من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأسعد أبو المكارم أسعد بن الخطير بن مهذب بن زكريا بن مماتي
أحد الكتاب في الديوان الفاضلي، ذو الفضل الجلي، والشعر العلي، والنظم السوي، والخاطر القوي، والسحر المانوي، والروي الروي، والقافية القافية أثر الحسن، والقريحة المقترحة صورة اليمن، والفكرة المستقيمة على جدد البراعة، والفطنة المستمدة من مدد الصناعة. شابٌ للأدب رابٌّ، وعن الفضل ذابٌّ؛ وهو من شملته العناية الفاضيلة، وحسنت منه البديهة والروية: اجتمعت به في القاهرة وسايرني في العسكر الناصري وأنشدني من نظمه المعنوي، ما ثنيت به خنصر الاستحسان، وأذنت لجواده في الإجراء في هذا الميدان. واثبت منه كل ما جلا وحلا، وأشرق في منار الإحسان وعلا، وراج في سوق القبول وغلا. فمن قوله يصف الخليج يوم فتحه بالقاهرة:
خليجٌ كالحسام له صِقَالٌولكن فيه للرائي مَسَرَّهْ
رأيت به المِلاحَ تجيدُ عوماًكأنهمُ نجومٌ في المجرَّهْ
وقوله في غلام نحوي:
وأهيفٍ أَحدثَ لي نحوُهُتعجباً يُعْرِبُ عن ظَرْفِهِ
علامة التأنيثِ في لفظهوأَحْرُفُ العلة في طَرْفِهِ
وقوله في غلام خياط:
وخَيَّاطٍ نظرتُ إليهـ مفتوناً بنظرتِه
أسيل الخدِّ أَحمرهبقلبي ما بوجنته
وقد أمسيتُ ذا سَقَمكأني خيط إبراه
وأحسدُ منه ذاك الخيطَ فازَ برِيِّ رِيقتهِ
قال: هذا البيت الأخير للسديد أبي القاسم الكاتب. ولابن مماتي هذا في قصيدة عملها هذا السديد لاميةٌ مفيدة أوردتها في شعره:
تبكي قوافي الشعر لاميةًبَيَّضْتَهَا من حيث سَوَّدْتَهَا
لما علا وسواسُ ألفاظهاظننتَها جُنَّتْ فقيدْتَهَا
وقال:
أراكمُ كحباب الكأسِ منتظماًفما أرى جمعكمْ إِلا على قَدَحِ
وقال:
لقد مرَّ لي في مصرَ يومٌ وليلةٌهما في مُحَيَّا الدهرِ كالسِّحْر في الطَرْفِ
وما فيهما والله عيبٌ وإنماتولاهما عُجْبٌ فذابا من الظَّرْف
وقال:
ما صرت أَجسرُ أن أبكي لفرقتهمْلأنهم زعموا أن البكا فَرَجُ
وقال:
أحبابَنا والذي يقضي بأُلفتِنَابعد الفراقِ ويُخْلِينَا من الفَرَق
ما زلتُ أخبط في عشواءَ مظلمةٍمن بعدكمْ وأبيعُ النومَ بالأرق
حتى ثويتُ بنارِ الشوق في حُرَقٍوصرت أُشْرِفُ من دمعي على الغَرَقِ
فمتعوني ولو ليلاً بطيفكمُما دمتُ أقدرُ من روحي على رَمَقِ
وقال في ذم العذار:
إذا طلع العذارُ فقد فقدنالذاذةَ عيشنا الأَرِجِ البهيج
لأَنَّ الغصنَ لا يخضرُّ حتىيصيرَ بأصله مثلُ الوشيج
وقال يصف البق:
تكاد بقرصِ البقِّ تتلفُ مهجتيإذا لم أُجِدْ من ثوب جلدي التخلُّصَا
ومن أعجب الأشياءِ في البقِّ أنهاعلى الجسم سُمَّاقٌ وتُنبِتُ حِمَّصَا
ونظمتني وإياه سفرة في خدمة الملك الناصر إلى ثغري دمياط والإسكندرية فوصلنا إلى ترعٍ وخلجان ومخاضاتٍ وغدرانٍ فقال بديهاً:
لو أطلق الدمعَ مشتاقٌ ومدَّكِرُلمن يحب لأَشْفَيْنَا على الغرَقِ
لكنما هذه الخلجانُ مُتْأَقَةٌلأنها رَشْحُ ما يَعْصِي من الْحدَقِ
وأنشدني لنفسه أيضاً قوله وقد ألم بذم العذار:
يا عاذلي، جلُّ ناريمن خدِّه الجلّنَارِي
وريقه كشرابٍمعتَّقٍ ذي شرار
ولحظه فيَّ أَمضىمن الْحِرَابِ الْحِراَر
كالريم ريمَ لصيدٍفصارَ حِلْفَ حِذَارِ
يهوى الدنانير لماتشابهتْ بالبهار
وإن رأى قلبَ صبٍّرعاه رعي العَرَار
وليس ربَّ عذارٍيطولُ فيه اعتذاري
إن الغرام صَغَارٌما لم يكن بالصِّغَار
ومنها في المدح:
له يسارُ يمينإزاء يُمْن يسارِ
وقال في وصف مخدة في بيت ابن سناء الملك:
وسادةٍ لَمَحَتْ عيني بدارهمُوِسَادةَ رُقِمَتْ أَمناً من الأَرَقِ
حكمُ السرور بها يقضي السكونَ لهاكأنها عُوذَةٌ من جِنَّةِ الفلق
أَحْسِنْ بها روضةً ليس النسيم بهاولا المياهُ سوى الأنفاسِ والعَرَقِ
يحيا بناظرها إنسانُ ناظرهاففي حديقتها مَنٌّ عَلَى الحدق
لو لم تكن سَرَقَتْ من وجه مالكهامحاسناً ظهرت، لمْ تُدْعَ بالسَّرَق
وقال مما كتبه إلى السديد علم الرؤساء أبي القاسم، وكان قد اقتضى منه ديوان رسائله، فاعتذر إليه بالخوف من نقده:
إن قلبي من شقة البين يخشىوفؤادي من شِقْوَة البين يَخْشَعْ
ومقامي يقضي بطولِ سقاميإذْ لحاظي من قبلِ تطمحُ تَطْمَعْ
وغُدُوِّي فيما يَسُرُّ عدوّيويُريه من القِلَى ما توقَّعْ
ولقد عِيلَ في الصبابة صبريفإلى كم أسيرُ في غير مَهْيَع
أنا صبٌّ بغادةٍ تشبه الطاووس إذ كان حسنها يتنوَّع
ذاتُ لفظ كأنه ثغرها الأشنبُلو أنّ دره يتجمع
لي من عُجْبها رقيبٌ قريبٌفهي في كلِّ حالةٍ تتمنع
مَنَعَتْ طيفها الزيارةَ حتىصرتُ من منعها له لستُ أَهجع
واستقلَّتْ دمعي غداةَ استقلّتْبجمالٍ فقلت لو كان ينفع
هو مني دمٌ جرت معه العينُفقالوا دمعٌ لأنيَ أجزع
ثم وَلَّت سُقْماً عليَّ وولَّتوفؤادي مما تصدَّى تصدَّع
قلت إلا وقفتِ يا شمسُ للصبِّفقالت هيهاتِ ما أنت يوشَعْ
وغرامي بها كفضلِ أبي القاسم في كلِّ ساعة يتفرَّع
كم أرانا الرياضَ في لفظه النثرفخلنا دروجه تتوشع
وسقانا مُدامَ معنىً بديعٍفي قريضٍ مُصَرَّع بل مرصَّع
فشكرنا لما سكرنا فلم يلوعلينا لأنه قد تَرَفَّع
ولثمنا التراب بين يديهوسألناه حاجةً فتمنَّع
فلحى الله واشياً وعذولاًوبغيضاً وكاذباً يتصنَّع
وإذا صار بالجفاء مُضيعاًمن عقودِ الولاء ما صانَ أَجمع
فخطابُ العتاب بالكافِ كافٍلو تدانى أو كان يسمحُ يسمع
أنت يأيها السديد أبا القاسم في بَذْلِكَ الندى لست تقنع
فلأيِّ الأمور تبخلُ باللفظِعلى خادمٍ يناديك يخضع
وهو نورٌ يسعى أمامك كالصبحونارٌ في وجهِ ضِدِّك تَشْفَع
وحسامٌ مُهنَّدٌ مُطْلَق الحدِّجُرازٌ متى تُجَرِّدْهُ يقطع
لم يزل ثابتاً على الود جَلْداًوخطيباً بشكر فضلك مِصْقَع
وهو ممن إذا عراه مُلِمٌّما له غير حسنِ رأيك مَفْزَع
أتوهَّمْتَهُ يُغِيرُ على لفظك معْ أنّ غيرَهُ منه أوسع
وعلى أَنه وحقِّكَ لم يرض بما لم يكن له يَتَشَيَّع
وعصيتَ الودادَ في طاعة العذل ولم تُلْفِ عنده قط مطمع
فإذا كنتَ قد وصلتَ لهذاوهو مما يصيِّرُ القلبَ بَلْقَع
لا تكنْ للعدا نصالَ سهامٍمصمياتٍ فليس في القَوْسِ منزع
وتفضَّلْ بسَتْر ما ساقه الوزنُ بهذي القصيدِ يا خيرَ أرْوع
فهْيَ قد قُيِّدَتْ لتثبت في الطرسِ لئلا تسيرَ من قبلِ تسمع
ولو انّ العتابَ أُطْلِق فيهالغدَتْ أَجْبُلُ القُوَى تتصدع
وعلى كل حالةٍ فأنا العبدُالذي مَلْكُ حسنه فيه يشفع
ونزلنا ببركة الجب لقصد الجهاد، وعرض الأجناد، فكتب الأسعد ابن مماتي إلي أبياتاً في الملك الناصر، وتعرض للشطرنج فإنه كان يشتغل به في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين:
يا كريمَ الخِيم في الخَيِمِأهيفٌ كالرئم ذو شمم
عَجَبي للشمس إذ طلعتْمنه في داجٍ من الظُّلَم
كيف لا تُصْمي لواحظهورماةُ الطرف في العجم
لا تصدْ قلبَ المحب لكمما يحلُّ الصيدُ في الحَرَم
يا صلاحَ الدين يا ملكاًمذ براهُ الله للأُمَم
أضحتِ الكفارُ في نِقِمٍوغدا الإسلامُ في نِعَمِ
إن يكُ الشِّطْرِنْج مشغلةًللعليِّ القدْرِ والهمم
فهْيَ في ناديك تذكرةٌلأمورِ الحرب والكرم
فلكم ضاعفتَ عِدَّتَهابالعطاءِ الجمِّ لا القلم
ونصبت الحرب نصبتهافانثنتْ كفّاك بالقمم
فابقَ للإِسلام ترفَعُهُوَأْمُرِ الأقدارَ كالخدم
وقال في الملك الناصر:
إن كنتَ تنكر ما أقولُفالسهدُ يشهدُ والنحولُ
وهما لديك من العذولِ فكيف يمكنك العدول
يا صعدةً أنفاسيَ الصُّعَداءُ منها والذبولُ
ومهنداً في القلب منهـ على محبته فلولُ
إن كثَّرَ الواشون فيك ففي شمائله الشَّمُول
أو صرت معتزليْ فإنَّالفكرَ يُعجبه الحلولُ
إنَّ الغزالةَ كالغزال وكالنفورِ هو الأُفول
فإلامَ لا يَشْفي الغليلَ بزورةٍ منك العليل
والصبرُ أَقصر ما يكون إذا الصدودُ بدا يطول
كم حِيلَ بين تجلُّديوالقلب إذ حضر الرحيل
وهَمَتْ جفوني بالنجيع كأنما طرفِي قتيل
فاعجب لدمعٍ كيف يظهرُ والنفوس به تسيل
يا قاضياً بهواه فيَّوذلك الدَّلُّ الدليل
فيك الجمالُ كما مليكُ زمانِنَا فيه الجميل
الناصرُ الملك الرءوفُ الأروعُ الوَرِعُ المُنِيلُ
مَلِكٌ إذا عَصَتِ الحصونُ سواه كان له الحصول
حَسْبُ العساكِر والعِداأَن النّصولَ به تَصُولُ
ويمينُه سِلْماً تجودُ كما غدت حَزْماً تجول
طالت فروعُ الحمد فيهكما زكَتْ منه الأصول
راياته تحكي الأصيلَفرأيه الرأْيُ الأصيل
حيث الخيولُ على الوعورِ كماتُها فيها الوعول
أَمَّا وقد قصدَ الغَزاةَوهنَّتِ القربَ النصول
وبكت به أمُّ الصليبِوشدوُ صارمه الصليلُ
وبدت له أرض الشآمِ تهون إذ كانت تهول
فلسوف يفتحُ قُفْلَهَامن قبلِ أَنْ يقع القُفُول
ويعيد ما فَضَّ العِدَابكراً تزف لها الفحول
يا أيها الملك الجليُّالأَمْرِ والملكُ الجليل
كم مِنَّةٍ لك تستطيرُومُنة بك تستطيل
ولكم صفحتَ عن الغَرورِ وقد تبطَّنَهُ الغلول
وسرت عطاياك الجسامِ كأنك السيفُ الصقيل
أو لا فإنك جوهرٌفي الخلق والعَرَضُ العقول
أنت المُقِيلُ من الخطوب وظلُّ دولتك المَقيل
وأنا الفقيرُ إلى نداك ومن بوارقه السيول
ولقد أضرَّنِيَ الخمودُ كما أضرَّ بيَ الخمول
وقال على لسان إنسان في حاسد، أعان عليه، ثم توجع له:
لا تُصِخْ للحسود في ندبه النعمةَ معْ كَوْنِهِ العجولَ إليها
فهو مثلُ السحابِ إذ يسترُ الشمسَ عن العينِ ثم يبكي عليها
ومن نور نثره البديع، ونور فجره الصديع، وغرر درره النصيعة، ودراري غرره الصنيعة، ما تحذى له بهائم التمائم، وتحدى به كرائم المكارم، ويربع الحسن في روضه، وتكرع الحسناء في حوضه، وتغتبط الآداب بدابه، وترتبط الألباب ببابه، من مكاتبة:
فصلت عنه في أخريات النهار، وقد ظهر في أطراف الجدران لفرق فراق الشمس اصفرار، فلما ذهب ذهب الأصيل بنار الشفق، ولبست المشارق السواد لما تم في المغارب على الشمس من الغرق، وأقبلت مواكب الكواكب في طلب الثأر، كدراهم النثار، وتشابهت زواهرها وإن اختلفت في الأشجان بالأزهار في الأشجار، وتكلف القمر الموافقة فظهر على وجهه الكلف، ومرت به طوالع النجوم فلم يستخبرها حسداً فأعرب عن غدر الخلف بالسلف، وظهر الوجوم في وجوه النجوم، وعيل صبر النسرين فواحد طائرٌ يحوم، وآخر واقع لا يقوم، ولم تزل متلاحقةً متسابقةً لتقفو الأثر وتسمع الخبر، إلى أن بدا سوسن الفجر ولاح، وابتسم ثغر الصباح عن الأقاح، وكاد ثعلبه يأكل عنقود الثريا، وبرزت الغزالة من أس الكناس طلقة المحيا، وتراءت الوجوه، وزال ما زال بغيبتها من المكروه، وأخذت النجوم بالحظ من الطرب، بمقدار ما قدمته من الحض في الطلب، وانخرطت في سلوك شعاعها نظاماً، وزاد خوفها منها على رجائها فيها فذابت إكباراً لها وإعظاماً.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع