من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
ومن صدر مكاتبة
لم يزل العبد لما عرض من إعراض المجلس لا زالت أوامره نافذه، والآمال بكعبة كرمه لائذة، ويده العالية بزمام الزمان آخذة، وكتبه الكرائم لعزائم كتائب الإسلام شاحذة وحدث من هجره له، وظهر من قلة احتفاله به، وخاض فيه المعارف من تغيره عليه، وتناقله الوشاة من أمر صده عنه، وتقارضه الشامت من سوء رأيه فيه، ذا زفراتٍ سوام تتضرم، وعبرات هوامٍ تتصرم، وعبارات عن بسط عذره تعثر بالكلام عيا فيتذمم بالصمت عن أن يتحرر ويتحرم، وأفكارٍ تتنزه عن إساءة الظن بمودته فما يتكدر حتى يتكرم، فكم تناول القلب جلدهُ فجلده بالقلق لما تجاوز حده وحده، وأجرى من سوابق دموعه عسكراً فجرى فشق خده وخده، وأوجده السبيل إلى أن أبدى صحيفة وجه صبره مسوده، وتمنى لو كان الموت قبل إخلافه وعده وإخلاقه وده ووده، حتى جنى ورد ورود كتابه الكريم من انتظام شوك انتظاره، ورفع ناظره بقدومه عليه على كافة أمثاله وأنظاره، فعلم أن علم المودة قد رفع، وموصول حبل الجفوة قد قطع، وكاد القلب يخرج لمصافحته لو استطاع نفاذاً، واجتمعت فيه أماني النفس فاتخذته دون جميع الملاذ ملاذا، وتناوله بيد الإجلال، وقصه بيد الإِدلال، الذي أَباحَ له الإِخلادَ إِلى الإِحلال، فوجده منظوماً على خطٍ كالكؤوس المرصعة، لما لاح مِدَادُه مُدَاماً ونَقْطُه حَبَباًن وألفاظٍ تبيح للمناظر طلباً، وتتيح للخواطر طرباً، ومعانٍ ما حلت في ميدان البيان حتى جلت فحسب الأفكار بها حسباً، وتعريضات لو كان التصريح فضةً لكانت ذهباً، أو كان شرراً لكانت لهباً، ومنن ما لاحت سحائبها حتى وكفت، وأياد ما استكفت فواضلها حتى عمت وكفت، فرفع إلى السماء يديه وهي قبلة الدعاء، وعفر في الأرض خديه وهو جهد الضعفاء.
وله من فصول جواب مكاتبة إلى صديق له سافر إلى الشام:
إلامَ يصيرُ القلبُ للخطب مِنْبَرَاويصبر للجُلَّى وإن كان مُنْبَرَا
وكيف يُلامُ الصبُّ في صبِّ دمعهعقيقاً على مصفرِّ خديه أحمرا
وَقَدْ وَقَدَ البَرْحُ المبرِّحُ في الحشافراع دخانُ الوجد في الوجه منظرا
وزادت دواعي الشوقِ إذ زالت القُوَىفأصبح معروفُ التجلُّدِ منكرا
فلو شامَ طَرْفُ الشامِ برقَ تنفسيلتذكار مَنْ فيه إذنْ لتَفَطَّرا
على أَنَّ من أَمسى رفيقَ تفرقومن قَصَّدَ الأشعارَ في الشوق قَصَّرا
وبعد فما ضاق الصدر، وضاع الصبر، وضعف الجلد، وتضاعف الكمد، وادلهم ليل الهم بفراق الحضرة السامية حتى طلبع بدر كتابها فاهتدت ضوال الأفكار الشاردة، ولمع شهاب خطابها فاحترقت شياطين الظنون الماردة، ولله الحمد على ما أعرب عنه من سلامة ركابها، والرغبة في تقوية أسباب استتباب نعمتها وتعجيل إيابها، وأن يكون ذلك بحسب ما تورثه وتقرره، بتلك الأعمال من الأعمال الصالحة وتؤثره.
ومنها:
وإن الكتب الكريمة الواردة إلى القاضي الرشيد ما فاحت أزاهيرها حتى لاحت زواهرها، ولا تأرج نورها حتى تبلج نورها، ولا فتنت بها الخاصة، حتى جنت العامة، فكم نثرت من عقود عقولٍ كانت متسقة النظام، وحقرت من منقول مقول كان ملحوظاً بالإعظام، وعلى الجملة فلم يبق أحدٌ من الفقهاء والحكام، وأرباب السيوف والأقلام، حتى استشرف لرؤيتها وتشرف لروايتها.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع