من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
المبحث الأول فى بيان موقع البلاغة
اعلم أن الأشياء فى التحقق والثبوت على مراتب أربع:
الأولى منها: تحققها فى الذهن وتصورها، وهذه الرتبة هى الأصل وعليها تترتب
الوجودات الأخر، لأن الشىء إذا لم يكن له تصور فى الذهن وتحقق فإنه لا يمكن وجوده فى الخارج بحال ثم بعض التصورات الذهنية قد يستحيل وجودها فى الخارج كما تقول فى القديم تعالى والقدرة القديمة والحياة القديمة فإن هذه وإن أمكن تصورها فى الذهن لكن لا حقيقة لها فى الخارج بالبرهان العقلى، وتارة يكون له وجود فى الخارج وهو سائر الممكنات.
المرتبة الثانية: التحقق فى الأعيان وهذا نحو ما يوجد فى العالم من المكونات، فإن لها تحققا فى الوجود الخارجى والتعين الوجودى، ولسنا نريد بالوجود العينى هو كل مدرك ولكن نريد كل ما حمله الوجود الخارجى عن الذهن، مدركا كان أو غير مدرك.
المرتبة الثالثة: الألفاظ الدالة على تلك الصور الخارجية والذهنية فإن ههنا ألفاظا قد وضعت للدلالة عليها لضرب من المصلحة العقلية.
المرتبة الرابعة: الكتابة الدالة على تلك الألفاظ فالمرتبتان الأوليان لا يفتقران إلى المواضعة، لأنهما عقليان، والمحتاج إلى المواضعة إنما هو المرتبة الثالثة، والرابعة، ومزية الكمال فى الحسن والجمال تكون فيهما جميعا، والبلاغة تحصل فى كل واحد منهما، لكن الكلام أوسع مجالا وأعظم مضطربا، وفيه وقع التنافس فى البلاغة نظما ونثرا. والكتابة مسبوقة فى المواضعة عليها بالكلام فلا يمكن المواضعة عليها إلا بعد سبق الكلام وقد تفننوا فى الخط أنواعا من التفنن وتوسعوا فيه ضروبا من التوسعات، ولنشر من ذلك إلى تصرفين:
التصرف الأول: منها بالإضافة إلى النّقط، وذلك على أوجه أربعة:
أولها أن تكون الكلمات المتوالية معراة كلها من النقط، وهذا مثاله قول الحريرى:
أعدد لحسادك حد السلاحوأورد الآمل ورد السماح
وثانيها: أن تكون الكلمات كلها لا حرف منها إلا وهو منقوط ومثاله أيضا ما قاله الحريرى
فتنتنى فجننتنى تجنىبتجن يفتن غب تجنى
وثالثها: أن توجد كلمات، واحدة منها كلها منقوطة وواحدة لا حرف فيها منقوط وهذا كقوله أيضا: «الكرم- ثبت الله جيش سعودك- يزين، واللؤم- غضّ الدهر جفن حسودك- يشين.
ورابعها: كلمة واحدة، واحد من أحرفها منقوط، والآخر معرى من النقط، ومثاله قوله أيضا: «أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته يلبّ».
التصرف الثانى: يرجع إلى الاتصال والانفصال فى الأحرف، وذلك يكون على وجهين، أحدهما أن تكون منفصلة، ومثاله ما قاله بعضهم:
وزر دار زرزور وزر دار زاره ودار رداح إن أردت دواء فترى هذه الأحرف حاصلة على جهة الانفصال.
وثانيها: أن تكون متصلة كلها وهذا كثير كقوله «فتنتنى فجننتنى» وقد سبق. ولنقتصر على هذا القدر من بلاغة الخط والكتابة. ولنرجع إلى مقصودنا من بيان مواقع البلاغة فى الألفاظ.
واعلم أن البلاغة مختصة بوقوعها فى الكلم المركبة، دون المفردة، فلا يوصف الكلام بكونه بليغا إلّا إذا جمع الأمرين جميعا مع حسن اللفظ، وجودة المعنى، فمتى كان هكذا وصف بالبلاغة، فإن كان المعنى جزلا، واللفظ غير فصيح، أو كان اللفظ فصيحا، وكان معناه ركيكا نازلا، فإنه لا يوصف بالبلاغة أصلا، وهذا غير مستبعد.
وبيانه بالمثال، فإنّ من كان معه لآل، كل واحد منها فى نهاية النفاسة على انفرادها، ثم ألفها تأليفا نازل القدر فإنه يهون أمرها، حتى يقال: إن هذه ليست تلك من أجل قبح تأليفها. وعكسه من كانت معه لآل نازلة القدر فألفها تأليفا عجيبا، ونظمها نظما رشيقا يعظم فى المرأى موقعها حتى يخيل للناظر أنها غيرها لما يظهر من حسن التأليف، فهكذا حال الكلم المفردة بالإضافة إلى تأليفها ونظمها، فإن فاق اللفظ والمعنى فهو الموصوف بالبلاغة، فإن نقص أحدهما وبطل لم يكن موصوفا بالبلاغة فموقعها الأمران جميعا كما أشرنا إليه.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع