تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

الوزير أبو محمد ابن سفيان

قرضه صاحب القلائد بالرتبة العالية، والحالة الحالية، والجد الصاعد، والهمة الواطئة بأخمصها هام الفراقد، والرأي المتوصل به إلى إنالة المقاصد، وإلانة الشدائد، واليراع المستخدم به بيض الصفائح لسود الصحائف، والبلاغة الموضحة غرر الكلم الفصائح في جباه المعارف، وقيامه في دولة آل ذي النون، قيام الأمين المأمون، حتى أنقت نظارة أيامها، وأغدقت غزارة انعامها، ورجيت بوارقها، وأمنت بوائقها، ووصفه بالأدب العذب الجني، الرحب الجناب، السامي الربى، الهامي الرباب، والكلمات الآخذة بمجامع القلوب الوالجة في مسامع القبول، وأثبت من عقوده ما يثبت شهادة العقول، بشهدها المعسول. فمن ذلك من أبيات كتبها إلى القادر ابن ذي النون:

خطبت بسيفي في الزمان يراعةسبقت إلى كفي وصلى المنصل
أو لست من وطيء السماء تأوّداوسما فقد سفل السماك الاعزل
أغْشَى العوالي والمعالي باسماوأقوم في الخطب البهيم فأفضل
ومتى أعُدْ ليلا نهار صحيفةوضحت كواكبه عليه تهلل
وإذا أجلت جياد فكري في مدىسبقت فكبر حاسدون وعللوا
رمدت عيون الحاسدين أما ترىقمر العلى والمجد ليلة يكمل
ما الذنب عندهم ودونك فاختبرإلا هوى بالمكرمات موكل
همم إلى صرف العلى مصروفةوحجى أقام وقد تزحزح يذبل
وبلاغة بلغت بآفاق الدناوغدت تحية من يقيم ويرحل
ولئن يضع فضلي ويذهب نقصهمصعدا فأرجح كفّة من يسفل
فلأغشينّ الحادثات بصارمخَذِمٍ غِرَارَاهُ حريق مشعل
وبصيرة تذر الخطوب لوائحافكأنَّها في كفّهن سجنجل
ومشرب كالنّار إن يذهب بهحَضْرٌ وإن يسكن فماء سلسل
نهد إذا استنهضته لملمّةأعطاك عفوا عدوه ما تسأل
قيد الأوابد والنواظر إن بداقلت: الجواد أم الحبيب المقبل
ومفاضة زَغْفٌ كأنّ قميصهاماء الغدير جرت عليه الشمأل
ترد العوالي منه شرعة حتفهاوتعب فيه مناصل فتفلّل
وعزائم بيض الوجوه كأنهاسرج توقد أو زمان يقبل
شيم عمرن ربوع مجد قد خلتفأضاء معتكر وأخصب ممحل

وله:

يا ضرة الشمس قلبي منك في وهجلو كان بالنّار لم تسكن ذُرى حجر
أبيت أسهر لا أغفي وإن سنحتإغفاءة فكمثل اللمح بالبصر
إذا رأيت الدجى تعلو غواربهاوالنجم في قيده حيران لم يسر
أقول ما بال بازي الصبح ليس لهوقع وما لغراب الليل لم يطر
فإن سمحت بوصل أو بَخِلْت بهشكوت ليلي من طول ومن قصر
لا أفقد النجم أرعاه وأرقبهفي الوصل منك وفي الهجران من قمر

وله في الغزل أيضا:

نفسي فداك وعدتني بزيارةفظللت أرقبها إلى الإمساء
حتى رأيت قسيم وجهك طالعالم تنتقصه غضاضة استحياء
فعلمت أنك قد حجبت وأنهلوراء وجهك ما سرى بسماء

وله يعرض بأحد الملوك، ويخاطب أبا أمية إبراهيم بن عصام:

امرر بقاضي القضاة إن لهحقا على كل مسلم يجب
وقل له إن ما سمعت بهعن سرّ من راء كلّه كذب
قد غرّني مثل ما غُرِرْتَ بهفجئته يستحثّني الطرب
حتى إذا ما انتهيت سرت إلىسراب قَفْرٍ من دونه حجب
وملّة للسماح ناسخةلها نبيّ الاهه الذهب

وله إليه وقد كتب عين زمانه فوقعت نقطة على العين، فظن أبو أمية أنه أبهمها، واعتقدها وعددها وانتقدها:

لا تلزمنّي ما جنته يراعةطمست بريقتها عيون ثنائي
حقدت عليّ لزامها فتحولتأفعى تمجّ سمامها بسخاء
غدر الزمان وأهله عرف ولمأسمع بغدر يراعة وإناء

ومن نثره ما كتبه إلى الوزير أبي محمد ابن القاسم من رسالة: كتبت وما عندي من الود أصفى من الراح، وأضوأ من سقط الزند عند الاقتداح، وليس فيما أدعيه من ذلك لبس، وكيف وهو ما تجزي به نفسا نفس، فإن شككت فيه، فسل ما تطوي لي جوانحك عليه، أو اتهمته فارجع، إلى ما أرجع، عند الاشتباه إليه، تجده عذباً قراحا، سائل الغرة لياحاً. ولم لا يكون ذلك وبيننا ذمة تجل أن تحصى بالحساب، بيض الوجوه كريمة الأنساب، لو كانت نسيما لكان بليلا، ولو كانت زمانا لم تكن إلا سحرا أو أصيلا.

فراجعه أبو محمد برقعة فيها.

كتبت عن ود ولا أقول كصفو الراح فإن فيها جناحا، ولا كسقط الزند فربما كان شحاحا، ولكن أصفى من ماء الغمام، وأضوأ من القمر في التمام.

فراجعه عنها: كتبت - دام عزك - عن ود كماء الورد نفحة، وعهد كصفائه صفحة، ولا أقول أصفى من ماء الغمام، فقد يكون معه الشرق، ولا أضوأ من القمر في التمام، فقد يدركه النقص ويمحق، وليس ما وقع به الاعتراض مختصا بصفو الراح، ولا بسقط الزند عند الاقتداح، فإن أمور العالم هذه سبيلها، وجياد الكلم تجول كيف شاء مجيلها، وإنما نقول ما قيل، ونتبع من أجاد التحصيل، وحسن التأويل، فنستعير ما استعار، ونسير في التملح في القول إلى ما أشار، وبين أنا لم نرد من الراح الجناح، ولا من الزند الشحاح، ولا من ماء الورد ما فيه مادة الزكام، ولا زيادة في بعض الأسقام.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.