من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الوزير أبو عمرو الباجي
الكاتب، قرأت له من مجموع هذين البيتين:
غلطت يا دهر أكثر الغلطفارجع فإن الأنام في قنط
فلم تزل ترفع الخفاف علىحال ولكن من غير ذا النمط
ووصفه كتاب قلائد العقيان بالإعجاز في البيان، والسبق في ميدان الإحسان، وأنه كان في زمان نفاق الفضائل، وإشراق الوسائل، وتزين سماء السماح بكواكب الأكارم، وترنم أطيار الأوطار في رياض النجاح بغناء الغنائم، وحظي من المعروف بالمقتدر، بكل معروف وقدر، وتمكن منه تمكن القلب في الصدر، ولقي من أهل سرقسطه، ما أجزل من كل عارفة قسطه، ثم رحل عنهم، فحن إلى لقائهم، فقال يخاطبهم ويثني على آلائهم:
سلام على صفحات الكرمعلى الغرر الفارجات الغمم
على الهمم الفارعات النجومعلى الأيمن الغامرات الديم
سلام شج لانقلاب المزارنوى غربة عن جوار أمم
شجى عن نزاع يذيب الدموعبنار الجوانح لا عن ندم
وأيّ الندامة من مجمععلى ما نوى همّه أي هم
وهل يتلوّن رأي الأريبإذا جدّ في أمره واعتزم
عزمت على رحلتي عنكمفسرت بقلب شديد الألم
أضاحك ضيفي وأطوي الفجاجوفي كبدي لاعج كالضرم
فما أنس لا أنس ذاك السّناوذاك السناء وتلك الشيم
ودنيا بكم طلقة المجتلىودهرا بكم واضح المبتسم
وساعة أنس تجول النفوس فيها مجال حمام الحرم
أحنّ إليكم فمن شاقهتذكر عهدكم لم يلم
وإن كنت مغتبطا ساحباذيول الرضى في قرار النعم
وأنشر من فضلكم ما حييتعلى أنه سافر كالعلم
فما روضة الحزن ذات الفنونإذا ما الصباح عليها ابتسم
وقد بلل الطل أحداقهاكأنّ الفريد عليها انتظم
بأطيب من نفحات الثناءأسيّرها عنكم في الأمم
أروح وأغدو بها خاطبالدى سامعي عرب أو عجم
لدى كل معترف تابعإذا قلت، ألقى إلي السلم
ومن حقكم شكر آلائكمومن حق شانئكم أن يذم
ومن نثره كنظم السمط، يصف المطر غب القحط:
إن لله تعالى قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل، ومنحا يبسطها إذا شاء ترفيها وإنعاما، ويقبضها إذا أراد تنبيها وإلهاما، ويجعلها لقوم صلاحا وخيرا، وعلى آخرين فسادا وضيرا، وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد، وأنه بعد ما كان من امتساك الحيا، وتوقف السقيا، الذي ريع به الآمن، واستطير له الساكن، ورجفت الأكباد فزعا، وذهبت الألباب جزعا، وأذكت ذكاء حرها، ومنعت السماء درها واكتست الأرض غبرة بعد خضرة، ولبست شحوبا بعد نضرة، وكادت برود الأرض تطوى، ومدود نعمه تزوى. يسر الله تعالى رحمته، وبسط نعمته، وأتاح منته، وأزاح محنته، فبعث الرياح لواقح، وأرسل الغمام سوافح، بماء دفق، ورواء غدق، من سماء طبق، استهل جفنها فدمع، وسح مزنها وهمع، وصاب وبلها ونفع، فاستوفت الأرض ريا، واستكملت من نباتها أثاثا وريا، فزينة الأرض مشهورة، وحلة الرياض منشورة، ومنة الرب موفورة، والقلوب ناعمة بعد بؤسها، والوجوه ضاحكة بعد عبوسها، وآثار الجوع ممحوة، وسور الحمد متلوة ونحن نستزيد الواهب نعمة التوفيق، ونستهديه في قضاء الحقوق إلى سواء الطريق، ونستعيذ به من المنة أن تصير فتنة، ومن المنحة أن تعود محنة، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع