من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
محمد حافظ بك ابراهيم
هو الشاعر الكبير محمد حافظ بن ابراهيم أفندي فهمي المولود سنة هـ?. يقول الشعر، في كل مكان يتفق له فيه أن يخلو بنفسه، ويتعب في قرض قريضه تعب النحات الماهر في استخراج مثال جميل من حجره.
يؤثر الجزالة على الرقة، وله فيها آيات، يطرق الموضوع في الغالب من جوهره وربما نظم أكثر الأبيات قبل المطلع شان الصانع القدير الذي يبدأ بأصعب ما
بين يديه آمناً أن تهن عزيمته دون الإجادة بعد ذلك عالماً أن الكلام لابد لأن يأتيه في أي مقام طيعاً ولو بعد حين.
حاضر المحفوظ من أفصح أساليب العرب ينسج على منوالها ويتخير نفائس مفرداتها وأعلاق حلاها. له غرام باللفظ لايقل عن الغرام بالمعنى. وفي أقصى ضميره يؤثر البيت المجاد لفظاً على المجاد معنى. فإذا فاته الابتكار حيناً في التصوير، أولع بالاجتماعيات فقال فيها وأجاد ما شاء، فهو على الجملة أحد الثلاثة الذين هم نجوم الأدب العربي في مصر لهذا العصر، ولكل من تلك النجوم منزلة وإضاءته وأثره الخالد.
أما شعره فشعر البيان وإن من البيان لسحراً. ومن شعره الاجتماعي، قوله:
كم ذا يكابد عاشقٌ ويلاقيفي حبِّ مصرَ كثيرةِ العشَّاق
إني لأحملُ في هواكِ صبابةيامصرُ، قد خرجت عن الأطواقِ
لهفي عليكِ? متى أراك طليقةًيحمي كريمَ حماكِ شعبٌ راقٍ
كلفٌ بمحمود الخلالِ، متيمٌبالبذلِ بين يديكِ والإنفاقِ
إني لتطربني الخلالُ كريمةٌطربَ الغريبِ بأوبةٍ وتلاقِ
ويهزُّني ذكرُ المروءةِ والنَّدىبين الشّمائلِ هزّةَ المشتاقِ
ما البابليَّةُ في صفاءِ مزاجهاوالشربُ بين تنافس وسباقِ
والشمس تبدو في الكؤوسِ وتختفيوالبدرُ يشرق من جبين السّاقي
بألذ من خلقٍ كريم طاهرٍقد مازجتهُ سلامةُ الأذواقِ
فإذا رزقتَ خليقة محمودةفقدِ اصطفاكَ مقسّمُ الأرزاقِ
فالناسُ هذا حظهُ مالٌ، وذاعلمٌ وذاك مكارمُ الأخلاقِ
والمالُ إن لم تدَّخرهُ محصناًبالعلم كان نهاية الإملاقِ
والعلمُ إن لم تكتنفهُ شمائلٌتعليهِ كان مطية الإخفاق
لا تحسبنَّ العلم ينفعُ وحدهُمالم يتوَّج ربُّهُ بخلاقِ
منْ لي بتربية النساءِ فإنَّهافي الشرق علَّةُ ذلك الإخفاق
الأم مدرسةٌ إذا أعددتهاأعددت شعباً طيّب الأعراقِ
الأم روضٌ تعهّدهُ الحيابالريّ، أورقَ إيّما إبراق
الأمُّ أستاذُ الأساتذةِ الألىشغلت مآثرهم مدى الآفاق
أنا لا أقولُ: دعوا النساءَ سوافراًبين الرجال يجلنَ في الأسواق
يدرجنَ حيث أردنَ، لا من وازعٍيحذرن رقبتهُ، ولا من واق
يفعلن أفعال الرجال لواهياعن واجبات نواعس الأحداق
في دورهنّ شؤونهنّ كثيرةكشؤون ربّ السيفِ والمزراق
كلاّ، ولا أدعوكم أن تسرفوافي الحجبِ والتضييق والإرهاق
ليست نساؤكمُ حلىّ وجواهراًخوفَ الضياع تصانُ في الأحقاقِ
ليست نساؤكمُ أثاثاً يقتنىفي الدُّور بين مخادع وطباق
تتشكَّلُ الأزمانُ في أدوارهادولاً، وهنَّ على الجمود بواق
فتوسَّطوا في الحالتين، وأنصفوافالشرُّ في التقييد والإطلاقِ
ربُّوا البنات على الفضيلةِ، أنّهافي الموقفين لهنَّ خير وثاق
وعليكمُ أن تستبينَ بناتكمنورَ الهدى وعلى الحياءِ الباقي
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع