تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

رواية المتكلمة بالقرآن الكريم

"

قال عبد الله بن المبارك خرجت حاجاً إلى ببت الله الحرام وزيارة قبر نبيه ﵊ فبينما أنا في بعض الطريق إذ أنا بسواد فتميزت ذاك فإذا هي عجوز عليها درع من صوف وخمار من صوف فقلت السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقالت: (سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رّبّ رّحِيمٍ) قال فقلت لها يرحمك الله ما تصنعين في هذا المكان قالت: (وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) فعلمت أنها ضالة عن الطريق فقلت لها أين تريدين قالت: (سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى) فعلمت أنها قد قضت حجها وهي تريد بيت المقدس فقلت لها أنت منذ كم في هذا الموضع قالت: (ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً) فقلت ما أرى معك طعاماً تأكلين قال: (هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)

فقلت فبأي شيء تتوضئين قالت: (فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمّمُواْ صَعِيداً طَيّباً) فقلت لها أن معي طعاماً فهل لك في الأكل قال: (ثُمّ أَتِمّواْ الصّيَامَ إِلَى الّليْلِ) فقلت ليس هذا شهر رمضان قالت: (وَمَن تَطَوّعَ خَيْراً فَإِنّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) فقلت قد أبيح لنا الإفطار في السفر قالت: (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) فقلت لم لا تكلميني كما أكلمك قالت: (مّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) فقلت قمن أي الناس أنت قالت: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ السّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) فقلت قد أخطأت فاجعليني في حل قالت: (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ) فقلت فهل لك أن أحملك على ناقتي هذه فتدركي القافلة قالت: (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ) قال فأنخت ناقتي قالت: (قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ) فغضضت بصري عنها وقلت لها اركبي فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها فقالت: (وَمَآ أَصَابَكُمْ مّن مّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) فقلت لها أبصري حتى أعلقها قالت: (فَفَهّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) فعلقت الناقة وقلت لها اركبي فلما ركبت قالت: (سُبْحَانَ الّذِي سَخّرَ لَنَا هََذَا وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنّآ إِلَىَ رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ) قال فأخذت بزمام الناقة وجعلت أسرع وأصيح فقالت: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ) فجعلت أمشي رويداً رويداً وأترنم بالشعر فقالت: (فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) فقلت لها لقد أوتيت خيراً كثيراً قالت: (وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) فلما مشيت بها قليلاً قلت ألك زوج قالت: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) فسكت ولم أكملها حتى أدركت بها القافلة فقلت لها هذه القافلة فمن لك فيها فقالت: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا) فعلمت أن لها أولاداً فقلت وما شأنهم في الحج قالت: (وَعَلامَاتٍ وَبِالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) فعلمت أنهم أدلاء الركب فقصدت بها القباب والعمارات فقلت هذه القباب فمن لك فيها قالت: (وَاتّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) (وَكَلّمَ اللهُ مُوسَىَ تَكْلِيماً) (يَيَحْيَىَ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ) فناديت با ابراهيم يبا موسى

يا يحيى فإذا أنا بشبان كأنهم الأقمار قد أقبلوا فلما استقر بهم الجلوس قالت: (فَابْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هََذِهِ إِلَىَ الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيّهَآ أَزْكَىَ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ) فمضى أحدهم فاشترى طعاماً فقدموه بين يدي وقالت: (كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيّامِ الْخَالِيَةِ) فقلت الآن طعامكم

علي حرام حتى تخبروني بأمرها فقالوا هذه أمنا لها منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن فسبحان القادر على ما يشاء فقلت: (ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

تم بعون الله ﷾ طبع "الجزء الأول" من كتاب "جواهر الأدب" ويليه بمشيئته جل شأنه "الجزء الثاني" وأوله الفن السابع في تاريخ أدب اللغة العربية.

النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.