من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الحاجب ذو الرئاستين أبو مروان عبد الملك بن رزين
وصفه بالجلالة والاصالة والبسالة، وموروث المجد التالد ومكتسبه الطارف. وترويجه سوق أولي المعارف بإيلاء العوارف، وتبليجه وجوه المكارم بشمس فضله الوافر في ظله الوارف، وأنه من قوم قوموا الجوانح، وذللوا الجوامح، وراضوا من الخطوب صعابا، وفاضوا ثوابا وعقابا، وهو واسطة عقدهم، ورابطة عقدهم، وأسد خيسهم، وهزبر عريسهم. وكانت دولته حافلة الاخلاف، كافلة بالإنصاف، رافلة في ثوب الائتلاف، مهتزة الأعطاف، معتزة الأطراف، ولكنه كثير الشطط على ندمانه، سريع السخط على خلانه، وربما عاد نواله وبالا، وإرغابه إرغاما، وإنعامه انتقاما، لا يرى الجاني صفحة صفحه ولا يرضى من دم المذنب إلا بسفكه وسفحه، وكان حيا النادي في الندى، وحية الوادي على العدى، وله نظم ونثر لم يقصرا عن الغاية، وكلاهما في الجود عالي الراية. فمما أورد من شعره الرائق، وسحره الفائق، قوله في وصف روضة أرجت أرجاؤها، وتلألأت آلاؤها، وتشابه لمقابلة الزهر الزهر أرضها وسماؤها، وحكت جلاؤها صفاء الصفاح ونشرت معاطفها ملاء الملاح، وأطلعت أسحارها صباح الصباح.
فروض كساه الطل وشيا مجددافأضحى مقيما للنفوس ومقعدا
إذا صافحته الريح خلت غصونهرواقص في خضر من العصف ميدا
إذا ما انسكاب الماء عاينت خلتهوقد كسرته راحة الريح مبردا
وإن سكنت عنه حسبت صفاءهحساما صقيلا صافي المتن جُرَّدا
وغنت به ورق الحمائم حولناغناء ينسّيك الغريض ومعبدا
فلا تَجْفَوَنَّ الدهر ما دام مسعداومد إلى ما قد حباك به يدا
وخذها مداما من غزال كأنهإذا ما سعى، بدر تحمل فرقدا
وركب في يوم غيم للصيد، وقد فصم المدام منه عرى الأيد، وشمس الضحى محجوبة، وكأس الودق مسكوبة، والسماء متدفقة، والأرض مزلفة، فعثر به جواده، وقد تفرد وغابت عنه أجناده وأنجاده، فآل تعثر كميته، إلى التأخر في بيته، وبلغه أن عدوا له سر بسقطته، وفرح بفرطته، في ورطته، فقال:
إني سقطت ولا جبن ولا خوروليس يدفع ما قد ساقه القدر
لا يشمتن حسودي إن سقطت فقديكبو الجواد وينبو الصارم الذكر
هذا الكسوف يرى تأثيره أبداولا يعاب به شمس ولا قمر
وقال في خليط ودع، وأسال فراقه المدمع:
دع الدمع يفني الجفن ليلة ودعواإذا انقلبوا بالقلب لا كان مدمع
سروا كاقتداء الطير لا الصبر بعدهمجميل ولا طول الندامة ينفع
أضيق بحمل الحادثات من النوىوصدري من الأرض البسيطة أوسع
وإن كنت خلاع العذار فإننيلبست من العلياء ما ليس يخلع
إذا سلت الألحاظ سيفا خشيتهوفي الحرب لا أخشى ولا أتوقع
وقال فيمن سكر فمثل له سكره معترك النزال، ومقتحم الأبطال، فاستدعى حرب الحرب، واستحلى طعم الطعن وضرب الضرب:
نفس الذليل تعز بالجريالفيقاتل الأقران دون قتال
كم من جبان ذي افتخار باطلبالخمر تحسبه من الأبطال
كبش النديِّ تخَبُّطاً وعرامةوإذا تشد الحرب شاة نزال
وقال في الحنين والنزاع، إلى التلاقي والاجتماع:
أترى الزمان يسرنا بتلاقيويضم مشتاقا إلى مشتاق
وتعض تفاح الخدود شفاهناونرى منى الأحداق للأحداق
ويعيد أنفسنا إلى أجسادنافلطالما شردت على الآفاق
وقال:
برّح السقم بي فليس صحيحامن رأت عينه عيونا مراضا
إن للأعبن المراض سهاماصيرت أنفس الورى أغراضا
وقال في شمعة:
ربّ صفراء تردتبشحوب العاشقينا
مثل فعل النار فيهاتفعل الآجال فينا
وبقي بعد ملوك الأندلس وانقرض ملكهم، وانتقاض سلكهم، ملكا مطاعا، ضرارا نفاعا، لم تخطئه الأمنية إلى أن تخطت إليه المنية، وبقي ابنه على رسمه، يجري الزمان على حكمه، إلى أن دب إليه الكيد، ووهن منه الأيد، وأوحش منه عرشه، وأنس به نعشه، فتبارك الواحد الذي ليس له ثان، ولا يفنى ملكه وكل شيء فان.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع