من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
الحكم الأول (٢)
الأصل فى إطلاق الكلام أن يكون محمولا على الحقيقة ولا يعدل إلى المجاز إلا لدلالة، فإذا، المجاز على خلاف الأصل لا محالة لأدلّة ثلاثة:
أولها: أنا نقول اللفظ إذا تجرّد عن القرينة، فإمّا أن يحمل على حقيقته وهذا هو المطلوب، فإن الحقيقة هى الأصل، وإما أن يحمل على مجازه، وهو باطل لأن الشرط المعتبر فى حمله على مجازه إنما هو حصول القرينة، ولا قرينة هناك وإمّا أن لا يحمل على حقيقته، ولا على مجازه، وهو باطل لأنه على هذا التقدير يخرج عن أن يكون مستعملا، ونلحقه بالمهملات، وإما أن يحمل عليها جميعا، وهذا باطل أيضا لأنه لو قال الواضع، احملوا هذا اللفظ عليهما جميعا كان حقيقة فى مجموعهما وإن قال: احملوه إما على هذا أو على هذا أو على ذاك، كان مشتركا بينهما وكان حقيقة فيهما. فإذا بطلت هذه الأقسام كلّها تعين ما قلناه من حمله على الحقيقة عند التجرد.
وثانيها: أن المجاز لا يمكن تحققه إلا عند نقل اللفظ من شىء إلى شىء آخر لعلاقة
بينهما، وذلك يستدعى أمورا ثلاثة، وضعه الأصلى، ثم نقله إلى الفرع، ثم العلاقة التى بينهما، وأمّا الحقيقة فإنه يكفى فيها أمر واحد، وهو وضعها الأصلّى. والمعلوم أن كل ما كان توقّفه على شىء واحد فهو سابق على ما يكون توقّفه على ذلك الشىء مع أمرين آخرين.
وثالثها: أنه لو لم يكن الأصل فى الكلام هو الحقيقة لكان الأصل لا تخلو حاله إمّا أن يكون هو المجاز، ولا قائل به، فيجب القضاء بفساده، أو لا يكون واحد منهما هو الأصل، وهو باطل أيضا لأنه يلزم منه أن يكون كلام الشارع مترددا بين الحقيقة والمجاز، فيكون مجملا لا يمكن فهم المراد من ظاهر خطاباته وخلاف ذلك معلوم فلا حاجة إلى إبطاله. ولما كان ذلك فاسدا علمنا أن الأصل فى الكلام هو الحقيقة، ويؤيّد ما ذكرناه ما روى عن ابن عباس أنه قال: ما كنت أدرى ما الفاطرة حتى اختصم إلّى رجلان فى بئر، فقال أحدهما: فطرها أبى، أى اخترعها. وحكى عن الأصمعى أنه قال: ما كنت أعرف الدّهاق حتى سمعت جارية بدويّة تقول: أسقى دهاقا أى ملانا. فلولا أن السابق من الإطلاق فى الكلام هو الحقيقة، لما فهموا تلك المعانى، لجواز أن تكون مستعملة فى غيرها على جهة المجاز، أو تكون مترددة بين الحقيقة والمجاز.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع