تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

أبو الحسن عبد الودود بن عبد القدوس القرطبي

أورده ابن الزبير في كتابه من الطارئين على مصر، واستطرد بابن قادوس في ذكر ابن عبد القدوس بفصل هو: كان انتجع مصر معتقداً أنّه يُحمد بها المَراد، ويُنال المُراد، فاتّفق لنكد الزمان، وحظّ الحرمان، أن ورد بعض ثغور مصر، وبها رجل يعرف باسماعيل بن حميد المنبوز بابن قادوس، وكان ممّن يهتم بالجمع والادّخار، ويدين بعبادة الدّرهم والدينار، لا تندى حصاته، ولا يظفر بغير الخيبة عفاته، ولا يرشح له كفّ، ولا يُعرف له عرف، إلا أنّ له رواءً وجِدة، وبنين وحفدة، يطمع الغِرّ في نواله، ومنال النّجم دون مناله، فقصده عبد الودود بمدائح أرقّ سلكها، وأجاد سبكها، وتأنّق في وشيها وحبكها، وظن أنّ سهمه قد أصاب الغرض وقرطس، وأنه يفوز بأكثر ما التمس، فكان بارقه خُلّباً لا يجود بقَطرة، وشرابه سراباً بقفرة، ولمّا تحقق إكداء كدّه، وصلود قدحه في مدحه، قال:

شقى رجالٌ ويشقى آخرون بهمويُسعِدُ اللهُ أقواماً بأقوامِ
وليس رزقُ الفتى من حسنِ حيلتهلكن جُدودٌ بأرزاقِ وأقسام
كالصّيد يُحرَمُه الرّامي المُجيد وقديرمي فيُرزَقُه من ليس بالرامي
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

وقال في هجو ابن قادوس:

تسلّ فللأيام بِشرٌ وتعبيسُوأيقِنْ فلا النُعمى تدومُ ولا البوس
صديْتَ على قُربٍ وخُلقُكَ عسجدومِلْتَ الى لغْوٍ ولفظُك تقديس

ومنها:

ترحّلْ إذا ما دنّس العزّ ملبَسٌفغيرُك من يرضى به وهو ملبوس
وما ضاقتِ الدنيا على ذي عزيمةٍولا غرقَتْ فُلْك ولا نفَقتْ عيس
وكم من أخي عزمٍ جفتْهُ سُعودهيموتُ احتراقاً وهو في الماء مغموس
تُفَلّ السّيوف البيضُ وهي صوارمويرجع صدر الرّمحِ والرمْحُ دِعْيسُ
ولولا أناسٌ زيّنوا بسعادةٍلما ضرّ تربيع ولا سَرّ تسْديسُ
ولكنّ في الأفلاك سرّ حُكومةٍتحيّر بطليموسُ فيها وإدريسُ
أفاضتْ سعوداً بالحجارة دونَهايُطافُ سُبوعاً حولها الغُلْبُ والشّوسُ
وصار فُلاناً كلّ من كان لمْ يكُنْودانَ له بالرقّ قوم مناحيسُ
فحقِّقْ ولا يغْرُرْكَ قولُ مُمَخرِقٍفأكثرُ ما يُدْعى إليه نواميس
أفيقوا بني الأيّام من سِنَةِ الكَرىوسيروا بسيرِ الدهر فالدهرُ معكوس
هيَ القِسمةُ الضّيزى يُخوّلُ جاهِلوذو العلم في أنشوطةِ الدهر محبوس
وإرضاءُ ذي جهلٍ وإسخاط ذي حِجىنِعاج مياسير وأسْدٌ مفاليس
خُذِ العلمَ قنطاراً بفَلسِ سعادةٍعسى العلم أن يفنى فيمتلئَ الكيس
ومُذْ لقّب الفرد القصير موفّقاًهَذَى الدهرُ واستولتْ عليه الوساويس
وقالوا سديد الدولة السيّد الرّضىفأكثِرَ حُجّابٌ وشدّدَ ناموس
وأعجبُ من ذا أن يلقَّب قاضياًوأكثرُ ما يجري من الحكم تلبيس
وأصدقُ ما نصّ الحديث فكاذبوأطهرُ ما صلى الصلاة فمنجوس
وأعرَفُ منه بالفرائض راهبٌوأفقَه منه في الحكومة قِسّيسُ
وما الغَبنُ إلا أن تُحكّمَ نعجةوضرغامُ أسد الغاب في الغيل مفروس
وما لي فوق الأرض مغرز إبرةٍوتُحمَلُ دِمياط إليه وتنّيس
مصائبُ من يسكُتْ لها مات حسرةومن ثِقلِها بثّاً يمُتْ وهو منحوس
وفي جورِه هذا الدهر ما بأقلّهسيضرب في أرجاء مكّةَ ناقوس
ويُبْتاعُ مِسك بالخراء مدلّسويُعبَدُ خنزير ويُرسل جاموس
وقالوا ابن قادوس تقدّس كاسمهومن هو قادوس فلا كان قادوس
أيا من غدا ضِداً لكلّ فضيلةٍومن نجمُهُ في طالع السّعد منكوس

ومنها:

وقد قُلتُها هجْواً وأنفُكَ راغمفلا يدخُلنْ ريْب عليكَ وتلبيس
أبا الفضل إنْ أصبحتَ قاضيَ أمةٍوللحكم في أرجاء ذكركَ تعريس
فإنّ قريضي بين أذنيك درّةوإنّ هجائي في دماغِكَ دبّوس
ورأسي ومِثلا شرِه سفْن خرْدل......... مدسوس
تجمّع فيّ الخيرُ والشرّ جملةًفخيريَ جِبريل وشرّيَ إبليس

أطاعه في هذه القصيدة الطبع الجافي، وجاد بالكدر خاطره الصافي، وأبان فيها عن رقّة دينه وتهلهله، وعُدِم عُبوسُ بؤسِه، بِشرَ الفضلِ في تهلله.

ومما وجب إيراده في شعراء صقلية:

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.