجاهل
فعَدُوُّهُ في عَدْوِهِ، وَوَلِيُّهُفي عَدْلِهِ، يا حُسْنَ عادٍ عادل
ريَّانُ من ماءِ التقى، صادٍ إلىكَسْبِ المحامدِ، وهْي خيرُ مناهل
غَطَّتْ فضيلتُهُ نقيضةَ دهرناعنا وأذهب حقه بالباطل
كفلت كفايته بكل فضيلةأَكْرِمْ بكافٍ للفضائلِ كافل
أكْرِمْ به من خِدْنِ إفضالٍ وذيفَضْلٍ لأهل الشام شافٍ شامل
ما حلَّ في بلدٍ فكان مَحلُّهُإلا محلَّ حَياً بروضٍ ماحل
ففداءُ حزمِكَ كلُّ غاشٍ غاشمٍوفداءُ فضلكَ كلُّ غافٍ غافلِ
يا أَوحدَ العصرِ الذي بَزَّ الورىفضلاً بغير مُشَاكهٍ ومُشَاكلِ
يا أفضلَ الفصحاءِ بل يا أفصحَالٍبلغاءِ منفرداً بغيرِ مُسَاجل
يا حالياً بالفضل حَلِّ تفضلاًمني بجَدِّكَ جيدَ حظٍ عاطل
كم ناقصٍ إدبارُه قد ردَّنيلكنَّما إقبالُ فضلِكَ قابلي
قد كان هذا الشامُ لولا أنتمُروعَ المقيم به وروحَ الراحل
كيف السبيلُ إلى نجاح مقاصديومحاسني وهي العيوبُ وسائلي
مالي وجاهَ الجاهلين فأَغْنِنيعنهمْ كُفِيتَهُمُ وجُدْ بالجاهِ لي
جُدْ لي بِمنَّتِكَ الضعيفةُ مُنَّتيعنها وأَثْقِلْ من جميلك كاهلي
أرجوكَ معتنياً لدى السلطانِ بيكَرَماً فمثُلكَ يَعْتَنِي بأَمَاثِلِي
تُوفِي وليَّكَ دَيْنَ مَجْدٍ عاقَهُليُّ الوعودِ من الزمانِ الماطل
قَرِّرْ ليَ الشغلَ المُنَخَّلَ مُخْلِياًبالي من الهمِّ المقيمِ الشاغل
لا زلتَ غيثَ مكارمٍ وبقتَ غَوْثَ أَكارمٍ وسلمتَ لَهْفَ أَفاضل
ومدحته بمصر وذلك في شهر رمضان من سنة اثنتين وسبعين بقصيدة أولها:
بِحَيَاتِكمْ ما عندكمْ بَعْديفَسِوَى الأَسَى ما بَعْدَكُمْ عندي
جُودُوا بِرِفْدٍ من خيالكمُفخيالكمْ لي غايةُ الرفد
أَسْدُوا إِليَّ يداً لأَشْكُرَهَافالشكرُ لا يعدو يدَ المُسْدِي
مالِي مجيرٌ غيرُ طَيْفِكُمُيُهدي إليَّ القربَ في البعد
والعينُ قد دَمِيَتْ وليس لهاإلا مَعينُ الدَّمعِ مِنْ وِرْد
والسمعُ في وَقْرٍ لعاذِلِهِفيكمْ ونارُ الشوقِ في وَقءد
مَنْ غَيْركم للوصلِ أَسْتَدْعيأو مَنْ على الهِجْرَانِ أَسْتَعْدِي
ما كنتُ أَعلمُ قبلَ فرقتناأنَّ الهوى يومَ النوى يُرْدي
سَقَمِي شفائي في مودَّتَكُمْوضلالتي في حُبِّكُمْ رُشْدِي
بالروح يفديكم مُحِبُّكُمُوالروحُ أَكرمُ ما به يَفْدي
يا مالِكي رِقِّي أَمَا لَكُمُمن رِقَّةٍ يا حافظي وُدِّي
يا جاحدي حقَّ الودادِ وهلْحقُّ الودادِ يضيعُ بالجَحْد
يا دمعُ لا تتركْ مساعدتيفقد استقالَ الصبرُ من وجدي
طلبَ التصبرَ جاهداً فأَبىقلبٌ من الأشواقِ في جَهْد
وتكحَّلَتْ ليلاً بإِثْمِدِهِعينٌ لهُ مَرِهَتْ من السُّهْد
مُتَفَرِّدٌ بِتَجَرُّعِ الأَسفِالمُظْمِي لشوقِ الأَجرعِ الفَرْد
شَهِدَ الوداعَ فزاده أَلمالمَّا أَصابَ الصابَ في الشَّهدِ
إنْ أَنتَ لم تُهْدِ الشفاءَ لهوهواكَ مُمْرِضُهُ فمن يُهْدِي
أَمَّلْتُ نجحكَ لا تُخِبْ أَمَلِيوقصدتُ حِفْظَكَ لا تُضِعْ قَصْدِي
رَحَلُوا وقلبي في رحالِهِمُيشكو صدىً ويُشَاكُ من صَدِّ
أَلقيتُ عند مَثَارِ عِيسِهمُنفسي، وقلتُ خِدِي على خَدِّي
ناديتُ حاديهمْ بعيشكَ قِفْللبين من حَدْوٍ على حَدِّ
رفقاً بعيشهمُ أَمَا لَهُمُمِمَّا بَدَا للبينِ من بُدِّ
فاهدأْ هُدِيتَ فمذ حدوتَ رَمَوْاجَلَدي الضعيفَ الأسِّ بالهَدِّ
وَجْدي بمصرَ يَهِيجُ ساكنَهُشَغَفِي بذكرى ساكني نجد
والوجدُ في الأَحزان كامنةًعندي خلافُ النار في الزَّنْدِ
ما للأَحِبَّةِ لا عَدِمْتُهُمُرَغِبُوا عن الإسعادِ في الزُّهْد
أَوَ ليسَ أَحبابي بنو زمنيلا غَرْوَ إنْ لم يحفظوا عهدي
إنْ لم يَفُوا فلقد وفى كرماًعبدُ الرحيم بذمَّةِ المجد
الفاضلُ المفضالُ والنَّدِسُالمُسْدِي الندي والماجدُ المُجْدِي
ما إنْ يضلُّ بقاصدٍ أَمَلٌإلا ويضمنُ أَنه يَهْدي
يُسْدِي إليَّ منيرَ أَنْعُمِهِوأُنير مِدْحَتَهُ كما أُسْدِي
العُرْفُ معتادٌ له خلقٌوبه تراه غيرَ مُعْتَدِّ
بجنابه يدنو جَنَى أَملي النائيوراحةُ حظِّيَ المُكْدِي
أبداً تَوَالَى مِنْ عوارفِهِطُرفٌ تضافُ لنا إلى تُلْدِ
ويرى رجائي من مكارمهفي النجح طَرْفٌ غيرُ مُرْتَدِّ
زاكي النِّجَارِ أَخُو الفخارِ وذوالمجد الأَثيرِ الطاهرِ البُرْد
ذو الرتبة الشمَّاءِ والشرفِ العاليالسَّنَا والسؤْدُدِ العِدِّ
الناسُ كلهمُ له تَبَعٌفي فضلهِ والدهرُ كالعَبْد
والبحرُ ذو جَزْرٍ وراحتُهُبحرٌ مدى الأَيامِ في مَدِّ
ومنها في وصف القلم:
وله اليَرَاعُ وَلِيُّهُ أبداًيُرْعَى به ويُراعُ ذو الحِقْدِ
كم غاض بحرُ بَنَانِه فغدادُرُّ البيانِ يُساق في العِقْد
إن سوَّد البيضاءَ بَيَّضَ مِنْثوبِ الليالي كلَّ مُسْوَدِّ
قَلَمٌ أقاليمُ البلادِ بهوثغورُها في الضَّبْطِ والشَّدِّ
بهُزَالِهِ سِمَنُ العُلاَ وكذافي الهَزْلِ منه حقيقةُ الجِدِّ
لِلِسَانِهِ حُجَجٌ يَرُدُّ بهاجزماً قضايا الألْسُنِ اللُّدِّ
ظمآنُ يُرْوى كلَّ ذي ظمإٍفاعجبْ لذي وِرْدٍ بلا وِرْد
مَلِكٌ كتيبتُهُ كِتابتُهُفَرْدٌ بجيشِ النصرِ في جُنْد
الأسمر الخَطِّيُّ تابِعُهُفي حُكْمِهِ والأبْيَضُ الهندي
والنائباتُ بحَدِّهِ أَبَداًمثلومةٌ مفلولةُ الحَدِّ
كم مأْزقٍ نَقَّى الغرارُ بهللرعب من جَفْنٍ ومن غِمْدِ
نَفَذَتْ به اللاماتُ طاعنةًأَلفاتِ خُرِصانِ القَنَا المُلْدِ
والسُّمْرُ داميةٌ مطاعِنُهاكمراودٍ في أعْيُنٍ رُمْد
فَرَّجْتَهُ بِشَبا مُلَطِّفَةٍوَرَدَتْ بِقَسْرِ القَسْوَرِ الوَرْد
بلطيفِ تدبيرٍ يَرِقُّ لهلصفائهِ قلبُ الصَّفَا الصَّلْدِ
عُرْفٌ يُبَدِّلُ بالرجاءِ لنافي الأزْمِ نُكْرَ الأَزْمُنِ النُّكْدِ
ناديكَ من نَدِّ النَّدَى عَطِرٌيا مَنْ يَجِلُّ نَدَاهُ عن نَدِّ
من سَبْيِ سَيْبِكَ كلُّ مَحْمَدَةٍفَلأَنْتَ حقّاً مالِكُ الحمدِ
وتُعيدُ ما تُبدي وتُضْعِفُهُومَنِ المعيدُ سواكَ والمُبْدي
يا مَنْ وجدتُ بلاغتي حَصَراًفي حَصْر ما يُوليهِ والعَدِّ
من كلِّ مَنْ عقدَ النوائبَ عنحَظِّي عُرىً مُوثَقَةَ الشّدّ
فَرَّقْتَ اعدائي غداةَ هُمُللشرِّ في حَشْرٍ وف حَشْدِ
ورفعتَني فوقَ اليَفَاعِ ولولم تُسْمِني لمكثتُ في الوَهْد
فَضْلِي، طرادُ الدهر غادرهوحظُوظُهُ كَلَّتْ من الطَّرْد
غدرَ الزمانُ بكلِّ ذي حَسَبٍيأْبَى الوفاءَ بعَيْشِهِ الرَّغْد
ومنها:
زِدْ غَرْسَ رِيِّكِ رِيَّةُ فلقدأَضحى بعيدَ العَهْدِ بالعَهْدِ
عَدْوُ العدوِّ يهونُ أَصْعَبُهُما دمتَ دمتَ عليه لي مُعْدِي
والشوكُ لا يشكو جِنَايَتَهُمن كانَ مطلبَهُ جَنَى الورد
أخفى بنو زمني محاسنَهُوعتابُ أَيامي معي وَحْدِي
ومنها:
هذا أَوانُ نِجَازِ وعدِكَ ليإنَّ الكريمَ لَمُنْجِزُ الوعد
من شدَّ ظهرَ رجائِهِ بِكَ هليبقى بأَمرٍ غيرِ مشتد
أيكونُ زبدةُ ما أُؤَمِّلُهُعدمَ التَّمَخُّضِ فيه عن زُبْد
أَرْغِمْ بفضلك ضِدَّ مَنْقَبَتِيلا زالَ فَضْلُكَ مُرْإِمَ الضد
ساعدْ بِجِدِّكَ لِي بقيتَ علىرغم الأعادي صاعد الجَدِّ
والقصيدة أكثر مما أوردته. وحيث أوردت من نظمي في مدحه، وحققت به عجزي عن شكر منحه، فلا بد من إيراد بعض رسائلي التي خدمته بها، وتعلقت عنده بسببها.
وأنا موردٌ رسالةً جامعةً مانعةً ناصعةً، كتبتها في جواب مكاتبة له إلي وقد أهدى لي تسع مجلدات من الكتب النفيسة، تشتمل على أشعار أهل العصر المغربيين وآدابهم وهو يثني فيها على إعرابهم، عن المعاني المبتكرة وإغرابهم فيها وإعجازهم وإعجابهم، فكتبت جواباًز وهذه الرسالة قد وفيتها حقها من التجنيس والتطبيق والترصيع، والمقابلة والموازنة والتوشيع، وقد ذكرت الجماعة الذين أهدى إلي من شعرهم ومصنفاتهم، وهي:
ما ظفر مدجج الإظلام بالسنا، ومحوج الإعدام بالغنى، ومزعج الغرام من وصل حبيبه المفارق بنجح المنى، ومخرج السقام من وصف طبيبه الحاذق ببرء الضنا، والمعوز المعور بتبر الجده بعد الإملاق، والمنهج المبهج بعز الجدة غب الإخلاق، بل ما فوز الآمل المشفى على مرض اليأس بالشفاء في النجاح، والخامل المستعفي من مضض الإفلاس بالإثراء والفلاح، والماحل الثرى بما حل في ربع تربه من ثرة الحيا الربعي فأحياه، والناحل المضنى بما نحل من صنع ربه في الإبلال من الجوى الذي أبلاه، والناهل المظمى في عذاب الهاجرة الخشناء بعذاب المناهل من مجاورة مورد السلسال، والذاهل المعنى في عذاب الهاجرة الحسناء برحاب المنازل من نجاز موعد الوصال، كظفر الخاد وفوزه، بشرفه وعزه، وسعادة جده وجد سعده، وحياة روحه، وروح حياته، وحسنى حاله، وحلية حسناته، ونور حدقة فخره الناظرة، ونور حديقة ذخره الناضرة، وسنا سنائه المشرق في أرجاء رجائه من سماء السماح السامية، ولألاء آلائه المتألق برق ودقه لإرواء الأراح الظامية، عند إسفار صبح أمله، وسفور وجه جذله، واجتلاء أنوار جلالة الكمال، واجتناء ثمار دلالة الإقبال، بورود المثال الممثل، المقبل المقبل، المفضل المفضل، عن المجلس العالي، الأجلي، الفاضلي الأسعدي الأشرفي، لا زال شمس جلاله، وبدر فضله وإفضاله، في أوج السعادة، وبرج الزيادة، من مشرقي الشرف والسيادة مشرقين، وعلم العلم بكتائب كتبه ومقانب مناقبه وقلب الشانىء بعلو شانه وسمو سلطانه في الخافقين خافقين، ولا فتىء حكم الشرع في شرعة الحكم بفتياه فتيا، وروض الولي بولي رضاه وجوده مجوداً مولياً، وفضاء الفضائل بأنوار جدواه وأضواء علياه مستهلاً متهللاً، وجاه الجاهل بتأرج نبإ نباهته الفائح النشر وتبلج وجه وجاهته اللائح البشر متبطلاً متعطلاً، ولا برح كاشحه يطوي الكشح وبرح جوى جوه بالغم مغيم، ومناصحه تحوي المنى صحة عقيدته وعقد صحته مبرمٌ قويم؛ مارن مارن المعادي العادي بنغم الرغم، وطن وطن الموالي الوالي بنعم النعم، وسار ظعن ألى الضغن إلى لقم النقم، وحار ركب المضل الضال من ليل الويل في ظلل الظلم. فإن الخادم ما اكتحل بالتشريف حتى احتل ذرى السعد المنيف، وحل حبى الحب لاجتباء حبائه، وأحله من العين في سواده ومن القلب في سويدائه، وشرع من مشرعه في ترشف شفاه التشرف بسقائه، وأطفأ أوار أوامه بامتثال مراسمه، واستشرف في مراد المراد معالم معاليه من مغاني مغانمه، وختم بالشكر عليه وشكر على خاتمه، لما أمن حوادث المكاره ببواعث مكارمه، واستملى من أمالي آماله سورة النجاح بمطالع بيانه، واستجلى من حوالي أحواله صورة الصلاح بطلعة إحسانه، وقام إجلالاً بعظمته، وسجد إقبالاً على قبلته، ومرى ضرع الضراعة لمرآه، وجلا محيا المحيا لمجتلاه، وعلا أفق التوفيق لدنياه ودينه، وتلا " فأما من أوتي كتابه بيمينه " وفاز من حبل العصمة بمتينه، ومن در الحكمة بثمينه، وفاء إلى تأملٍ ضمنه فألفى بتأميل آلاء منه وفاء ضمينه، ورأى نفسه بمنزلة الذرة ذرت عليها الشمس من أعلى مكان. وما قدر خامةٍ لخامل أو باقةٍ لباقلٍ، في مساحب ذيول سيول سحبان وما قيمة قطرةٍ عند الديمة المدرار وهل يبدو سها السهى، لدى قمر النهى للبصير ذي الأبصار وما أثر مدرة الفلاة في مدار الفلك الأثير وما خطر خطل ألكن العجم لخاطر خطيب العرب الألسن الخطير وهل يسع ذا حصرٍ قاس أيادٍ يضيق عن خصر خصرها نطاق نطق قس إياد وهل يسعى ذو قصرٍ لمطاولة الأطواد ولا غرو أن غاض وشل الناقص إذا فاض بحر الفاضل! وأين الثريا من يد المتناول وكيف بلاغ حمد العبد إلى بلاغة عبد الحميد عبد حمدها، والصابئان صاديان إلى وردها، والطائيان مطأطئان خجلاً بل وجلاً من نقدها وردها، وهل هم إلا نجوم ذكاءٍ غيبها طلوع ذكائه، ورسوم مضاءٍ غيرها سطوع ضيائه، وجداول جدلٍ غيضها عباب فيوضه، ونوافل عملٍ أغمضها لباب قروضه.
ما أقبل الخادم وهو مخدوم الإقبال، بإقبال المولى الفاضل عليه لخلوص موالاته بخصوص موالاة الإفضال! وما أحرى العبد بمباهاة الأحرار وأبره بمضاهاة الأبرار!. لقد أربى بفواضل مولاه على أرباب الفضائل، وربا بفائد جدواه قدر المتضائل، ورفع حظوظه من حضيض الخمول والخمود، إلى يفاع الارتفاع بالسعود والصعود، وأوضع به إذ وضع له ميزان ميزاينةٍ في جدد الجدود. وما أشكره للمجلس العالي الصدري وقد صدره في مجالس العلاء كاتباً، ولمعاطس الأعداء كابتاً! وأقدره بمنائحه، وأعجزه عن مدائحه! فأصبح ناطقاً صامتاً قانطاً قانتاً، قائلاً ساكتاً. إن قال، فلأن حجة الحمد أنطقته، وإن استقال، فلأن لجة الرفد أغرقته وقد خاف الغرق من أمه السيل، وضاف الفرق من ضمه الليل فإن عجز بياناً، فلإعجازه بإيراء ذلك البيان؛ وإن أحرز رهاناًن فلإعزازه بالإجراء في هذا الميدان.
ووصلت الكتب، كأنها الشهب، يهديها شمس نهار الفضل إلى ساري ليل طلبه، ليهديه بنورها في غيهبه، ويقيمه بسناها على سنن مذهبه. وهي تسع مجلدات، بل تسع آياتٍ بينات، آتاه عبده كليم الفصاحة المتوحد باختراع الكلام الحر، وكريم السماحة المتفرد باختراع الإنعام البكر، وطرف الفصاحة المزين عمه بالحلم، وإلف الحماسة المبين عزمه بالحزم. وكيف يوصل بوسائط المركبات الأربع من العناصر إلى البسائط التسع! وهل يقطع إلى النجم الطارق الطريق الشاسع بطراق الشسع ولكنها صحف الفصح الأولين الأولين، وكرام الكتب الكرام الكاتبين، وخرائد فوائد لمحدثين المحدثين وأبكار أفكار المقدمين. بيد أن منزلتها من الألفاظ الفاضلية منزلة الكتب المنزلة من الذكر المبين. وكم بينها وبين الفرقان من فرقان، وما هي وإن جلت وجلت للقرآن بأقران. كذلك ما لغرائب المغربيين، وأحاديث المحدثين طلاوةٌ، ولا حلاوةٌ، ولا إطراءٌ ولا طراوةٌ، ولا رونق ولا رواء، ولا بهجة ولا بهاء، مع فيض شروق صنائعه البديعة، وومض بروق بدائعه الصنيعة. ومن ابن رشيقٍ عند رشق سهامه ومشقه أقلامه ولو امتد عمره إلى مدته، لعمد إلى إخفاء عمدته، وكان خاملاً في حاشيته، حاملاً لغاشيته. وإن أبا الصلت لو رأى راية رويه لأبى صلت صارم صرامته، غاضاً حدقة حديقته، عاضاً على إبهامه لما أبهم عليه من حقه وحقيقته. ودع ودع قياس القيسي يمرثه الطفل، وقلب القول القسي يغرثه الحفل، فقد قلى يد الإحسان، وفقد قلائد العقيان. هل ابن خيران إلا حيران في ميدان هذا البيان ولقد شخب وريد ابن أبي الشخباء ورد إلى خباء الاحتباء. ولو حيي ابن خفاجة لجاء حيياً إلى جهة الاختفاء. فهؤلاء الذين خص المولى عبده بخصائصهم، وأخلصه للاطلاع على علم مطالعهم ومخالصهم. وإن صاغت خواطرهم من إبريز التبريز تيجاناً مرصعةً مرجاناً، وصغت زواهرهم للمغارب بنواصع الدرر ولوامع الغرر شهبانا متجمعةً ووحدانا، وكانوا عيون الناس الأعيان، وأناسي عيون الزمان، متممين بحسن الخواتم حسن الفواتح، محكمين سود الصحائف في بيض الصفائح، فإنهم ناقصون إقصاراً لكماله، شاخصون إبصاراً لجماله، لم يكتحلوا بتراب قدمه، ولم يدخلوا من باب حرمه، وكل الصيد في جوف الفرا، ومن قال غير هذا قيل له أطرق كرا.
فهذه الكتب المهداة، والسحب المنشاة، فروعها المصنفة ستة أصنافٍ وأصلها كتابه الكريم، وأجزاؤها المؤلفة تسعة أصدافٍ وكلها دره اليتيم. تلك عشرةٌ كاملةٌ في المشايعة، أذعنت عونها لفضيلة بكرها كعشيرة الصحابة في المبايعة، أغضيت عيونها لفضل أبي بكرها، فهل كانت عدةً أتمها بعشرٍ لإكمالها، أو حسنةً جزاؤها بعشرة أمثالها
ولما زف المولى هدي هداياه إلى كفؤها الكافي عنده صف إماءها أمامها على مثالها، فيا له غرساً ما تم به إلا للمتحترش الحاسد مأتمٌ، وأنساً ما تم منه إلا للمستوحش الجاحد مأثمٌ. وقد غني بالغانية عن وصف وصائفها ولهاً ولها، وعني بمعانيها الرائقة الرائعة ولم ينظر لنضارها شبهاً شبهاً، وإذ أفردها فضلها على فرائد فضلاء المشرقين والمغربين أبصر وسمع لساني العرب والعجم بتفضيل جميلها على تفصيل جملتها معجمين معربين. وأما المغاربة فعلى مشارع المشارقة مغار حبلها، ومن مشاربها معار خيلها، ومن مغانمها مغارمها، ومن صرائمها صوارمها، وحسبها أن الغزالة الراتعة في رياض الفلك، الكارعة ف حياض الملك، إذا وصلت إلى وردها توردت بالشفق، واصفرت للفراق من الفرق، وأصابت عينها عين العين الحامية، وعانقتها يد العنقاء المغرب العادية، ووقعت في قبضة طفل الطفل كالعصفور، وقضت هنالك نحبها ومعادها من المشرق غداة يوم النشور. إن الله يأتي بالشمس من المشرق حجةً بالغةً ومحجةً واضحةً للمحق المحقق، فإن تعلق المغربيون بأذيال أسمال الأنوار آخراً، فالمشرقيون اجتابوا حللها القشب أولاً، وإن تسلقوا على أسوار أسآرها فالعراقيون فتحوها معقلاً معقلاً، ولا لوم على العراق العراقي إذا استلأم ليحمي بحميته حماه، ويغار حين يغار على علاه. أما مصر فهي الآن عراقية الدولة، عباسية الدعوة، يوسفية العزة، فاضلية الحوزة، ناصرية النصرة، عادلية الحظوة، صلاحية السيرة، سيفية الهزة. فالفضل لها في عصرنا لا قبله، وفخرها فاضلها الذي ما رأى الزمان مثله، وهو معتق عبده، ومسترق حمده، وناعشه من عثار الجد، ورائشه بدثار المجد، فالخادم عراقي المنشأ والمربى، مصري المنحى والملجا، ناصري العلاء فاضلي الولاء. وأما الشام فلا يذكر ولا يشكر، وكيف يعرف ولا ينكر، ومعروف حلبة حلبه ذات المنكر. وقد دل نص الكتاب الكريم الواصل من المولى على أن سيآتها كثيرة، ولكنها لحسنات سلطانها مغفورة:
قد طال دَنِّي لكم فطوِّلْطَوْلاً بجاهي العريضِ كُمِّي
أصبحتُ في مصرَ ذا رجاءٍإلى النَّدَى الجمِّ منك جَمِّ
أصابَ قَصْدي وتمَّ أَسْريوبان نُجْحي وفازَ أَمِّي
وإنني قد وجدتُ وَجْديمنك كما قد عَدِمْتُ عُدْمِي
نعشتني من عثارِ دهريفخِرْتَ حَمْدي وحازَ ذَمِّي
ومنها:
نتيجةُ النجح منك تقضيأنَّ المواعيدَ غيرُ عُقْمِ
ومنها:
قضاءُ دَيني ونيلُ سُوليوحفظُ جاهي وجريُ رسمي
وضَيْعَةٌ لا يضيع فيهاعَزْمي كما لا يفوتُ غُنْمي
وحرمةٌ تستنيرُ منهاسعودُ قدري في أُفْقِ عُظْمِ
يممتُ يَمّاً ولستُ أَرضىتيمماً في جَنَابِ يَمِّ
لِمْ أَمَلى لَمْ يُزَنْ بنجحلِمْ شَعَثْي لَمْ يُعَنْ بِلَمِّ
رُمْ رَمَّ أَمري وحلِّ حاليما كَرَمٌ في الورى كَرَمِّي
رُثَّ رجائي بكل طرزوعُثَّ جاهي بغير سُحْمِ
مضارعُ الفعل حظُّ فضليوعائقُ الصرفِ حرفُ جَزْم
ناهيكَ من مُخْوِلٍ مُعِمّيحنو على المُخول المُعم
كل عدوٍ شَنَاكَ يَلْقَىفي الناسِ طَمْسَ اسمه كَطَسْمِ
شَمْلُ العِدَا والعروضُ منهمما بين شتٍ وبين شَتْم
ونلتَ عزّاً بغير صَرْفٍووصلَ مُلْكٍ بغير صَرْمِ
تَمَلَّهَأ فهي بكرُ فكريشهيةٌ من نتاجِ شَهْم
حدوت عِيسِي بها فجاءَتْشقشقةً من هديرِ قَرْم
ومنها:
لي خاطرٌ مُجْبِلٌ، لهمِّي،فَنَحْتُهُ من صَفاً أَصمِّ
أَقْدَمَ رَغْباً فجابَ رُغْباًلقدرِ فخرٍ لديك فَخْم
إليكَ يا كعبةَ المعاليحَجَّ حجاهُ بلُطْفِ حَجْم
أَجْرِ على الوهمِ عُظْم شانيواجبرْ على الوَهْنِ عظْمَ نَظْمي
بصفحةِ الصفح منكَ يبدوجِرْمُ قصوري بغير جُرْم
باسمكَ للشكر باسماتٌمِنِّي مُنىً سُقْتهُنَّ باسمي
أَقبِلْ وأَفضِلْ عليَّ واقبَلْعُرْبَ معانٍ لديك عُجْم
ما دمتَ عوني فليس يَغْدوجميلُ وسمي قبيحَ رَسْم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع