من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
لأسفر الصبح لذي عينين
"
قال بشرٌ ويحك من عنيت فقالت: بنت عمك فاطمة فقال: أهي من الحسن بحيث وصفت قالت: وأزيد وأكثر فأنشأ يقول:
ويحكِ يا ذاتَ الثنايا البيضِما خلتني منك بمستعيض
فالآن إذ لوّحت بالتعريضخلوتِ جوَّا فاصفري وبيضي
لأضم جفناي على تغميضمالم أشل عرضي من الحضيض
فقالت:
كم خاطبٍ في أمرها ألحَّاوهي إليك ابنة عمّ لحّا
ثم أرسل إلى عمه يخطب ابنته ومنعه العم أمنيته فآلى ألا يرعي على أحد منهم إن لم يزوجه ابنته ثم كثرت مضراته فيهم واتصلت معراته إليهم فاجتمع رجال الحي إلى عمه وقالوا كف عنا مجنونك فقال: لا تملبسوني عاراً وأمهلوني حتى أهلكه ببعض الحيل فقالوا: أنت وذاك ثم قال له عمه إني آليت أن لا أزوج بنتي هذه إلا ممن يسوق إليها ألف ناقة مهراً ولا أرضانها إلا من نوق خزاعة وكان غرض العم أن يسلك بشر الطريق بينه ووبين خزاعة فيفترسه الأسد لأن العرب قد كانت تحامت عن ذلك الطريق وكان فيه أسد يسمى "داذا" وحية تدعى "شجاعاً" يقول فيهما قائلهم:
أفتكُ من داذ ومن شجاعإن يكُ داذٌ سيّد السّباع
فإنها سيّدةُ الأفاعي
ثم إن بشراً سلك ذلك الطريق غما نصفه حتى لقي الأسد وقمص مهره فنزل وعقره ثم اخترط سيفه إلى الأسد واعترضه وقطعه ثم كتب بدم السد على قميصه إلى ابنة عمه:
أفاطمُ لو شهدتِ ببطنِ خبتوقد لاقى الهزبرُ أخاك بشرا
إذاً لرأيتِ ليثاً زارَ ليثاًهزبر اً أغلبا لاقى هزبرا
تبهنسَ حين أحجم عنهُ مهريمحاذرةً، فقلتُ عقرتَ مهراً
أنلْ قدميّ ظهرَ الأرض إنيرأيتُ الأرضَ أثبتَ منك ظهرا
وقلتُ له وقد أبدى نصالاًمحدّدة ووجهاً مكفهرا
يكفكفُ غيلةً إحدى يديهويبسطُ للوثوب عليّ أخرى
يدلُّ بمخلب وبحدّ نابوباللَّحظاتِ تحسبهنَّ جمرا
وفي يمنايَ ماضي الحدّ أبقىبمضربه قراعُ الموت أثرا
ألم يبلغك ما فعلتْ ظباةبكاظمةٍ غداةَ لقيتُ عمرا
وقلبي مثلُ قلبك ليس يخشىمصاولةً فكيفَ يخاف ذعرا
وأنتَ تروم للأشبال قوتاًوأطلبُ لابنةِ الأعمام مهرا
ففيمَ تسوم مثلي أن يولّيويجعلَ في ديك النفس قسرا
نصحتك فالتمسْ يا ليثُ غيريطعاماً إن لحمي كان مرَّا
فلما ظنَّ أن الغشَّ نصحيوخالفني كأنّي قلتُ هجرا
مشى ومشيت من أسدين رامامراماً كان إذ طلباهُ وعرا
هززتُ له الحسامَ فخلتُ أنيسللتُ به لدى الظّلماء فجرا
وجدتُ له بجائشةٍ أرتهُبأنَّ كذبتهُ ما منّتهُ غدرا
وأطلقتُ المهنَّدَ من يمينيفقدَّ له من الأضلاع عشرا
فخرَّ مجدَّلاً بدمٍ كأنيهدمتُ به بناءً مشمخرَّا
وقلتُ له يعز عليّ أنيقتلتُ مناسبي جلداً وفخرا
ولكنْ رمتَ شيئاً لم يرمهُسواكَ فلم أطقْ يا ليثُ صبرا
تحاولُ أن تعلّمني فراراًلعمرُ أبيك قد حاولتَ نكرا
فلا تجزعْ فقد لاتقيتَ حرَّا=يحاذر أن يعابَ فمتَّ حرَّا فلما بلغت الأبيات عمه ندم على ما منعه تزويجها وخشي أن تغتاله الحية فقام في أثره وبلغه وقد ملكته سورة الحية
فلما رأى عمه أخذته حمية الجاهلية فجعل يده في فم الحية وحكم سيفه فيها فقال:
بشرٌ إلى المجد بعيدٌ همّهلما رآه بالعراءِ عمّهُ
قد ثكلتهُ نفسهُ وأمُّهجاشتْ به جائشةٌ تهمهُ
قام إلى ابنِ للفلاَ يؤمُّهفغاب فيه يدهُ وكمّهُ
ونفسهُ نفسي وسمّي سمُّهُ
فلما قتل الحية قال عمه إني عرضتك طمعاً في أمر قد ثنى الله عناني فارجع لأزوجك لابنتي فلا رجع جعل بشر فمه فخراً حتى طلع أمرد كشق القمر على فرسه مدججاً في سلاحه فقال بشر يا عم إني اسمع حس صيد وخرج فإذا بغلام على قيد فقال ثكلتك أمك يا بشر أن قتلت دودة وبهيمة تملأ ما ضغنك فخراً أنت في أمان إن سلمت عمك فقال بشر من أنت لا أم لك قال اليوم الأسود والموت الأحمر فقال بشر: ثكلتك من سلحتك فقال يا بشر ومن سلحتك وكر كل واحد منهما على صاحبه فلم يتمكن بشر منه وأمكن الغلام عشرون طعنة في كلية بشر كلما مسه شبا السنان حماه عن بدنه إبقاء عليه. ثم قال يا بشر كيف ترى أليس لو أردت لأطعمتك أنياب الرمح ثم ألقى رمحه واستل سيفه فضرب بشراً عشرين ضربة بعرض السيف ولم يتمكن بشر من واحدة ثم قال يا بشر سلم عمك واذهب في أمان قال نعم ولكن على شريطة أن تقول لي من أنت فقال أنا ابن المرأة التي دلتك على ابنة عمك: فقال بشر:
تلك العصا من هذه العصيّههل تلدُ الحيَّةُ إلا الحيّة
وحلف لا ركب حصاناً ولا تزوج حصاناً ثم زوج ابنة عمه لابنه.
"
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع