تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

قمر الدولة أبو طاهر جعفر بن رواس المصري

كان عمره بالعراق قمرٌ قمر القلوب بظرافته، وسلب العقول بلطافته، نديمٌ عديم النظير في فنونه، ظريف طريف الصنعة في مجونه، اجتمعت فيه أسباب المنادمة، وكان يقرع أبواب المسالمة، يضرب بالعود وأين إسحاق وإبراهيم، فكلاهما لو كان في عصره كاد به يهيم، ويغني ولا مثله غناء معبد والغريض، فلو رأياه لعثرا في ميدانه الطويل العريض، ويلعب بالشطرنج وأين اللجلاج، لو عاش لقتله منه الغيظ واللجاج، كان نديم قسيم الدولة سنقر البرسقي، كل يوم لقبوله عنده يرتفع ويرتقي. وهو ينظم أبياتاً مطبوعة، وينثر كلماتٍ مسجوعة، وهو صاحب نوادر ومضاحك، ولسانٌ كحد السيف باتك، يلعب ويطرب، ويشعر ويكتب، ويغني بالعود ويضرب، ويسقي ويشرب، وإن لعب بالشطرنج فاق، أو بالنرد راق، أو غنى شاق، أو ضرب بالبربط انشرح القلب الذي ضاق.

أنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي الفضل الخازن ببغداد: أنشدني قمر الدولة ابن دواس لنفسه في ابن أفلح الشاعر، وكان ابن أفلح أسود مشوه الخلقة:

هذا ابنُ أَفْلَحَ كاتبٌمُتَفَرِّدٌ بصفاتِهِ
للشاعر قمر الدولة بن دواس، اقرأ القصيدة
أَقْلاَمُهُ من غَيْرِهِودواتُهُ من ذاته
للشاعر قمر الدولة بن دواس، اقرأ القصيدة

وأنشدني له فيه:

أبا قاسمٍ وَيْكَ دَعْ ذا الفَعَالَهذا التكبُّرُ لا يَصْلُحُ
أتزعمُ أَنَّكَ من أَفْلَحٍفَهَبْكَ صَدَقْتَ فمن أَفْلَحُ

وأنشدني له فيه:

يا ذا الذي أُقْطِعَ هَجْوَ الوَرَىكأنما أُعْطِي به رُوزَا
إن كان إقطاعُكَ ذا صادقاًفاهجُ لنا الخادمَ بَهْرُوزَا

وأنشدني له أيضاً:

أراني الله نعمته سريعاًتزولُ وَعَيْشُهُ عَنْهُ يُوَلِّي
وما مِنْ بُغْضِهِ أَدْعُو عليهولكنْ أَشْتَهِيهِ يكونُ مِثْلي

وقال أبو المعالي الكتبي: أنشدني ابن أفلح الشاعر له:

لما رأيتُ المشيبَ في الشَّعَرِ الأسْوَدِقد لاحَ صِحْتُ واحَزَنِي
للشاعر قمر الدولة بن دواس، اقرأ القصيدة
هذا وحقِّ الإلهِ أَحْسَبُهُأَوَّلَ خَيْطٍ سُدِّى مِنَ الكَفَنِ
للشاعر قمر الدولة بن دواس، اقرأ القصيدة

وزارني للهناء بشهر رمضان من سنة أربع وخمسين وخمسمائة في واسط الفقيه رضي الدين أبو العلاء محمد بن السوقي، وقال: حكى لي اليوم والدي شيخ الإسلام أبو جعفر أنه حضر قمر الدولة مجلس مؤتمن الدولة ابن صدقة، وكان ناظرَ الخواص وغيرها بواسط، والناس يهنئونه بشهر رمضان، فقال قمر الدولة:

لا أُهَنِّي بالصيامِ لأَنِّيواثقٌ بالهناءِ يَوْمَ العيدِ
بل أُهَنِّي بالأَكْلِ والشرب والزَّفْنِوصوتِ الغِنا وَجَسِّ العود
لا بصومٍ يُجَفَفُ الكِبْدَ حتىيَجْعَلَ العُودَ وهْو مثلُ العودِ

وله، أنشدني نصر الله بن الخازن:

أَرَانِيَ والمولى الذي أَنَا عَمْدُهُطَرِيفَين في أَمْرٍ له طَرَفَانِ
قريبٌ تراني منه أَبْعَدَ ما ترىكأَنِّيَ يومُ العيدِ مِنْ رَمَضَانِ

وله

فغدوتَ كالبطيخ لا حُلْواً بل التشبيهُ يحكي قائماً أو قاعدا
لا يَحْمَدُ الوصَّافُ من أَوْصَافِهِما لم يكن خَشِنَاً ثقيلاً باردا

وأنشدني له أيضاً:

أَنَا مِمَّن إِذا أَتَىصاحبُ الدار للْكِرَا
للشاعر قمر الدولة بن دواس، اقرأ القصيدة
تتجافَى جُنُبُهُمْكلَّ وَقْتٍ عن الكَرَى

وأنشدني له أيضاً:

لا يظنَّ العدوُّ أنَّ انحنائيكِبَرٌ عندما عَدِمْتُ شبابي
للشاعر قمر الدولة بن دواس، اقرأ القصيدة
ضاع مني أعزَّ ما كان منيفأنا ناظرٌ له في التراب
للشاعر قمر الدولة بن دواس، اقرأ القصيدة

وذكر أنه سمع منه جميع هذه الأبيات. وسألته عن موته فقال كان يعيش في أيام البرسقي وهي سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وعاش بعد ذلك سنين كثيرة.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.