من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الوزير أبو عامر ابن أرقم
وصفه بالارتواء من ورد الآداب النمير، والاحتواء على كنز الفضل الغزير، والاستواء على سرير الملك في البراعة، والاستيلاء على إبداع الصنائع بسر الصناعة، والانتشاء من سلاف سلفه، في فضله وشرفه، فقد كان أبوه الوزير الكاتب أبو الأصبغ مبرا في الكتابة على مباريه، سابقا لمجاريه، فنشأ ولده أبو عامر عامرا بحد أبيه، مربوبا في حجر حجره، مهادا في مهاد الإحسان بين سحر البيان ونحره، ومن شعره الذي أورده ما يشعر بفضله، ويعرف بفرده، في مدح الأمير عبد الله بن مزدلي:
سريت والليل من مسراك في وهلمبرأ العزم من أيْنٍ ومن كسل
وسرتَ في جحفل يهدي فوارسهسناك تحت الدجى والعارض الهطل
والبدر محتجب لم تدر أنجمهأغاب عن سَرَرٍ أم غاب عن خجل
هوت أعاديك من سار يُؤرّقهركض الجواد وحمل اللامة الفضل
إذِ الملوك نيام في مضاجعهميستحسنون بهاء الحلي والحلل
لله صومك برا يوم فطرهموما توخيت من وجه ومن عمل
نحرت فيه الكماة الصيد محتسباوحسب غيرك نحر الشاء والإبل
إذا صرير المدارى هزهم طرباألهاك عنه صرير البيض والأسل
وإن ثنتهم عن الاقدام عاذلةمضيت قدما ولم تأذن إلى العذل
كم ضم ذا العيد من لاه به غزلوأنت تنشد أهل اللهو والغزل
في الخيل والخافقات البيض لي شغلليس الصبابة والصهباء من شغلي
ظللت يومك لم تنقع به ظَمَأوظل رمحك في علّ وفي نهل
وكلما رامت الروم الفرار أتتمن كل صوب وضمتها يد الاجل
فصار مقبلهم نهبا ومدبرهموعاد غانمهم من جملة النفل
وكم فككت من الاغلال عن عنقوكم سددت بهذا الفتح من خلل
أنت الأمير الذي للمجد همتّهوللمسالك يحميها وللدول
وللمواهب أو للخَطّ أنملهما لم تحنّ إلى الخطية الذبل
ومنها:
الجابرين صدوع المعتفي كرماوالكاسرين الظبي في هامة البطل
والعادلين عن الدنيا ونضرتهاوالسالكين على الاهدى من السبل
ومن نثره ما كتبه في حق رجل حرفته استجداء الأعيان، واستعداء معروفهم على نوب الزمان، يعرف بالزريزير ويصف الزرزور: يا سيدي الأعلى، وعلقي الأغلى، وسراجي الأجلى، ومن أبقاه الله، والأمكنة بمساعيه فسيحة، والألسنة بمعاليه فصيحة، موصله وصل الله حبلك حيوان يصفر كل أوان، ويسفر بين الإخوان، رقيق الحاشية، أنيق الشاشية، يعتمد على كدواء، ويسمع بجدواء، وينظر من عين، كأنها عين، ويلقط بمنقار، كأنه من قار، أطبق على لسانه كأنه إغريضة، في جوف إحريضة، يسلي المحزون، بالمقطع والموزون، وينفس عن المكظوم، بالمنثور والمنظوم، مسكي الطيلسان، تولد بين الطائر والإنسان، كما سمعت بسمع الفلاة، وعمرو بن السعلاة، قطع من منابت الربيع، إلى منازل الصقيع، ومن مطالع الزيتون، إلى مواقع السحاب الهتون، فصادف من الجليد، ما يذهب قوى الجليد، ومن البرد، ما لا يدفعه ريش ولا برد، والحدائق قد غمضتى أحداقها، وانحسرت أوراقها، والبطاح قد قيدت الفور، بحبائل الكافور، وأوقعت الصرد، في شرك الصرد، فمني البائس بما لم يعهده، كما وسم بالزرزورولم يشهده، ولما فال رأيه، وأخفق أو كاد سعيه، التفت إلى عطفة أشمط، وإلى أديمة أرقط، فناح، ثم سوى الجناح، وقد نكر مزاجه، ونسي ألحانه وأهزاجه، ولا شك أنه واقع بفنائك، وراشف من إنائك، وآمل حسن غنائك واعتنائك، وأنت بارق ذلك العارض، ورائد ذلك الأنف البارض، تهيء له حبا، يجزيك عنه ثناء جميلا رحبا، وقد تحفظ يا سيدي رسائل، جعلت له وسائل، فسام بها أهل الأدب، سوء العذاب، ودعي البطي منهم إلى الإهذاب:
وابن اللبون إذا ما لز في قرنلم يستطع صولة البُزْل القناعيس
وإذا ألقي كتابي إليك، يفسر هذه الجملة عليك، لازلت منافسا للعلوم، آسيا للأحوال والكلوم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع