من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
البحث الرابع فى مراعاة المحاسن المتعلقة بمركبات الألفاظ
وهذا نحو التجنيس كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
والترصيع، كقول عبد الرحيم بن نباتة الواعظ فى بعض خطبه:
الحمد لله عاقد أزمة الأمور بعزائم أمره، وحاصد أئمة الغرور بقواصم مكره.
والتصريع: وإنما يكون فى المنظوم الشعرى وغير ذلك من فنون البديع، فإن هذه الأمور كلها سنوردها فى فن المقاصد، ونظهر أسرارها وما اشتملت عليه من المحاسن.
فصار تأليف الألفاظ والكلم المفردة فى إفادتهما للفصاحة بمنزلة تأليف العقد وانتظامه، فلا بد فى ذلك من مراعاة أمور ثلاثة.
أولها: اختيار الكلم المفردة كما فصلناه من قبل، كاختيار مفردات اللآلىء وانتقائها فى حسن جوهرها وصورتها.
وثانيها: نظم كل كلمة مع ما يشاكلها أو يماثلها كما يحسن ذلك فى تركيب العقد
ونظمه، لأنها إذا حصلت مع ما يشاكلها وقعت فى أحسن موقع وجاءت فى أعجب صورة.
وثالثها: مطابقة الغرض المقصود من الكلام على اختلاف أنواعه وتباين فنونه فلا بد من أن يكون موافقا لما أريد به بعد اختصاصه بالتركيب، وهو غرض عظيم، لابد من رعايته ونظيره فى العقد، فإنه بعد إحكام تركيبه وإتقان تأليفه لابد من مطابقته لما صيغ له فتارة يجعل إكليلا على الرأس، ومرة يجعل طوقا فى العنق، وقد يجعل شنفا على الأذن، وإذا خالف فى ذلك بطل المقصود وفات الغرض، فإذا جعل إكليل الرأس على غيره، أو جعل طوق العنق فى غيره بطل المقصود وفات الغرض، والكلام بعد تركيبه إذا وضعته فى غير موضوعه ولم تقصد به ما هو موضوع له انخرم المقصود به وكان خاليا عن البلاغة.
فالأمر الأول والثانى من هذه الأمور الثلاثة يتعلق بالفصاحة، لأنها من عوارض الألفاظ، ومجموع الثلاثة كلها هو المراد بالبلاغة، لأنها من عوارض الألفاظ والمعانى جميعا كما سنوضح التفرقة بينهما بمعونة الله تعالى فهذا ما يتعلق بخصوص الفصاحة.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع