من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
المتوكل أبو محمد عمر بن المظفر
كان قبل سنة خمسمائة أورده في الملوك بعد المعتمد وابنه الراضي، وأثنى على عزمه الماضي، ذوحزمه القاضي، ووصفه بسوق الحنود، وخفق البنود، وسبق الملوك في البأس والجود، واعتمار الآمال إلى كعبته، وائتمار الليالي والأيام لإمرتهن وحلاوة جنى جنابه، ورحب ساحته، وطلاوة لهجته، وحلاوة بهجته، وعذب فصاحته، وسياسته في نهيه وأمره، وسلاسته في نظمه ونثره، وصفاء أيامه، ومضاء أحكامه، ونمو مكارمه، وسمو دعائمه، حتى رمته مصيبات الأيام، بمصيبات السهام، وعدا عليه الدهر العادي، ووقع في الاسر حيث لا فادي، ونقل هو وابناه، إلى حيث أمرت المنون جنى مناه، قد ألحفوا أرداء الردى، وعطل منهم نادي الندي، وأنزلوا من الثريا إلى الثرى، وصاروا عبرة لمن يرى، واحل ذمام ذمائهم، وطل حرام دمائهم، وطلوا بنجيع طلاهم، وعلوا بكأس البؤس بعد رفيع علاهم، وحليت ترائبهم بالترب عاطلين من حلاهم، وخليت مطالبهم من النجح لما عراهم، من جور الزمان وعلاهم، وقتل ولداه بين يديه صبرا، وقام ليصلي فبادروه وكشفوا منه بدرا، وصار لأشلائهم بطن النسر قبرا، ولم يقبل كسرهم بعدها جبرا. وهذه عادة الأيام، غمة مصيبتها بالغم صائبة الغمام، وحمى حماتها المصون مبتذل بيد الحمام.
فمن شعره ما كتبه إلى يحيى المنصور أخيه وقد بلغه أنه ذكر بسوء في ناديه:
فما بالهم لا أنعم الله بالهمينوطون بي ذاما وقد علموا فضلي
يسيئون فِيَّ القول جهلا وضلةوإني لأرجو أن يسوءهم فعلي
لئن كان حقا ما ادعوه فلا مشتإلى غاية العلياء من بعدها رجلي
ولم ألق أضيافي بوجه طلاقةولم أمنح الباقين في زمن المحل
وكيف وراحي درس كل غريبةوورد التقى شمي وحرب العدى نقلي
ولي خلق في السخط كالشري طعمهوعند الرضا أحلى جنى من جنى النَّحْل
فيا أيها الساقي أخاه على النوىكؤوس القلا مهلا رويدك بالعل
لتطفئ نارا أضرمت في نفوسنافمثلي لا يقلى ومثلك لا يقلي
وقد كنت تشكيني إذا جئت شاكيافقل لي لمن أشكو صنيعك بي قل لي
فبادر إلى الاولى وإلا فإننيسأشكوك في الأخرى إلى الحكم العدل
قال: وصل أبو يوسف المغني والمتوكل مقلع عن الشرب، متورع بالجد عن اللعب، وقد لبس ثوب الخشوع، واستسقى واكف الدموع، وكثرة السجود والركوع، وقد أجيبت دعوته في إغاثة الغيث بتربة مجدب الثرى، وإنامة عيون الورى، بعد السهاد، لقدوم العهاد، في مهاد الكرى، وهو باق على التوبة، متوق على الحوبة، فكتب إليه:
ألمّ أبو يوسف والمطرفيا ليت شعري ما ينتظر
ولست بآب وأنت الشهيدحضور نديك فيمن حضر
ولا مطلعي وسط تلك السماء بين النجوم وبين القمر
وركضي فيها جياد المدام محثوثة بسياط الوتر
فبعث إليه المتوكل مركوبا وكتب معه:
بعثت إليك جناحا فطرعلى خفية من عيون البشر
على ذلل من نتاج البروقوفي ظلل من نسيج الشجر
فحسبي ممن نأي من دنافمن غاب كان فدا من حضر
وكتب إليه الوزير أبو محمد بن عبدون مع خمر وورد أهداهما له:
إليكها فاجتلها منيرةوقد خبا حتى الشهاب الثاقب
واقفة بالباب لم يؤذن لهاإلا وقد كاد ينام الحاجب
فبعضها من المخاف جامدوبعضها من الحياء ذائب
فقبلها وكتب إليه:
قد وصلت تلك التي زففتهابكرا وقد شابت لها ذوائب
فهبّ حتى نسترد ذاهبامن أنسنا ان استرد ذاهب
وكتب إلى أبي طالب بن غانم أحد وزرائه وكان وزير رأيه، ونديم أنسه، وحميم نفسه، يستدعيه:
أقبل أبا طالب إليناوقع وقوع الندى علينا
فنحن عقد بغير وسطىإن لم تكن حاضرا لدينا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع