من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
إسماعيل صبري باشا
أكثر ما ينظم فلخطرة تخطر على باله من مثل حادثة يشهدها أو خبر ذي بال يسمعه أو كتاب يطالعه، ينظم المعنى الذي يعرض له في بيتين عادة إلى أربعة إلى ستة، وقلما يزيد على هذا القدر إلا حيث يقصد قصيدة،
شديد النقد لشعره كثير التبديل والتحويل فيه حتى إذا استقام على ما يريده ذوقه من رقة اللفظ وفصاحة الأسلوب أهمله ثم نسيه، ومن قوله يصف الأهرام:
لا القومُ قومي ولا الأعوان أعوانيإذا ونى يوم تحصيل العلى وانِ
ولستُ أنْ لم يؤيدني فراعنةمنكم بفرعونَ عالي العرش والشانِ
ولستُ جبّار ذا الوادي إذا سلمتِجبالهُ تلك من غاراتِ أعواني
لا تقربوا النَّيلَ إن لم تعلموا عملاًفماؤهُ العذبُ لم يخلقْ لكسلانِ
ردوا المجرّة كذّاً دون موردهِأو فاطلبوا غيرهُ رياً لظمآنِ
وابنوا كما بنت الأجيالُ قبلكمُلا تتركوا بعدكم فخراً لإنسان
أمرتكم، فأطيعوا أمرَ ربّكملا يئنِ مستمعاً عن طاعةٍ ثانِ
فالملك أمرٌ وطاعاتٌ تسابقهُجنباً لجنب إلى غايات إحسانٍ
لا تتركوا مستحيلاً في استحالتهحتى يميطَ لكم عن وجه إمكانِ
مقالةً قد هوت من عرش قائلهاعلى مناكب أبطال وشجعان
مادتْ لها الأرضُ من ذعرٍ ودان لهاما في المقطَّم من صخر وصوَّانِ
لو غير فرعونَ ألقاها على ملأِفي غير مصرِ لعدَّت حلم يقظان
لكنّ فرعونَ إن نادى جبلاًلبَّت حجارتهُ في قبضةِ الباني
وآزرتهُ جماهير تسيلُ بهابطاحُ واد بماضي القوم ملآنِ
يبنون ما تقف الأجيالُ حائرةأمامهُ بين إعجاب وإذعانٍ
من كل ما لم يد فكر ولا فتحتعلى نظائره في الكون عينانِ
ويشبهونَ إذا طاروا إلى عملجنّاً تطير أمرٍ من سليمانِ
برّاً بذي الأمر لا خوفاً ولا طمعاًلكنّهم خلقوا طلابَ إتقانِ
أهرامهم تلك، حيّ الفنَّ متخذاًمن الصُّخورِ بروجاً فوق كيوانِ
قد مرَّ دهر عليها، وهي ساخرةبما يضعضعُ من صرحٍ وإيوانِ
لم يأخذِ الّليلُ منها والنهارُ سوىما يأخذُ النملُ من أركان تهلانِ
كأنها والعواد، في جوانبهاصرعى بناءُ شياطين لشيطانٍ
جاءت إليها وفود الأرض قاطبةتسعى اشتياقاً إلى ما خلَّدَ الفاني
فصغَّرت كل موجود ضخامتهاوغضَّ بنيانها من كلّ بنيانِ
وعادَ منكرُ فضل القوم معترفاًيثني على القوم في سرَّ وإعلانِ
تلك الهياكل في الأمصار شاهدةٌبأنهم أهلُ سبقٍ، أهلُ إمعانٍ
وأن فرعونَ في حول ومقدرةوقومَ فرعونَ في أقدام كفؤانٍ
إذا أقام عليهم شاهداً حجرٌفي هيكل قامتْ الأخرى ببرهانٍ
كأنما هي والأقوام خاشعةٌأمامها صحفُ من عالمٍ ثانِ
تستقبلُ العينَ في أثنائها صورٌفصحة الرمز دارت حولَ جدرانِ
لو أنها أعطيتْ صوتاً لكانَ لهُصدّى يروّع الإنس والجان
أين الألى سجَّلوا في الصّخر سيرتهموصغّروا كلَّ ذي ملك وسلطانِ
بادوا، وبادت على آثارهم دولٌوأدرجوا طيَّ أخبار وأكفانِ
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع