تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

رواية ليلى الأخيلية مع الحجاج

"

قال بعضهم بينما كان الحجاج في مجلس ومعه عنبسة بن سعد العاصي غذ دخل الحاجب فقال امرأة بالباب فقال له الحجاج أدخلها فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت لأن ذقنه قد أصاب الأرض فجاءت حتى قعدت بين يديه فنظرت المرأة قد لأسنت حسنة الخلق ومعها جاريتان لها وإذا هي ليلى الأخيلية فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له فقال لها يا ليلى ما أتى بك فقالت أخلاف النجوم وقلة الغيوم وكلب البرد وشدة الجهد وكنت لنا بعد الله الرفد فقال لها صفي لنا الفجاج: فقالت الفجاج مغبرة. والأرض مقشعرة والمبرك معتل وذو العيال مختل والهالك للقل والناس مسنتون رحمة الله يرجون وأصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هبعاً ولا ربعاً ولا عافطة ولا نافطة أذهبت الأموال ومزقت الرجال وأهلكت العيال ثم قالت إني قلت في الأمير قولاً: قال هاتي فأنشأت تقول:

أحجَّاجُ لا يفللْ سلاحك إنّما ال??منَايا بكفّ الله حيث يراها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
أحجاج لا تعط العصاة مناهمولا الله يعطي للعصاة مناها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
إذا هبط الحجاج أرضاً مريضةًتتبَّع أقصى دائها فشفاها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
شفاها من الدّاء العضال الذي بهاغلامٌ إذا هزَّ القناة سقاها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
سقاها فروّاها يشرب سجالهِدماء رجالٍ حيث مال حشاها
إذا سمع الحجاج رزّ كتيبةٍأعدّ لها قبل النُّزول قراها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
أعدّ لها مصقولةً فارسيّةبأيدي رجال يحلبون صراها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
فما ولد الأبكارُ والعونُ مثلهببحرٍ ولا أرض يجفّ تراها

قال: فلما قالت هذا البيت قال الحجاج قاتلها الله ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال والله إني لأعد للأمر عسى أن لايكون أبداً ثم التفت إليها فقال حسبك قالت غني قد

قلت أكثر من هذا قال حسبك ويحك حسبك ثم قال يا غلام اذهب إلى فلان فقل له اقطع لسانها فذهب بها فقال له يقول لك الأمير اقطع لسانها قال فأمر بإحضار الحجام فالتفتت ثكلتك أمك أما سمعت ما قال أنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة فبعث إليه يستثبته فاستشاط الحجاج غضباً وهم بقطع لسانه وقال أرددها فلما دخلت عليه قالت: كاد "وأمانة الله" يقطع مقولي ثم أنشأت تقول:

حجّاج أنت الذي ما فوقه أحدٌإلا الخليفةُ والمستغفرُ الصّمد
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
حجاج أنتَ شهابُ الحربِ إن لقحتْوأنتَ للناس نورٌ في الدُّجى يقدُ

ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه قالوا لا والله أيها الأمير إنا لم نر قط أفصح لساناً ولا أحسن محاورة ولا أملح وجهاً ولا أرصن شعراً منها فقال هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها ثم التفت إليها فقال أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة قالت نعم أيها الأمير الذي يقول:

وهل تبكينَ ليلى إذا متّ قبلهاوقام على قبري النّساء النّوائحُ
كما لو اصاب الموتُ ليلى بكيتهاوجاد لها دمعٌ من العين سافح
وأغبطُ من ليلى بما لا أنالهبلى كلّ ما قّرت به العين طائح
ولو أن ليلى الأخيلية سلّمتعليّ ودونيَ جندل وصفائح
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «ألا هل فؤادي عن صبا اليوم صافح»
لسلّمت تسليمَ البشاشة أوزقاإليها صدّى من جانب القبر صائح
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «ألا هل فؤادي عن صبا اليوم صافح»

ثم قال لها سلي يا ليلى تعطي قالت أعط فمثلك أعطى فأحسن قال لك عشرون قالت زد فمثلك زاد فأجمل قال لك أربعون قالت زد فمثلك زاد فأكمل قال لك ثمانون قالت زد فمثلك زاد فتمم قال لك مئة واعلمي إنها غنم قالت معاذ الله أيها الأمير أنت أجود جوداً وأمجد مجداً وأورى زنداً من أن تجعلها غنماً قال فما هي ويحك يا ليلى قالت مائة من الإبل

برعاتها فأمر لها بها ثم قال ألك حاجة بعدها حاجة بعدها قالت يدفع إلي النابغة الجعدي قال قد فعلت وقد كانت تهجوه ويهجوها فبلغ النابغة ذلك فخرج هارباً عائذاً بعبد الملك فاتبعته إلى الشام فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة بقومس ويقال بحلوان.

"

النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.