من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
مناظرة السيف والقلم لزين الدين عمر بن الوردي المتوفى سنة ٧٤٩هـ?
ـ?"
لما كان السيف والقلم عتي العمل ولقول، وعمدتي الدول عدمتهما دولة فلا حول.
وركني إسناد الملك المعربين عن المخفوض والمرفوع ومقدمتي نتيجة الجدل الصادر عنهما المحمول والموضوع فكرت أيهما أعظم فخراً أو أعلى قدراً فجلست مجلس الحكم والفتوى ومثلتهما في الفكر حاضرين للدعوى وسويت بين الخصمين في الإكرام واستنطقت لسان حالهما للكلام، (فقال القلم): (بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا)، (وَالنّهَارِ إِذَا جَلاّهَا
وَاللّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) أما بعد حمد الله بارئ القلم ومشرفه بالقسم وجعله أول ما خلق وجمل الورق بغصنه كما جمل الغصن بالورق والصلاة على القائل جفت الأقلام فإن القلم قصب السباق والكاتب بسبعة أقلام من طبقت الكتاب السبع الطباق جرى بالقضاء والقدر وناب عن اللسان فيما نهى وأمر طالما أربى على البيض والسمر في ضرابها وطعانها واتل البعد والصوارم في القرب ملء أجفانها وماذا يشبه القلم في طاعة ناسه ومشيه لهم على أم رأسه، (قال السيف): بسم الله الخافض الرافع (وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ) أما بعد حمد الله الذي أنزل آية السيف فعظم بها حرمة الجرح وآمن خيفة الحيف والصلاة على الذي نفذ بالسيف سطور الطروس وخدمته والأقلام ماشية على الرؤوس وعلى آله وصحبه الذين أرهفت سيوفهم وبنيت بها على كسر الأعداء حروفهم فإن السيف عظيم الدولة شديد الصولة محا أسطار البلاغة وأساغ ممنوع الإساغة من اعتمد على غيره في قهر العداء تعب وكيف لا وفي حده الحد بين الجد واللعب فإن كلن القلم شاهداً فالسيف قاضي وإن اقتربت مجادلته بأمر مستقل قطعه السيف بفعل ماضي به ظهر الدين وهو العدة لقمع المعتدين حملته دون القلم يد نبينا فشرف بذلك في الأمم شرفاً بينا الجنة تحت ظلاله ولا سيما حين يسل فترى ودق الجم يخرج من خلاله زينت بزينة الكواكب سماء غمده وصدق لقائل (السيف أصدق إنباءً من ضده) لا يعبث به الخامل ولا يتناوله كالقلم بأطراف الأنامل ما هو كاللم المشبه بقوم عروا لبوسهم ثم نكسوا ما قبل على رؤوسهم فكأن السيف (خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ) أو كوكب راشق مقدراً في السرد فهو الجوهر الفرد لا يشترى كالقلم بثمن بخس ولا يبلى كما يبلى القلم بسواد وطمس كم لقائمه المنتظر من أثر في عين أو عين في أثر فهو في جراب القوم قوام الحر ولهذا جاء مطبوع الشكل داخل الضرب (قال القلم)
أمن ينشأ في المخصوص وهو في الخصام غير مبين يفاخر وهو القائم عن الشمال وأن الجالس على اليمين أنا المخصوص بالرأي وأنت المخصوص بالصدى أنا آلة الحياة وأنت آلة الردى ما لنت إلا بعد دخول السعير وما حددت إلا عن ذنب كبير أنت تنفع في العمر ساعة وأنا أفني العم في الطاعة أنت للرهب وأنا للرعب وإذا كان بصرك حديداً فبصري ماء ذهب أين تقليدي من اجتهادي، وأين نجاسة دمك من تطهير مدادي، (قال السيف): أمثلكم يعبر مثلي بالدماء فطالما أمرت بعض فراخي وهي السكين: فأصبحت من النفاثات فيعدك يا مسكين، فأخلت من الحياة جثمانك، وشقت أنف وقطعت لسان، ويك إن كنت للديوان فحاسبٌ مهموم، أو للإنشاء فخادم لمخدوم، أو للبليغ فساحر مذموم، أو للفقيه فناقص في المعلوم، أو للشاعر فسائل محروم، أو للشاهد فخائف مسموم، أو للمعلم فللحي القيوم، وأما أنا فلي الوجه الأزهر، والحلية والجوهر، والهيبة إذا أشهرن والصعود على المنبر، شكلي الحسن علي، ولم لا حملك الحطب بدلي، ثم إني مملوك كمالك، فإنك كناسك، أسلك الطرائق وأقطع العلائق، (قال القلم): وأليف الغدير وحليف الهواء، وأما أنت فابن النار والدخان، وباتر الأعمار وخوان الإخوان، تفصل ما لا تفصل، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، لا جرم شمر السيف وصقل قفاه، وسقي ماء حميماً فقطع معاه، يا غرب البين، ويا عدة الحين، ويا معتل العين، ويا ذا الوجهين، كم أفنيت وأعدمت.. وأرملت وأيئمت (قال السيف): يا بن الطين، ألست ضامراً وأنت بطين، كم جريت بعكس وتصرفت في مكس، وزورت وحرفت، ونكرت وعرفت، وسطر ت وهجواً وشتماً، وخلدت عاراً وذماً، أشر بفرط روعتك، وشدة خيفتك، إذا قستن بياض صحيفتي بسواد صحيفتك، فألن خطابك فأنت قصير المدة، وأحسن
جوابك فعندي حدة، وأقلل من غلظتك وجبهك، واشتغل عن دم في وجهي بمدة في وجهك، وإلا فأدنى ضربة مني تروم أرومتك، فنستأصل أصلك وتجحتث جرثومتك،
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع